• مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
إياد أبو الحجاج
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

بسيوني الحلواني

لوجه الله

شباب الدعاة.. وتجديد الخطاب الدينى

بقلم .... بسيوني الحلواني

الجمعة 31 يناير 2020

 

 

لم يعد تجديد الخطاب الدينى مطلبا للسياسيين والمفكرين والمعنيين بالإصلاح الفكرى والاجتماعى ومواجهة موجات التطرف والتشدد الدينى التى تعرضت لها مجتمعاتنا العربية فى السنوات الأخيرة.. كما لم يعد هذا التجديد مطلبا لعلماء ومفكرين إسلاميين مستنيرين يزعجهم عرض الإسلام بصورة منفرة لأهله وغير أهله.. بل أصبح تجديد عرض الإسلام مطلبا للجماهير المسلمة فى كل مكان من عالمنا الإسلامى الكبير، حيث يقدم  الإسلام رؤية موضوعية للحياة ويضبط سلوك الكبار والصغار بقيم وآداب وأخلاقيات تضمن استقامة الحياة والسير بها الى الأفضل والأمثل.

 

وهنا يجب أن نعترف بأن الجماهير المستقبلة للخطاب الدعوى قد ملت من أحاديث كثير من الدعاة وخطباء المساجد المنعزلين عن العصر، حيث لا يقدم هؤلاء جديدا من الفكر والثقافة والتوعية والتوجيه الدينى الصحيح.. ولذلك أصبح التجديد والتطوير حاجة تفرضها تطورات العصر، وتفرضها طبيعة ديننا الخاتم الذى أراده الله خاتما وجامعا لكل الرسالات السماوية.. فقد أدى الجمود فى الخطاب الدعوى لدى كثير من الدعاة التقليديين الى ظهور أجيال من المتطرفين والتكفيرين وانخداع بعض الشباب بما يقدمون من ثقافة دينية مغشوشة.. كما ظهر جيل جديد من الدعاة غير المتخصصين فى الشأن الدينى وقدموا صورة باهتة للإسلام.. وهؤلاء انخدع بهم كثير من الجماهير الذين رفضوا تشدد المتشددين وملوا من أساليب الدعاة التقليديين.. وكانت النتيجة ظهور الإسلام بأكثر من صورة فى أذهان الجماهير، وأصيب البعض بالحيرة والتشتت بين هذه الصور.. وهى حيرة صنعها المتحدثون بإسم الإسلام- وهم كثيرون- وبعضهم لا يدرك الحقائق الإسلامية، أو يدركها ولا يستطيع أن ينقلها للجماهير بسهولة ويسر..  وهذه الصور المتعددة قد انتهت بنا الى فقدان الثقافة الإسلامية الصحيحة فى أذهان كثير من جماهيرنا وخاصة الشباب.

 

****

 

وسط هذه الحيرة يظهر جيل جديد ومشرف من دعاة الأزهر والأوقاف حيث نهل هؤلاء من معين الثقافة الإسلامية الصحيحة، وأصبحت لهم قدرة على نقل المفاهيم والحقائق الإسلامية الصحيحة باسلوب سهل وميسر ولغة يفهمها الجميع.. وقد استمتعت منذ أيام بالاستماع الى اثنين من شباب الأزهر من خلال برنامج "وقولوا للناس حسنا" على القناة الثانية بالتليفزيون المصرى وهما الشيخين الشابين: أحمد محمد عبد العظيم ، وسيد عبد المنعم أبو السعود حيث تحاور معهما مذيع فاهم وواع هو "عيد مهنى" ودار موضوع الحلقة حول "حماية الأوطان فى الإسلام" وقد نقل الشيخان الشابان حجم اهتمام الإسلام بحماية الوطن والسعى الى تحقيق أمنه واستقراره لجماهير المستمعين بلغة سهلة وبسيطة وأدلتهم من النصوص الدينية والسيرة النبوية الصحيحة حاضرة ومقتعة ومؤثرة وأعترف بأننى شخصيا- وأنا من قدامى المتعلمين بالأزهر- استفدت منهما وأتمنى أن تركز مؤسساتنا الإسلامية ( الأزهر والأوقاف والافتاء) على إعداد كتيبة جديدة من الدعاة والمفتين الشباب ونشرهم فى كل وسائل الإعلام، وتدريبهم على الاستخدام الأمثل لوسائل التواصل الاجتماعى لتعم الاستفادة منهم وتصل الصورة الصحيحة للإسلام من خلالهم.

 

****                                   

 

من المهم- بل من الواجب الدينى والوطنى- أن يكون لدينا جيشا من الدعاة الذين يدركون أولا أن تجديد الخطاب الديني أصبح مطلبا ملحا، فالتجديد سنة من سنن الكون، وضرورة من ضرورات العصر التى لا غنى عنها، وذلك مصداقا لقول نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها".. والتجديد فى أمور الدين يتطلب فهم الواقع، والتعرف على سلبياته ومحاولة علاجها، ورد الناس إلى المنهج الصحيح من خلال استخدام الحجة الدينية فى الحكم على ما يستجد فى حياتنا المعاصرة.

 

من المهم أن يكون لدينا دعاة مستنيرين يتسلحون بتعاليم الإسلام الصحيحة، ويدركون أن التجديد فى الخطاب الدينى لا يعنى التغيير والتبديل فى ثوابت الدين وأصوله.. كما لا يعنى الشطط فى العقيدة تشددا أو تساهلا، إنما يكمن التجديد فى تطوير لغة الخطاب الدعوى وآلياته، والمطالبة بأخذ كل ما هو جديد لمواكبة الواقع المعاصر والتغيرات الحادثة والمستجدات المستمرة، وما يحيط بالمجتمع ومن يعيش فيه من تحديات.

 

 التجديد المطلوب فى الخطاب الدينى لا يعنى التشكيك فى الثوابت والتطاول على علماء الأمة قديما وحديثا- كما يفعل بعض الأدعياء الذين يتسترون وراء شعار التجديد- بل هو يعنى تجديد الآليات والوسائل بعيدا عن المساس بالثوابت المتمثلة فى القرآن الكريم وسنة النبى صلى الله عليه وسلم، وذلك عن طريق الفهم القويم للنص، فهما يهدى المسلم لمعالجة مشكلاته وقضايا واقعه فى كل عصر يعيشه، فلا تجديد ولا تطوير بعيدا عن التزام الخطاب الدينى بصحيح الدين.

 

نحن- فى مصر وغيرها من العالم الإسلامى- فى حاجة ماسة إلى خطاب دينى يبرز عظمة ديننا فى البناء والتعمير والتحضر والرقى السلوكى والأخلاقى بعيدا عن القصص الغريبة التى يبحث عنها بعض الدعاة وخطباء المساجد فى بطون الكتب القديمة ويرددونها على الجماهير من خلال المنابر أو وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعى.

 

نحن فى حاجة ماسة الى خطاب دعوى يدفع الشباب الى المزيد من العمل والكفاح لتغيير الواقع والسير فى حركة الحياة المعاصرة وفقا لقيم وأخلاق وآداب الدين.. خطاب يأخذ من التراث ما يدفع الى الأفضل ويتفق مع سنن التغيير الحضارى.. خطاب يعيد للإنسان دوره وفاعليته وحضوره فى حركة المجتمع، خطاب ينبع أولا من طبيعة الإسلام.. خطاب ينطوى على دعوة مستمرة إلى التجديد والتطوير والتغيير للأفضل.                                    

مصر ولادة فى كل المجالات، ولا ينبغى أن نفقد الأمل فى بروز جيل جيد من الدعاة يستطيع أن يرتقى بلغة الخطاب الدينى ويقود الجماهير الى هداية الدين بعيدا عن التشدد والانحلال.

 

[email protected]