طيب القول

الأوكازيون‭ ‬الرمضانى

كل‭ ‬عام‭ ‬ونحن‭ ‬جميعا‭ ‬بخير،‭ ‬بمناسبة‭ ‬حلول‭ ‬الشهر‭ ‬الكريم،‭ ‬رمضان‭ ‬المعظَّم‭ ‬الذى‭ ‬شرَّفه‭ ‬المولى‭- ‬عزَّ‭ ‬وجلَّ‭- ‬بنزول‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬فيه،‭ ‬وتحديدا‭ ‬فى‭ ‬أعظم‭ ‬ليالى‭ ‬العام،‭ ‬والتى‭ ‬اختصَّها‭ ‬الخالق‭- ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭- ‬بأنها‭ ‬خير‭ ‬من‭ ‬ألف‭ ‬شهر‭ ‬فقال‭: "‬إنَّا‭ ‬أنزلناه‭ ‬فى‭ ‬ليلة‭ ‬القدر‭. ‬ليلة‭ ‬القدر‭ ‬خير‭ ‬من‭ ‬ألف‭ ‬شهر‭. ‬تنزَّل‭ ‬الملائكة‭ ‬والروح‭ ‬فيها‭ ‬بإذن‭ ‬ربِّهم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬أمر‭. ‬سلام‭ ‬هى‭ ‬حتى‭ ‬مطلع‭ ‬الفجر‭".‬

هذا‭ ‬الشهر‭ ‬فرصة‭ ‬حقيقية،‭ ‬ومنحة‭ ‬إلهية‭- ‬وليست‭ ‬مِنَّة‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬الخلق،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬ربِّ‭ ‬الخلق‭ ‬والكون‭ ‬جميعا‭- ‬لنعود‭ ‬أو‭ ‬نُعيد‭ ‬أنفسنا‭ ‬وأرواحنا‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬أراده‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬لنا‭ ‬وبنا‭ ‬من‭ ‬خير‭ ‬وصفاء،‭ ‬واقتراب‭ ‬منه‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى،‭ ‬فالسعيد‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬انتهز‭ ‬واستثمر‭ ‬الفرصة‭ ‬المتاحة‭ ‬له‭ ‬الآن،‭ ‬لأنها‭ ‬ربما‭ ‬لم‭ ‬تتوفَّر‭ ‬مرّة‭ ‬أخرى‭- ‬لأسباب‭ ‬عديدة‭ ‬ومتنوّعة،‭ ‬وحالات‭ ‬السقوط‭ ‬والوفاة‭ ‬أصبحت‭ ‬ملازمة‭ ‬لنا‭ ‬فى‭ ‬حياتنا‭ ‬الآنية،‭ ‬وليس‭ ‬ضحايا‭ "‬كورونا‭" ‬عنَّا‭ ‬ببعيد،‭ ‬وموت‭ ‬الفجأة‭ ‬وغيرها‭!- ‬فالسعيد‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬مدَّ‭ ‬الله‭ ‬فى‭ ‬عُمُرِه‭ ‬حتى‭ ‬أدرك‭ ‬موسم‭ ‬وأوكازيون‭ ‬غفران‭ ‬ومحو‭ ‬الذنوب‭ ‬وجنى‭ ‬وحصد‭ ‬الحسنات‭ ‬والمغفرات‭.‬

هب‭ ‬أن‭ ‬أحد‭ ‬سلاسل‭ ‬المحلات‭ ‬الكبرى‭ ‬قدَّم‭ ‬عرضا‭ ‬مُغريا‭ ‬لعملائه‭ ‬بأخذ‭ ‬أى‭ ‬شئ‭ ‬من‭ ‬السلع‭ ‬مجَّانًا،‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬10‭ ‬دقائق،‭ ‬فماذا‭ ‬عسانا‭ ‬نجد‭ ‬من‭ ‬تصرّفات‭ ‬وسلوكيات‭ ‬هؤلاء‭ ‬المستهلكين‭ ‬عملاء‭ ‬المحل؟‭! ‬لاشك‭ ‬أن‭ ‬منهم‭ ‬مَنْ‭ ‬يلهث‭ ‬وراء‭ ‬حمل‭ ‬السلع‭ ‬الرخيصة،‭ ‬ثقيلة‭ ‬الحمل‭! ‬ومنهم‭ ‬مَنْ‭ ‬يتخبّط‭ ‬ويتردَّد‭ ‬فى‭ ‬أى‭ ‬السلع‭ ‬يحمل‭ ‬ويُثقِل‭ ‬كاهله‭! ‬ولكن‭ ‬أيضا‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يعرف‭ ‬جيّدا‭ "‬ما‭ ‬خفَّ‭ ‬وزنه‭ ‬وغلا‭ ‬ثمنه‭" ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬الرابح‭ ‬الأكبر‭!‬

فلماذا‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬جميعنا‭ ‬هذا‭ ‬الرابح‭ ‬الأكبر،‭ ‬مع‭ ‬العرض‭ ‬الإلهى‭ ‬الذى‭ ‬يُقدِّمه‭ ‬لنا‭ ‬ربُّ‭ ‬العزَّة‭ ‬جلَّ‭ ‬وعلا،‭ ‬فى‭ ‬هذا‭ ‬الموسم‭ ‬الرمضانى،‭ ‬والأوكازيون‭ ‬المفتوح،‭ ‬لاغتراف‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يقع‭ ‬تحت‭ ‬أيدينا‭ ‬من‭ ‬الحسنات،‭ ‬وسلوك‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬نستطيع‭ ‬من‭ ‬الأعمال‭ ‬الصالحة‭ ‬التى‭ ‬تضمن‭ ‬لنا‭ ‬العفو‭ ‬والمغفرة،‭ ‬خاصة‭ ‬وأننا‭ ‬نُحْكَم‭ ‬بقاعدة‭ "‬لا‭ ‬يُكلِّف‭ ‬الله‭ ‬نفسا‭ ‬إلا‭ ‬وسعها‭"‬،‭ ‬وأيضا‭ ‬أننا‭ ‬لم‭ ‬نُكلَّف‭ ‬بالإتيان‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬أُمرنا‭ ‬به،‭ ‬بل‭ ‬فقط‭ ‬بما‭ ‬نستطيع،‭ ‬فى‭ ‬المقابل‭ ‬نُهينا‭ ‬تماما‭- ‬فقط‭- ‬باجتناب‭ ‬ما‭ ‬نُهينا‭ ‬عنه،‭ ‬فقال‭ ‬سيدنا‭ ‬رسول‭ ‬الله‭- ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وآله‭ ‬وسلم‭-: "‬ما‭ ‬أمرتكم‭ ‬به‭ ‬فأتوا‭ ‬منه‭ ‬ما‭ ‬استطعتم،‭ ‬وما‭ ‬نهيتكم‭ ‬عنه‭ ‬فانتهوا‭"‬،‭ ‬فهل‭ ‬هناك‭ ‬أعظم‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬العروض‭ ‬الإلهية‭ ‬والنبوية‭ ‬التى‭ ‬تُريد‭ ‬لنا‭ ‬الفوز‭ ‬والنجاة‭ ‬بسعادة‭ ‬الحياة‭ ‬الدنيا‭ ‬والآخرة،‭ ‬دون‭ ‬تعبّ‭ ‬أو‭ ‬مشقَّة؟‭!‬

كلنا‭ ‬الآن‭ ‬بيدنا‭ "‬الاختيار‭ ‬الصح‭" ‬إمَّا‭ ‬أن‭ ‬نُحسِن‭ ‬استغلال‭ ‬هذا‭ ‬الأوكازيون‭ ‬الرمضانى‭- ‬فنفوز‭ ‬برضوان‭ ‬الله‭ ‬وعفوه‭- ‬أو‭ ‬نُهْدِره‭ ‬ونُضيّعه‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أيدينا،‭ ‬باللهاث‭ ‬وراء‭ ‬المُتَع‭ ‬الزائفة‭ ‬والزائلة،‭ ‬والوقوع‭ ‬فى‭ ‬حبائل‭ ‬الأبالسة‭ ‬وشِرَاكِهم،‭ ‬فتتفَلَّت‭ ‬أيام‭ ‬وليالى‭- ‬بل‭ ‬ساعات‭ ‬ودقائق‭- ‬هذا‭ ‬العَرْض‭ ‬الربَّانى،‭ ‬حتى‭ ‬يجد‭ ‬المُضَيِّعون‭ ‬أنفسهم‭ ‬أمام‭ ‬يوم‭ ‬عيد‭ ‬الفِطْر،‭ ‬ليُكْمِلوا‭ ‬ما‭ ‬تبقَّى‭ ‬لهم‭ ‬من‭ ‬عُمُر‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الأرض،‭ ‬ليُفاجؤوا‭ ‬بأن‭ ‬الحسْرة‭ ‬والندامة‭ ‬هى‭ ‬رصيدهم،‭ ‬يوم‭ ‬لا‭ ‬ينفع‭ ‬الندم؟‭!‬

فاللهم‭ ‬أعِنَّا‭ ‬على‭ ‬استلام‭ ‬رمضان،‭ ‬وسلِّمنا‭ ‬له،‭ ‬وتسلّمه‭ ‬منَّا‭ ‬مُتَقَبَّلا،‭ ‬وأعنَّا‭ ‬فيه‭ ‬على‭ ‬الصيام‭ ‬والقيام‭ ‬وحفظ‭ ‬كتابك‭ ‬الكريم،‭ ‬واجعلنا‭ ‬فى‭ ‬معيّتك‭ ‬ومعيّة‭ ‬نبيّك،‭ ‬أبدا‭ ‬دائما‭.‬