بث مباشر
أخبار التعليم
  • مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

مجاهد خلف

إلى الأمام

في رحاب سيدي عمرو !

بقلم .... مجاهد خلف

الاربعاء 18 سبتمبر 2019

الاقتراب من مسجد عمرو بن العاص والدخول فيه مسألة مختلفة تماما.. مسجد ليس كأي مسجد .. حالة استثنائية  من كل الوجوه ..من اي مدخل يريده العقل او القلب..مهابة وجلال في اعلى قمة الاحساس والوجدان. استغراق تام في عمق التاريخ والحواضر الانسانية.. سفر بعيد متناه الى محطات ومراكز القواعد الاصيلة في كيفية بناء الاوطان واحترام الانسان وترسيخ مبادئ الحب في اسمى معانيه وكيف يتعانق دائما مع الخير ويتزين بالجمال ويكتسي بالجلال ..

النظرة الاولى قبل الولوج من اي عتبات المسجد تأخذ قلبك قبل عقلك وروحك الى هالات من نور واشراقات كانت ولم ينقض وميضها حتى اليوم..انها شاخصة امام الابصار لمن يتبصرون ولمن لا يريدون ان يبصروا..

على امتداد البصر بين جدران المسجد وساحته الرهيبة تلح الخواطر وتتداعى الاسئلة وتتقاذف ذكريات ويتم استدعاء سجلات وسجلات من التاريخ القديم والحديث..كلها تقول وتؤكد هنا كان يجلس الصحابي الجليل وقائد جيوش الفتح الاسلامي العظيم لمصر عمرو بن العاص..

في كل ركن وبجوار كل عمود حتى في التوسعات التاريخية التى تتابعت على المسجد تجد سيدي عمرو حاضرا وبكل عنفوان القوة ..في الساحات الفسيحة يأخذك الفكر ولن يدع لك مجالا لعجب حول الاتساع العظيم لجنبات المسجد ويجيبك صوت العقل فورا انه مركز الدولة الاسلامية ولابد ان يسع كل قادم من اهل مكة والحجاز والمدينة المنورة وكل بطون القبائل العربية وكذا وفود اهل مصر من الحواضر والبوادي ومن اعماق الوديان ومن ممثلي الكنائس والاديرة الباحثين عن الامن والسلام والاستقرار.. كان من لزوميات ما يلزم ان يكون مسجد عمرو ملبيا ومجيبا ومتوافقا لكل الصور التى يستدعيها الذهن ويحاول ان يتصورها كل معاصر سواء من المحبين او اصحاب الوعي الشقي..

حالات من العصف الذهني والوجداني تتملكك مع كل زيارة للمسجد الذي عرف باسماء عدة منها تاج الجوامع او المسجد العتيق او مسجد عمرو بن العاص وهو ما يعرف به الآن..

حالات من الدهشة وموجات من الفخر وعواصف من الذهول كنت اقرأها على وجوه كبار العلماء من ابناء العالم الاسلامي الذين شاركوا في المؤتمر الثلاثين للمجلس الاعلى للشئون الاسلامية وصحبهم الدكتور محمد مختار جمعة وزير الاوقاف في جولة لاهم وابرز معالم مصر الحضارية شملت مسجد عمرو بن العاص ومجمع الأديان بمصر القديمة وقلعة محمد علي ومسجدها العتيق  ..

كانوا يتنقلون بين جنبات المسجد الفسيحة يتأملون الجدران وكانهم كادوا يستنطقونها..كانوا يصلون في الاركان واماكن مختلفة على امل ان يكون هنا صلى سيدي عمرو..

من عبقرية المكان في مسجد عمرو بن العاص ذلك التعانق التاريخي بين شواهد وحواضر الاديان السماوية الثلاثة..يهودية ومسيحية واسلام..هناك عناق نادر جاء من عالم الازل تؤازره قوة ربانية وتشع منه ومعه كل الاسرار والاشراقات الروحية التي يمكن ان يعرفها ويلمسها عالمنا الارضي..هنا موضع ومرسى انقاذ موسى الرضيع عليه السلام من فرعون وزبانيته..عندما اوحى الله الى امه " فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِيۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ".

 وفي عين المكان نجاة المسيح عيسى بن مريم وامه والعائلة في المغارة المقدسة .وفي عين المكان قيض الله للاسلام مركز قوة ليملأ الارض نورا  ومنه ومعه اشرقت افريقيا وأوروبا بنور ربها..

ومن هذه الصورة العبقرية ارتسمت بصدق وتحددت الكثير والكثير من اعمدة واركان الطبيعة المصرية الحقيقية وتلك الشخصية المبهرة المحاطة بانوار علوية والمكللة بتيجان لم يعرفها الغير في دنيا البشر..ولعل هذا احد اسرار ومكامن القوة الحقيقية في الشخصية المصرية وتميزها وما تحمله من مخزون حضاري وما تمتلكه من رصيد مقدس كان له اثره في صقلها وتحديد ملامحها وتأكيد سموها الروحي والانساني واتصالها لمبكر بالنبع الصافي بانوار السماء العلوية .

ولعل هذه المنح الالهية والعطايا الربانية الخالصة لمصر والمصريين والتى لم يدرك كنهها وحقيقتها الا الانبياء واصحاب الكشف واولو النهى هي كلمة السر ومفتاح المفاتيح للطبيعة المصرية..لعل المرء يستشرف من وجود هذه الهالات ما حدث من تجليات ونبوءات وكرامات لانبياء الله موسى وعيسى وذلك القول النبوي الخالد لخاتم الانبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم وبشاراته بفتح مصر وتوصيته الغالية.." فاتخذوا منها جندا كثيفا فانهم في رباط الى يوم القيامة ؟".

وتلك واحدة من الحقائق العلوية التى لم تدركها افهام وعقول الغزاة والمحتلين على مر العصور..لم يستطيعوا استيعاب حقيقة الاشراقات الربانية وايحاءاتها وظلالها التى تغمر مصر واهلها فجعلتهم في رباط وحولت اارضهم الى مقبرة للغزاة ولقنت كل من اغرته شياطينه وراى نفسه عزيزا متعاليا درسا لا ينساه  وجعلته يشهد مصرعه بعد ان توهم ان يكون مرتعه.

اذا كان عمرو بن العاص والصحابة الاجلاء قد اتخذوا من الفساط مركزا ونقطة تمركز وانطلاق للفتح الاسلامي وانوار الرسالة المحمدية ليس فقط الى افريقيا بل والعالم الغربي..فانه على بعد مرمى حجر وخطوات قليلة تقع واحد من ابرز شواهد البركة التى حلت بأرض مصر..واحدة من اهم مقرات ومحطات العائلة المقدسة في بر مصر.. واحدة من اهم واقدم الكنائس في العالم.. كنيسة المغارة ..التى شيدت فوق المكان الذي لجأت اليه السيدة مريم والسيد المسيح عليهم السلام في رحلتهم بمصر واقاما فيه ما يقرب من ثلاثة اشهر..ولايزال في المكان البئر الذي كانوا يشربون منه..

وفي المكان كنيسة الشهيدين سرجيوس وواخس ويعود تاريخ إنشائها إلى القرن الرابع الميلادي وهى واحدة من أهم الكنائس الأثرية نظرًا لأهميتها الدينية.

وبالجوار شواهد يهودية مهمة..ابرزها المعبد اليهودي اذ يعتقد ان هذا المكان هو الذي استقر به "سبت" نبي الله موسى عليه السلام وهو رضيع وقال آخرون أنه ذلك المكان الذي كان سيدنا موسى يدعو الله فيه عندما اجتاح مصر مرض الطاعون.

يروى المقريزى أن المعبد كان فى الأصل كنيسة حيث بيعت إلى اليهود نظرًا لضائقة مالية مرت بها الكنيسة فى عهد الدولة الطولونية وسمى المعبد "بن عزرا" ومر على المبنى عدد من الترميمات وعمليات التطوير واكتشفت به عدد من الوثائق عام 1890 تعرف بـ"الجنيزا".

وسط هالات النور في المكان لا يمكنك تفادي العديد من الصدمات الحضارية بعضها يصيبك بنشوة الفخار والمجد واحاسيس العظمة اللامتناهية وبعضها يجعلك في حالة من التيه والتوهان الذي يذكرك بالتيه الذي ضرب على بني اسرائيل وتشعر وانه قد مسنا ضرب منه وان كان التيه اليهودي مكاني فان التيه الذي اصاينا على مايبدو حضاري تؤكده احاسيس ووقائع الانفصام التي يثبتها الواقع المرير وتساؤلاته الاشد مرارة..

قضايا كثيرة يفرضها المكان وتجليات الزمان الغابر والحاضر وآمال عظام نحن احق بها ولابد ان نصل اليها يوما باذن الله تأكيدا لوعد السماء..والله غالب على امره ولو كره المبطلون..والله المستعان على ما يصفون.. 

[email protected]