المؤسسة المالية والاستثمارية الرائدة في الاسواق الناشئة والمبتدئة
  • مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

مؤمن الهبـاء

عين العقل

يوميات رمضان الكورونا

بقلم .... مؤمن الهبـاء

الاثنين 01 يونيو 2020

 

كثيرا ما يسألك أصدقاؤك ومحبوك عن حياتك فى ظل الكورونا ، وبالذات فى شهر رمضان المبارك ، كيف قضيت أيامه ولياليه فى الحظر وحالة الهلع التى نعيشها ويعيشها العالم كله ، واقترح بعض الأصدقاء أن نكتب مذكرات تلك الأيام الصعبة التى ندعو الله ألا تتكرر ، ولقد حاولت فعلا أن أكتب هذه اليوميات فى مذكرات لكننى لم أستطع ، ربما لأن الأيام كانت  متشابهة ولم تشهد أحداثا درامية ، لهذا فضلت أن أسجلها فى صورة ذكريات لا مذكرات . 

بداية أنا من أكثر الناس التزاما بالقواعد واللوائح والقوانين ، أعتبر ذلك من سمات الإنسان المتحضر الذى يمقت الفوضى والاضطراب ، وقد تعلمت مبكرا جدا أن احترامى للقانون والنظام هو احترام للأنا العليا ، احترام للذات ، وحتى القوانين النى أراها ظالمة أو متخلفة ألتزم بها طالما هى قائمة ، لكن هذا الالتزام لايمنع من السعى لتغييرها وبيان فسادها بالحجة والمنطق . 

من هذا المنطلق كان التزامى صارما بقواعد التعامل والحظر ، لم أخرج  طوال الشهر الكريم إلا مرات معدودة ولأسباب قاهرة ، ولم أفطر خارج البيت إلا ثلاث مرات ، مرة مع أخى فى قريتنا حفاظا على تقليد عائلى قديم بأن نفطر أول وآخر يوم فى رمضان معا ، ونقضى أول أيام العيد معا ، لكننا اكتفينا بإفطار أول أيام رمضان ، والمرة الثانية كانت مع أختى الكبرى التى هى بمثابة أمى ، أطال الله فى عمرها ، والمرة الثالثة مع ابنتى ، ولم يزرنى أحد طوال الشهر غير أخى وابنتى .

 مضى بنا رمضان حزينا موحشا ، رغم أن  يومى دائما كان مزدحما وليس فيه فراغ ، حرمنا من بيوت الله ومن لقاء الأحبة عمار المساجد ، وكلما سمعنا صوت الأذان زاد حزننا ، وبالذات فى يوم الجمعة الذى افتدقنا طقوسنا الجميلة فيه ، وجعلنا الحرمان نقدر مدى السعادة والطمأنينة التى كنا نرفل فيهما فى الأيام الخوالى ، ومع ذلك حاولنا بقدر الإمكان تحويل جزء من البيت إلى مسجد للأسرة ، نؤدى فيه الصلوات فى وقتها عقب الأذان مباشرة حتى نستشعر ما كنا نجده من لذة الصلاة فى المساجد ، خاصة صلاة التراويح ، لكننا لم نبلغ أبدا من الراحة والمتعة ما كنا نبلغه أثناء الصلاة بالمسجد ، وهو ما جعلنا ندرك أن هذا الفضل الكبير قد خص به الله سبحانه بيوته فى الأرض دون سائر الأماكن .

حاولت قدر المستطاع الالتزام ببرنامجى اليومى الذى اعتدت عليه منذ  أكثر من ربع قرن مع أقرب جيرانى وأصدقائى ، المرحومين جلال عيسى رئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير دار الشعب ومدير تحرير الأخبار الأسبق ، ومحمود بسيونى رئيس التحرير الأسبق للمجلة الزراعية التى كانت تصدر عن دار التعاون ، كنا نلزم أنفسنا بالمشى مرتين يوميا ، بعد الفجر وبعد العشاء ، فنحن قوم لا نلعب ولا نجرى ، ومهنتنا تفرض علينا الجلوس إلى المكاتب لساعات طوال ، وبعد أن انتقلا إلى جوار ربهما جعلت التزامى مقتصرا على المشى بعد الفجر إلى جانب ممارسة السباحة مرتين فى الأسبوع بنادى الزمالك المجاور لمنزلنا .

 وفى ظل الظروف التى  فرضها الوباء اللعين وإغلاق النادى لم يعد أمامى غير المشى عقب صلاة الفجر لحوالى نصف الساعة ، ثم حين  نبه الأطباء إلى ضرورة أن ترى أجسامنا الشمس لتحصل على فيتامين " د " كى تزيد مناعتها ضد كورونا اصطنعت جولة أخرى للمشى نصف ساعة إضافية بعد العاشرة صباحا ولكنها لم تكن منتظمة .

وعقب جولة الفجر تأتى فترة القراءة والكتابة حتى صلاة الضحى ، تلك إحدى طقوسى اليومية التى أحرص عليها ، وأرى أنها أفضل  استثمار لأفضل فترة من فترات يومى ، فترة الصبح حين يتنفس بهواء نقى نظيف يجدد صحو الكون ، ويخرج النور رويدا رويدا  ليمحو ظلام الليل ويعطى العالم حياة جديدة ، وأعجب ممن يقضون ليلهم سهرا حتى إذا حانت هذه الساعات الرائعة ناموا وهم لا يدرون أنهم ضيعوا أغلى لحظات العمر ، لذلك أحسب نفسى من المحظوظين الذين يتمتعون بهذا الجمال الربانى بعد قسط وافر من النوم ، مدركا أن النوم ـ كما اليقظة ـ نعمة وضرورة للصحة البدنية والتوازن النفسى .

ورغم الكورونا وفقنى الله سبحانه وتعالى لإحياء ليلة القدر اعتكافا فى البيت ، صحيح أنها لم تكن بروعة الاعتكاف المعتاد فى المسجد وسط الأحبة ، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جله ، ونسأل الله القبول .  

وقد تنوعت قراءاتى خلال رمضان ما بين قراءة جزء من القرآن الكريم يوميا ، وتدارسه بما يكفى للإلمام بمعانيه ومقاصده ، وقراءة الصحف اليومية ، ومطالعة مواقع التواصل الاجتماعى التى صارت مصدرا مهما للأخبار والآراء والمعلومات ، ثم مشاهدة نشرات الأخبار ومتابعة بعض حلقات المسلسلات التى أريد الكتابة عنها .

وفى كل رمضان كان لى إلى جانب ما سبق كتاب ألتزم بقراءته ، وهذا العام كان كتابى " نهج البلاغة من كلام الإمام على " للشريف الرضى  بشرح وتقديم الإمام محمد عبده ، الصادر عن هيئة قصور الثقافة عام 2004 ، وهو كتاب ضخم فى ثلاثة أجزاء ، الأول خصص للخطب والأوامر التى كان يلقيها الإمام كرم الله وجهه ، والثانى للكتب والرسائل ، والثالث للحكم والمواعظ ، وقد أتممته بفضل الله رغم وعورته ، ولعل الله يأذن بتقديم عرض له فى هذه الزاوية لاحقا . 

اللهم ارفع عنا البلاء والوباء ، وكل عام وأنتم بخير .