هيرميس

كلام بحب 

كفاح التلميذ !! 

 تنتهى بعد غد السبت أطــول إجــازة نصف عام دراسـى تعرفها مصر .. حيث استمرت 43 يومًا بسبب الموجة الثانية من جائحة " كورونا" التى غيرت كل شيء معتاد على وجه الأرض .. وفرضت إجراءات لم تعرفها البشرية من قبل.

بالتأكيد سيكون التعليم من أكثر الأنشطة الإنسانية تأثرًا فى المستقبل .. وستشهد النظم التعليمية تغييرات جوهرية فى كل دول العالم .. بل إن أماكن تلقى الدروس ستختلف سواء المدارس أوالمعاهد والجامعات .. بمعنى أن التغيير سيكون فى الشكل والمضمون وفى نوعية المعلم والتلميذ.. وعلينا الاستعداد لذلك من الآن.

يشعر أولياء الأمور والطلاب والمعلمون بقلق مشروع من عـودة الدراسة وإجــراء امتحانات " التيرم " .. وان كان يمكن للمسئولين طمأنتهم باتخاذ الإجراءات الاحترازية وضمان التباعد والالتزام بارتداء الكمامات فإن الخوف الأكبر ليس فقط من " كوفيد 19 " ولكن من عدم وضوح الإستراتيجية التى ستتبع فى كيفية إدارة العملية التعليمية .. و معرفة هل ستظل المــدارس والجامعات مستمرة بالشكل التقليدى الذى عهدناه طوال القرن العشرين وأول 20 عامًا من القرن الجديد إلى أن هبط " كورونا "  كالقضاء المستعجل .. وهل ستتغير طبيعة العلاقة بين الأستاذ وتلاميذه .. وهل سينتهى عصر الحوار المباشر ويكون اللقاء الدراسى عن بُعد عن طريق الإنترنت .. وماذا عن الكليات العملية كالطب والهندسة والعلوم والزراعة ؟!

تـوجـد بلبلة بـين الأهــالــي .. واضــطــراب فـى أوســاط الطلاب .. وعـدم وضـوح رؤيـة لدى المدرسين .. ووزارتـا التربية والتعليم والتعليم العالى لـم تفصحا عن الإستراتيجية ليس لترتيبات باقى العام الدراسى الحالى ولكن لمستقبل المنظومة التعليمية فى السنوات القادمة .. فمن حيث الشكل لا نعرف مثلاً ماذا ستفعل الوزارة بالنسبة  للمدارس التى بها فصول تستوعب 80 أو 100 طالب يجلسون متجاورين فى عز الشتاء ويكونون عُرضة لكل الفيروسات .. أو بالنسبة لكليات مثل التجارة والآداب والحقوق التى بها مدرجات يحضر فيها مئات الطلاب .. هل يمكن أن يستمر ذلك فى ظل انتشار الأوبئة والفيروسات ويكون التلميذ هو أول الضحايا ؟!

قد تستمر الجائحة كما تتوقع منظمة الصحة العالمية لفترة تستغرق سنوات .. مما يعنى أن مواعيد الدراسة يمكن أن تتغير لتفتح المدارس والجامعات أبوابها خلال أشهر الصيف وتكون إجـازة نهاية العام الدراسى فى الشتاء .. فهل يمكن بحث هـذا الاحتمال على أساس أن " الـفـيـروس "  تتراجع شراسته مع ارتـفـاع درجـات الحرارة؟!

اما بالنسبة للمضمون فلابد من برامج جديدة ومناهج حديثة تعتمد على البحث والمعرفة واستخدام وسائل توضيحية فى الشرح عن بُعد مع تقسيم الطلاب على أيــام حتى لا يحضروا بكامل كثافتهم إلـى الفصول .. مع ضرورة عـدم إغفال التلقين واللقاء المباشر بين  الأستاذ وتلميذه من جانب وتفاعل الطلاب مع بعضهم وممارستهم للأنشطة مـن جـانـب آخــر فـذلـك من أساسيات كل طرق التعليم بما فيها المنظومة الإلكترونية التى تستخدم تكنولوجيا الإتصالات .. فليس من المعقول ولا المقبول ان يتلقى التلميذ كل العلم عن بُعد وهو جالس فى بيتة !! 

******
الأهم .. تغيير الفكر !!

إذن سنحتاج إلى تعديل مواعيد الدراسة المعتادة وإلى تهيئة الطلاب لطريقة تعليم جديدة لم يعتادوا عليها وربما ستكون هذه العملية أسهل فى الحضانات والمدارس الابتدائية حيث سيعتاد عليها الطفل من البداية .. أما طلاب الإعدادى والثانوى والجامعى فيحتاجون إلى إعـداد نفسى وذهنى وإلى إقناع وتدريب على الطرق الجديدة .. كما سيستدعى الأمر تنظيم دورات للمدرسين لاستيعاب كل هذه التغييرات .. وستكون هناك ضرورة لإجراء تعديلات فى تصميم بناء المدارس .. وإلى توصيل شبكات " الواى فاى والإنترنت "  ضمن البنية الأساسية للمدارس والكليات الجامعية .

 لن يشمل التغيير فقط سلوك التلاميذ وما اعتاد عليه الطلاب .. ولا الأسس التربوية وطرق الشرح السائدة لدى معظم المدرسين وأساتذة الجامعات .. ولكن هناك تغييرًا أكبر يجب ان يحدث فى فكر المسئولين فاملطلوب من الذين يخططون للعملية التعليمية أن يستوعبوا كل ذلـك وينقلوه إلـى مـدراء المدارس وعمداء الكليات .. والأهم من كل ذلك أن أولياء الأمور أيضا عليهم أن يتغيروا وأن يكونوا عونًا لأبنائهم على تقبل الحياة الدراسية الجديدة التى ستُفرض عليهم خاصة وان اغلب الدراسة سيتلقونها عبر "  التابلت " فى البيت .. وعلى الآباء والأمهات ان يساعدوا الأساتذة على أداء وظيفتهم المُستحدثة ويصبروا عليهم فى البداية .. والا يدفعوا أولادهم لأخذ الدروس الخصوصية التى ستفسد هذه المنظومة لو استمرت .. والغريب أن من يساعد على استمرار الـدروس الخصوصية ويشجعها هم الآباء وقـد أصابتنى الدهشة عندما سمعت ان إحدى الأمهات طلبت من مدرسة فى حضانة أن تعطى طفلها الذى لم يتجاوز 4 سنوات درسًا خصوصيًا لأنه ضعيف فى اللغة العربية ولكنه يجيد الإنجليزية .. والله هذا حدث!!

قد يكون من الضرورى البحث عن أنماط جديدة من الأبنية التعليمية .. ويمكن الاستفادة من عمليات تطوير القرى المصرية فى زيــادة أعــداد المـــدارس والمعاهد والكليات فى كل أنحاء البلاد .. ولا مانع من الأخذ بنظام مدارس الفصل الواحد ونشرها فى ربـوع الريف فى بحرى والصعيد فقد يناسب هذا النمط توزيع التلاميذ على عدة فصول فى امكن متباعدة بدلاً من تجميعهم فى مجمع مدارس .. وإذا دعت الضرورة لاستغلال أى أرض فضاء فى القرى خلال العام الدراسى وإقامة " خيمة كبيرة " تستوعب أعــدادًا أكبر وتسمح بتباعد التلاميذ خاصة إذا تم اعتماد العام الـدراسـى فى الصيف .. وبالطبع توجد أفكار كثيرة ولكن املهم دراستها ضمن خطة قومية ورؤية جديدة.

****
البداية من الحضانة!!

سينتهى هذا العام الدراسى بحلوه ومُره .. وبإذن الله سيتم القضاء على " كوفيد 19 " وتنتهى الجائحة .. ولكن لن يعود العالم كما كان ولن نستطيع تخيل شكل الحياة الجديدة على وجه الأرض .. ولا مدى التغيرات فى سلوك البشر.. ولا مقدار التحولات فى العلاقات الدولية .. وما يهمنا هو المستقبل وصناعة الأجيال التى ستقود مصر .. والتعليم وسيلتنا لبناء الإنسان لذلك علينا البدء من الحضانة والاهتمام بالأطفال ووضع برامج لهم منذ الصغر فلا يمكن ترك فلذات أكباد الوطن دون وضع أسلوب علمى وإستراتيجية لتعليمهم فى هذه السن المبكرة خاصة وان كثيرًا من الحضانات يتركونهم بلا تربية ولا تعليم .. أما تلاميذ الإبتدائى والإعـدادى فالكثيرون منهم يتسربون من المدارس وقد يكون التعليم عن بُعد فرصة لاستقطابهم بشرط توفير الأدوات لهم .. أمـا طلاب الثانوى والجامعة فيحتاجون لآباء يعاملونهم بالحكمة التى توارثناها " ان كبر ابنك خاويه " فهذا المثل الشعبى يمكن أن يكون إستراتيجية للتعليم الجامعى الذى لابد أن يعتمد على الرأى والحوار والبحث والتجربة والمعرفة والإطلاع والتفاعل مع البيئة والمجتمع .

لابد من تكاتف المجتمع لإصلاح التعليم .. ولأن رب ضارة نافعة .. فقد يكون للجائحة فائدة أنها فرضت على العالم تغيير أنظمة التعليم " بالعافية" .. وإذا لم يحدث فسوف يستمر " كفاح التلميذ " فى ظل نظام عفا عليه الزمن وستنتعش أكثر الدروس الخصوصية !!