• مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

علي هاشم

معا للمستقبل

لقاء الرئيس بفتاة التروسيكل دعوة للعمل وتقدير للبسطاء

بقلم .... علي هاشم

الخميس 06 ديسمبر 2018

المناصب العامة في كل الدنيا ليست صكوكاً علي بياض توهب للمسئولين دون محاسبة أو مساءلة أو تقييم للأداء.. وهي كذلك ليست نفوذاً مطلقا يفعل بمقتضاه المسئول-أي مسئول- ما يشاء في وظيفته أو رعيته استغلالاً لصلاحياته بل هي تكليف لخدمة الشعب ومصالح الدولة العليا وأمانة سوف يُسأل عنها كل راعي عما استرعاه الله ..ولعل استبعاد عدد من الوزراء والمحافظين وكبار المسئولين من مناصبهم في الفترة الأخيرة دليل علي أن هناك رقابة علي أداء المسئولين ومحاسبة للمقصرين والمتقاعسين والفاسدين الذين أسرف بعضهم في الوعود دون أن يحقق منها شيئاً وبالغ بعضهم وزيف الواقع وقصَّر في أداء واجبه غافلاً عن حقيقة مهمة مفادها أن الإهمال وتعطيل مصالح الناس فساد لا يقل خطورة عن إهدار المال العام والتربح من وراء الوظيفة أو تربيح الغير منها. فالنتيجة واحدة في جميع الأحوال وهي ضياع الحقوق وتبديد الموارد والإطاحة بأحلام المواطن في الرخاء والرفاه. وإهدار لمبدأ تكافؤ الفرص. الأمر الذي يتسبب في إغضاب الجمهور وإرهاقه وتوسيع الفجوة بينه وبين حكومته..ومن ثمّ فإن إزاحة العناصر غير الصالحة عن مواقعها نهج رشيد يؤكد أن بقاء أي مسئول- كبر أو صغر- صار رهناً بما يقدمه هذا المسئول من إنجازات وتطبيق أمين لما هو مرسوم له من سياسات ورؤي وأفكار موجهة في الأساس لخدمة الناس وتيسير حياتهم ومن ثم فلابد أن يمر المسئول الناجح من بوابة رضا الناس وارتياحهم لأدائه. 
ولعل استقبال الرئيس السيسي للمواطنة الكادحة مروة العبد ابنة قرية العبيدات بالأقصر والتي تعمل سائقة تروسيكل لنقل البضائع تارة ونقل الأطفال لمدارسهم تارة أخري.. ومن قبلها استقباله للمواطنة السكندرية مني السيد التي اشتهرت بفتاة العربة نظراً لاعتيادها جر عربة محملة بالبضائع وسط شوارع الإسكندرية وحواريها ..وفي ذلك رسالة تقدير لقيمة العمل ورسالة شكر وامتنان واعتزاز بمن يكدح في عمله أياً كان هذا العمل ما دام شريفاً يغني صاحبه عن مذلة السؤال والعيش عالة علي المجتمع ..ومن ثم فإن حفاوة استقبال الرئيس وتكريمه لمواطنين بسطاء مكافحين ولاسيما المرأة المعيلة يستحق أن يحتذي به سائر المسئولين في الدولة للشد من أزر المجدين وشكرهم ومكافأة جهودهم وحفزاً لهم وغيرهم من السائرين علي درب الكفاح. 
كما أن المسلك الرئاسي في التعامل مع البسطاء الكادحين رسالة لكل مسئول صغر أو كبر أنه لم يعد مستساغاً ولا مقبولاً التعامل مع احتياجات المواطنين في أي جهة حكومية خدمية بمنطق الاستعلاء أو الاستخفاف والسخط. فالموظف العام هو -وفقاً للدستور- خادم للشعب يحمل أمانة كبري واجبة الأداء انطلاقاً من مبدأ ¢كلكم راعي وكلكم مسئول عن رعيته¢ ..وأنه آن الأوان أن يتحمل الجميع أمانته. وأن يرأفوا بحال رعيتهم من الفقراء والمهمشين وذوي الحاجة وأن ينصفوا المظلومين الذين يتطلعون للعدل والإنصاف والعيش بكرامة..هذا الكلام ليس موجهاً للحكومة وحدها بل لنواب الشعب الذين اختارهم الناخبون ليحققوا آمالهم ويدافعوا عن مصالحهم تحت قبة البرلمان وإلزام الحكومة بذلك. ليس فيما يخص أبناء دوائرهم فحسب بل مصالح الشعب جميعاً بحسبانهم نواب الأمة وضميرها وعينها الساهرة علي مصالحها العليا من أمن قومي وتعليم وصحة واقتصاد وغيرها..ذلك أن إنهاض مصر واستقرارها معلق في رقابنا جميعاً ولا يمكن لطرف واحد مهما تكن قوته أن ينهض به. سواء أكان هذه الطرف حكومة أم معارضة أم برلماناً أم مجتمعاً مدنياً. فاليد الواحدة لا تصفق ونظرة واحدة لأحوالنا ندرك كم قصرنا في حمل الأمانة التي وُكّلنا بها ونسينا درساً مهما علمنا إياه رسولنا الكريم حين اشترط علي أسري بدر إطلاق سراحهم مقابل تعليم عشرة من أبناء المسلمين القراءة والكتابة . أي محو أميتهم التي يري المفتي الأسبق د.علي جمعة أن استمرارها بيننا عارى علينا جميعاً. فثمة هيئة قومية لمحو الأمية تعمل في هذا الحقل منذ أكثر من 60 عاماً لكن هذا الداء العضال لا يزال موجوداً. 
لنا في التاريخ الإسلامي أسوة حسنة فما دخل المسلمون بلداً إلا وبدءوا بتعليم الناس حتي انتشر العلم من الهند إلي الأندلس ودخل الناس في الإسلام طوعاً بلا إكراه وهو المبدأ الذي تأسس عليه الدين الحنيف ¢لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي¢. 
الشعب ينتظر من حكومته ونوابه أن يرتقوا لمستوي الأحداث والظروف والمسئوليات. فالمهمة ثقيلة لا تحتمل أي تهاون أو تقاعس. وشهادة د.علي جمعة فوق أنها إدانة صريحة لحكومات سابقة فهي تلقي بمهمة ثقيلة علي كاهل الحكومة الحالية ومجلس النواب ..فكيف لمجتمع أن ينهض ويحقق أهدافه وفيه ملايين الأميين الذين لا يقدرون علي أداء واجبهم ولا ممارسة حقوقهم بوعي كامل وإرادة حرة. فالجهل أحد أهم معوقات التقدم ..فكيف لأمة ناهضة أن تأخذ مكانها وتعليمها متردي وصحة أبنائها معتلة وبحثها العلمي لا يجد طريقه للتطبيق والاشتباك مع قضايا عصره وهمومه وشواغله..كما أن الفقر يجثم علي أنفاس قطاع كبير من الشعب. وهو ما أدركه الرئيس السيسي منذ اللحظة الأولي لتوليه مقاليد البلاد.. وها هو الآن يحدث تغييراً جذرياً في التعليم علي أصعدة عديدة لينقله من تعليم التلقين والحفظ والاستظهار الذي ينتهي بشهادة ورقية لا ظل لها في الواقع إلي تعليم يحرض العقول علي الفكر والإبداع..كما تجري الآن مبادرات لاستنقاذ المصريين من براثن المرض..وها هي مبادرة ¢100 مليون صحة¢ للكشف عن فيروس سي وأمراض الضغط والسكر والسمنة قد أتمت مرحلتها الأولي بنجاح في 10 محافظات بواقع 11.5 مليون مواطن جري فحصهم والكشف عليهم ثم استهلت مرحلتها الثانية في 11 محافظة جديدة..وبالتوازي معها تجري مبادرة القضاء علي قوائم انتظار العمليات الجراحية العاجلة علي قدم وساق..وكذلك مبادرة المشروعات الصغيرة التي يمكنها تحويل مصر إلي بلد منتج. 
إن مصر تستحق أن يتفاني الجميع في سبيل نهضتها وتبوءها مكانتها المستحقة.. وهذا يقتضينا أن نبذل الغالي والرخيص والجهد والعرق وإنكار الذات ,وأن نخلع رداء التعصب للفئة أو الجماعة أو الحزب لتحقيق توافق وطني لا غني عنه لعبور محنتنا الاقتصادية والثقافية والفكرية التي لا تحتمل أي تأجيل أو تنازع للإرادات أو تقاطع للولاءات.. ولن ينفع معها إلا صلاح النوايا وصفاء القلوب والتجرد والإخلاص لوجه الحق لترجمة التوافق الوطني إلي عمل خلاق منتج يلبي احتياجات ومطالب المواطن وتطلعه لواقع أفضل بعد الذي عاناه اقتصادياً جراء القرارات الإصلاحية الضرورية الأخيرة التي تحملها علي أمل أن تنفرج الأزمة ويجني ثمار تعبهم ومعاناته. 
لكن ما ينبغي أن يكون واضحاً وحتي لا يساء فهم ¢التوافق الوطني¢ الذي نبغيه لبلدنا فإن مثل هذا التوافق المنشود لا يعني بحال أن نكون جميعاً صوتاً واحداً بلا اختلاف في الرؤي والتصورات. فاستنهاض الهمم واستبقاء الروح العالية للشعب لن تتحقق في غيبة التنوع في الآراء ما دامت تلك الآراء تنطلق علي أرضية المصالح العليا للوطن. فالنقد الموضوعي الهادف البناء ينفع ولا يضر . يبني ولا يهدم.. يزيد البدائل والحلول ثراء وعمقاً مادام الهدف الأسمي تحقيق صالح البلاد والعباد لا تصفية الحسابات ولا وقف مسيرة البناء أو تشويه الصورة وإهالة التراب علي كل إنجاز. 
المعارضة القوية ضرورة لقيام نظام سياسي قوي في أي بيئة ديمقراطية لا تتحقق غايتها إلا بوجود الرأي والرأي الآخر حتي تتلاشي السلبيات وتتعاظم الإيجابيات علي أرضية من الشفافية والوعي السياسي والنضج عند التصدي للقضايا العامة بالنقد والرجوع للحق والإصغاء لكل الآراء المعارض قبل المؤيد..ولا تنحصر المعارضة في الأحزاب السياسية المعروفة فحسب بل في كل رأي شريف سواء كان مؤيداً أو معارضاً ولعل منتديات الشباب التي تنعقد بصفة منتظمة برعاية الرئيس هي بيئة خصبة لتربية الشباب علي الديمقراطية العملية وهي تجسيد واضح لاحترام الرأي الآخر وتقديم رؤي جديدة تصب في صالح البلاد والعباد. 
لكن العقل الحكومي بكل أسف لا يزال يتعامل مع المواطنين بمنطق الأبوية والوصاية. 
ورغم النشاط المكثف والمشكور الذي يبذله رئيس الوزراء في جولاته الميدانية لمواقع العمل والإنتاج وتجمعات المواطنين فإنني أرجو لو تشمل تلك الزيارات المناطق العشوائية والقري الأكثر حرماناً حتي يشعر المواطن بالرضا عن أداء حكومته فيعترف لها بما تنجزه علي أرض الواقع ويتجاوب مع قراراتها وإجراءاتها ..وهو ما لن يتحقق إلا إذا شعر المواطن بتحسن ملحوظ فيما يقدم له من خدمات تراعي آدميته وتسعي لراحته ورضاه. 
نزول المسئولين إلي الشارع تجاوباً مع نبض المواطن بات ضرورة أكثر من أي وقت مضي ولا يكفي أن يزور رئيس الوزراء أو الوزراء والمحافظين بين الحين والآخر موقعا هنا أو هناك علي أهمية ذلك بالطبع.. بل لابد أن تشعر الحكومة المواطن بأنها تحترمه وتهتم به ولا تتواني عن تخفيف متاعبه وإسعاده فإذا شكا من الغلاء الفاحش سارعت بشرح الأسباب وبيان ما سوف تفعله وفق مخطط زمني للتغلب علي ذلك ومحاربة جشع التجار والمحتكرين ..وإذا تكاثرت القمامة في شارعه سارعت إلي جمعها ومعالجتها بطريقة مبتكرة فلا يتصور أن تبقي تلك المشكلة بلا حل ناجع حتي هذه اللحظة..فأين تذهب رسوم النظافة التي يجري تحصيلها علي فواتير الكهرباء شهرياً ..وأين تذهب الصناديق الضخمة المخصصة لجمع القمامة..وأين رقابة الأحياء ومتابعتها لما يجري والتصدي للمخالفين والمقصرين بحزم..؟! 
آن الأوان لتطبيق القانون بحسم علي المخالفين جميعاً فمتي خضعت رقاب الجميع للقانون فسوف نتغلب علي مشاكلنا ونخطو بجدية نحو الديمقراطية ودولة المواطنة وسيادة القانون وسوف يحصل كل ذي حق علي حقه..وليتنا نتعلم من الرئيس السيسي كيف نعامل البسطاء ونحترم قيمة العمل أياً ما تكن صورته مادام هذا العمل شريفا لا يقصد به إلا وجه الله وسد الحاجة وخدمة الوطن..فهل نحن قادرون علي إتقان العمل وإعلاء قيمته وهل تستطيع الحكومة أن تصغي لهتاف الصامتين الذين يئنون بلا ضجيج لتوفر لهم الخدمات والرعاية بصورة آدمية بعيدا عن الروتين والاستغلال وتعقيد الحصول علي الخدمات الحكومية.