المؤسسة المالية والاستثمارية الرائدة في الاسواق الناشئة والمبتدئة
  • مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

علي هاشم

معاً للمستقبل

كورونا ..وأموال الحج والعمرة إلى أين !!

بقلم .... علي هاشم

الاربعاء 29 يوليو 2020

 

ما أعجب ما نراه اليوم من أحوال أمتنا العربية والإسلامية.. فرغم أن تعاليم ديننا واحدة ومعتقداتنا وشعائرنا واحدة.. لكن مصالح دولنا تتقاطع وتتعارض اتجاهاتها لحد الصدام كما يحدث حولنا منذ فترة ليست بالقصيرة،  فهناك دول بعينها تتصارع للقفز على أدوار تاريخية لدول أخرى محاولة زحزحتها عن مكانتها الأصيلة؛ رغبة في تحقيق مطامع أنظمتها التي تستهويها أوهام الزعامة وحب السيطرة والرغبة في جني مكاسب زائلة ولو على أنقاض ما تبقى من وحدة أمتنا وصالحها العام.

اليوم تعيش أمتنا أعظم مظاهر وحدتها ومناسكها  الجامعة؛ ركن الحج الأعظم الموحد لما فرقته الأهواء والنوازع.. لكن "عرفة" جاء هذا العام بطعم مختلف بعد أن أوقفت جائحة كورونا تدفق الحجيج من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، واكتفت المملكة السعودية بحج أعداد قليلة من المقيمين بها بما لا يتجاوز العشرة آلاف حاج مراعاة للظروف الوبائية التي لا تزال جاثمة فوق العالم حتى هذه اللحظة.

وليست فريضة الحج مجرد عبادة تؤدى دون مغزى ولا غاية بل هي مؤتمر جامع بشعائر موحدة أريد بها جمع كلمة الأمة دولاً وشعوباً، وتوحيد موقفها في مواجهة ما يعترضها من عقبات ويتهددها من مخاطر ..الكل في صعيد واحد وزيٍّ واحد يبتهل لرب واحد بشعائر ونسك واحدة في وقت واحد، لا فرق بين أبيض وأسود أو غنى وفقير أو قوي وضعيف..فماذا تحقق لأمتنا اليوم من مقاصد الحج ..هل اتفقت الإرادات وتوحدت المواقف أم تفرقت بنا السبل وباعدت بيننا المطامع..ألا يقف الإرهاب الملتحف برداء الدين زوراً وبهتاناً على أبواب الجميع دون تفرقة أو تمييز..أليست أزماتنا واحدة وهمومنا مشتركة، ويتهدد دولنا جميعاً بلا استثناء خطر التقسيم والتمزيق اللذين اجتاحا دولاً عديدة من حولنا ولم تقم لها قائمة على مرأى ومسمع من الجميع؟.

ألم يكن أحرى بدولنا والحال هكذا أن تتوحد جهودها لدرء المخاطر المحدقة بها، وأن تتكامل اقتصادياتها وأن يكون لها قوة عسكرية مشتركة رادعة لأعدائها وخصومها، وعلى رأسهم الطاغية أردوغان الذي استباح أراضي سوريا والعراق، كما يعيث اليوم في ليبيا فساداً.

ما أحوجنا إلى التوحد على قلب رجل واحد في مواجهة معضلات عديدة، أهمها الفقر والتخلف والتطرف والفهم المغلوط للدين ومقاصده التي دعت لامتلاك أسباب القوة وجعلت المؤمن القوي خيراً وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ..ولو حدث ذلك لكنا أمة قوية يعمل لها الآخر ألف حساب وما وصلنا لما نحن فيه من شقاق وضعف وفرقة تغرى أعداءنا لاستباحة حقوقنا وأمننا بلا خجل ولا ضمير.

وفي غمرة الحج ومناسبته السنوية التي تحل بنا هذه الأيام يتجدد السؤال الذي مازلنا نبحث له عن إجابة قاطعة تجد ترجمتها الواقعية في سلوك كثير منا: أيهما أولى وأكثر نفعاً تكرارالحج والعمرة أم إعانة الفقراء والمحتاجين وإصلاح العشوائيات والتعليم والصحة..إجابة هذا السؤال تنقلنا إلى سؤال آخر: هل تكرار الحج والعمرة يمحو- كما يظن البعض خطأ- الذنوب والخطايا التي يصر أصحابها على ارتكابها طيلة العام ظناً منهم أن الله سيغفرها ماداموا قد ذهبوا لأداء شعائر الحج والعمرة مرة أو مرات أخرى..وإذا كان الحج فريضة واجبة مرة واحدة في العمر متى توفر للمكلف بها شرطا القدرة والاستطاعة المالية والبدنية بنص القرآن " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً" ..فلماذا يصر البعض على تكراره..؟!

تسابقاً محموماً وإصراراً كبيراً من جانب البعض على تكرار الحج والعمرة شهدناه طيلة الأعوام الماضية رغم ظروفنا الاقتصادية الصعبة دون فهم لروح الدين ومقاصده ودون وعي بفقه الأولويات وإنفاق المال في سبل النفع العام للمجتمع ..فكيف يبيت المؤمن شبعان وجاره جائع ..وكيف يسافر الحاج مكرراً حجه أو عمرته بينما يعاني ملايين المرضى في بلده شظف العيش وآلام الجوع والمرض..ولا يجد آلاف الطلاب أماكن آدمية في مدارسهم وينخرط ملايين الفقراء والمساكين في العشوائيات والمقابر..أليس خير الناس أنفعهم للناس ..ألا يعي هؤلاء أن الإنفاق على المحتاجين أولى وأفضل عند الله من تكرار حجهم وعمرتهم..فما جاع فقير إلا ببخل غني ..أليس ثواب من ينفقون أموالهم في علاج المرضى أو بناء مستشفى أو ملجأ للأيتام أعظم عند الله من تكرار الحج والعمرة، فكيف نفترض على أنفسنا ما لم يفرضه الله علينا..ألم يعلم هؤلاء حديث المصطفى الذي سكت حين سأله صحابي : أفي كل عام يا رسول الله فلم يجبه حتى أعاد عليه السؤال، فرد عليه نبي الإسلام: لو قلت نعم لوجبت..فمن أين أوجبها هؤلاء على أنفسهم..ثم أين علماؤنا وفقهاؤنا من ذلك الفهم المغلوط لديننا ..لماذا لا يخرجون لينصحوا الناس بأن شرع الله يتحقق أينما تحققت مصلحة المسلمين، وأن الله سائلهم عن أموالهم من أين اكتسبوها وفيم أنفقوها.

دار الإفتاء المصرية قالت صراحة إن كفالة الفقراء والمحتاجين وعلاج المرضى وسداد ديون الغارمين وغيرها من وجوه تفريج كرب الناس أكثر ثواباً وأحب إلى الله وأقرب قبولاً عنده سبحانه من تكرار الحج والعمرة ..وإن من كانوا ينوون الحج أو العمرة هذا العام وحالت كورونا بينهم  وبين ما يريدون ثم تصدقوا بأموالهم فكأنهم أدوا مناسك الحج والعمرة وزيادة..فقرار المملكة بشأن الحج هذا العام يتفق مع المقاصد الشرعية التي من بينها الحفاظ على النفس البشرية والحد من انتشار وباء الفيروس المستجد الذي ينتقل بصورة متزايدة وسط التجمعات الكبيرة كتلك التي تحدث في البيت الحرام والأماكن المقدسة التي تجتذب أعداداً كبيرة بطبيعة الحال في هذا الوقت من كل عام.

وحسناً ما ذهب إليه مفتي الديار المصرية د.شوقي علام بالقول إن أيضاً المعذور مأجور؛ فالعمل أساسه النية، ويؤجر المؤمن بنيته وهو وإن لم يذهب لأرض الحرمين فعليه أن يتاجر مع الله بتوجيه أموال الحج والعمرة لدعم المحتاجين والفقراء والعمالة غير المنتظمة ضحية كورونا فإن من يفعل ذلك فكأنه حج أو اعتمر ..والسؤال: كم واحداً ممن زاروا البيت الحرام وهم بالملايين فعل ذلك..؟!

ما أحوجنا في هذه الأوقات المباركة إلى الدعاء والعمل بإخلاص لعلها تكون ساعة إجابة فيصلح الله أحوال أمتنا ويكشف عنا غمة كورونا التي حيرت العالم وعلماءه الذين لم يستطيعوا حتى الآن الوصول إلى لقاح حاسم لذلك الوباء..اللهم ارزقنا الإخلاص في الأمر كله سره وعلانيته..اللهم ارزقنا القبول والمغفرة ، وأجمع شملنا ووحِّد كلمتنا ومواقفنا فلا نتنافر ولا نتفاخر أو يزايد بعضنا على بعض ..اللهم اجعل ولاءنا لك وانتماءنا لوطننا لا لفئة ولا جماعة أو حزب أو تنظيم.

اللهم احفظ مصرنا واجعلها في أمانك وضمانك، وهب لها القدرة على مواجهة ما يعترضها من تحديات، وما يحاك ضدها من مؤامرات ..اللهم أيدها بنصرك في هذا الوقت العصيب، ونجها من شرور أبنائها وأعدائها في الداخل والخارج، وأغنها بك عمن سواك ولا تحوجها لأحد غيرك حتى لا يكون لأحد فضل عليها يتخذه ذريعة للتدخل في شئونها .

اللهم احفظ لمصر قرارها الوطني من أي تدخلات خارجية، واجعل سيادتها مضرب الأمثال، وطهرها من الإرهاب والفتن ما ظهر منها وما بطن.

اللهم اجعل انتخابات مجلس الشيوخ المزمعة قريباً ومن بعدها مجلس النواب طريقاً لانتقاء نواب صالحين لخدمة الوطن والمواطن، مؤهلين لتمثيل دوائرهم بالعلم والخبرة والاتصال الفعال بأبناء دوائرهم مدركين خطورة ما نحن فيه من ظروف وشواغل وطنية مصيرية لا ساعين لنيل الحصانات ونهب الثروات وتحقيق المصالح الشخصية الضيقة على حساب الشأن العام والمواطن.

اللهم اجعلهم على قدر التحديات يملكون الرؤية الثاقبة والوعي الحصيف بمقتضيات المرحلة والقدرة على ممارسة رقابة حقيقية على أعمال الحكومة وأداء الدور التشريعي بفهم ناضج لضرورات الوقت وأن يكونوا ظهيراً للدولة وسنداً حقيقياً لها وحلقة وصل بين الشعب وحكومته.

اللهم ارزقنا شجاعة الاعتراف بأخطائنا؛ والرغبة والقدرة على إصلاحها فالرجوع للحق فضيلة ..اللهم ارزق حكومتنا صدراً رحباً يقبل النقد البناء بلا ضيق ولا غضب..اللهم ارزقها حساً سياسياً يدرك حدود المسئولية ومقتضيات الوظيفة العامة ..وخلصنا من البيروقراطية وفساد الذمم والأخلاق وانعدام الضمير.

اللهم أصلح تعليمنا أس البلاء وآفة الآفات ومبعث المصائب والكوارث , وأصلح بحثنا العلمي الذي طال إهماله وقلت ثمراته وضعفت منتوجاته فلم نجد له أثراً في مواجهة كورونا بالصورة المرجوة حتى أدركنا كم نحن في حاجة إلى بحث علمي حقيقي يتحول من عبء يستنزف مواردنا بلا طائل إلى طاقة إيجابية وقيمة مضافة وأفكار منتجة خلاقة تعبر ببلادنا إلى نهضتها المأمولة وتنتقل بها من العوز والفقر إلى اليسر والرخاء من التخلف إلى التقدم والرقي ..فلا رقي ولا تقدم دون إصلاح التعليم والبحث العلمي والصحة أعمدة أي نهضة ومقوماتها الأساسية وهو ما تحرص الدولة على تحقيقه الآن بخطوات ملموسة وإجراءات مدروسة.

اللهم ارزق إعلامنا الموضوعية والالتزام بقضايا الوطن وإعلاء مصالحه العليا على السبق والحسابات الضيقة ..اللهم احفظ مصر من الفتن وانصر جندها خير أجناد الأرض واحفظهم وثبتهم وسدد رميهم حتى يطهروا الأرض من دنس الإرهاب، وحتى يدحروا أهل الشر وصناع الفوضى.. وتغمد اللهم برحمتك شهداءهم الذين جادوا بأرواحهم فداء لمصر ..إنك نعم المولى ونعم النصير.