هيرميس

معاً للمستقبل

ضحايا الإهمال ..!! 

 

في تحرك سريع فور وقوع حادث تصادم قطارين في سوهاج كتب الرئيس السيسي على صفحته الرسمية أن كل من تسبب في هذا الحادث الأليم بإهمال أو فساد أو بسواه سينال الجزاء الرادع دون استثناء ولا تلكؤ ولا مماطلة ..كما عزى أسر الشهداء، وأعرب عن تقديم كامل المواساة والدعم للمصابين ، و كلف رئاسة الوزراء وكافة الأجهزة المعنية بالتواجد بموقع الحادث والمتابعة المستمرة وموافاته بالتقارير..وتلك ولاشك رسالة قوية وحاسمة وواضحة وضوح الشمس لكل مسئول في هذا البلد أن يسارع بمواجهة أي فساد أو إهمال أو مخالفات أو تجاوزات في نطاق مسئوليته، وأن يتم الضرب بيد من حديد على أيدي المخالفين والمحتكرين والجشعين من التجار والبلطجية وتجار المخدرات والسلاح وكل من تسول له نفسه خرق القانون أو اقتراف الجرائم كبرت أو صغرت.

ولأن معظم النار من مستصغر الشرر كما يقال، فإن كارثة بحجم حادث سكة حديد سوهاج تشير أصابع الاتهام فيها- كما قال وزير النقل- إلى عبث البعض ببلف أو فرامل القطار المتوقف ورعونة أو تجاوز سائق القطار المتحرك بقوة طائشة أودت بحياة أبرياء وأصابت آخرين..مثل هذه الأفعال وإن تبدو عابرة أو صغيرة لكن غض الطرف عنها يكرس لمثل هذا السلوك المشين تماما كترك موروثات الإهمال في السكة الحديد ومخالفات البناء والتهام الرقعة الزراعية والتعدى على نهر النيل بتلويثه أو إهدار موارده أو البناء على حرمه..وكلها اختلالات تسبب إهمالها في خطايا نجني اليوم مرارتها؛ ورغم أنها ليست نتاج مرحلة بعينها ولا تتحملها حكومة بعينها فهي سلسلة متراكبة بعضها فوق بعض من سنين طويلة افتقدت الإرادة والهمة السياسية والتصدي للفساد والإهمال بشتى صورهما..ولو أنها وجدت من يتصدى لها في وقتها ما استفحلت بهذه الصورة المخيفة ولا استعصت ولا تحملت الأجيال الحاضرة أعباءها.

المصائب لا تأتي فرادى ..هكذا هي حكمة القدر.. ومن ينظر لحادثة قطاري سوهاج ثم انهيار عمارة جسر السويس فلا يجد بينهما من رابط إلا الإهمال وغض الطرف عن الفساد؛ ومن ثم فلا تجد الحكومة –أي حكومة- مفراً من إعلان الحرب على الفساد بحسم وحزم، واتخاذ ما يلزم من إجرءات لمنع تكرار مثل تلك الحوادث المفجعة التي يتخطى ضحاياها ضحايا الحروب.

ورغم أن الكل يعلم أن الله مطلع على أعمالنا و يدعونا سبحانه إلى إتقانها بقوله تعالى "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون" (التوبة:105) وقول رسوله الكريم "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه"..لكن واقع الأمر أننا نعانى أمراضاً اجتماعية خطيرة كالإهمال والتسيب واللامبالاة والتهاون في أداء أعمالنا واستحلال ما ليس لنا والتواكل وغيرها من آفات مدمرة تمنع التقدم وتورث التخلف والفقر ..وكم من فاجعة ابتلينا بها وكان سببها الإهمال الذي به تتعطل مصالح العباد وتزداد معاناتهم، وبه تموت الأرواح ويقل أو يسوء الإنتاج وتهدر الطاقات والأموال، ويضعف الاقتصاد وتتعرض النفوس للأخطار..وتلك سلوكيات تستلزم منا جميعاً استنفار الجهود لتعليم أبنائنا تحمل المسئولية ومكارم الأخلام ، بدءاً من الأسرة مروراً بالمدرسة والجامعة والإعلام وشتى مؤسسات الدولة وثيقة الصلة بصناعة العقل وتشكيل الوجدان والقيم.

ولتكن قاعدتنا الأساسية في مخاطبة تلك الأجيال هي "كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته" و" من غشنا فليس منا"، و" لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"..وتلك مباديء لا يمكن لها أن تترسخ في النفوس بقرار حكومي لكن بجهود مجتمعية شاملة ومتناغمة ..ثم يأتي دور الحكومة التي لن يغمض لها جفن حتى تتخلص من تلك الآفات الخطيرة التي تعوق تقدمها وتهدد أمنها، وأول الإجرات المطلوبة تجفيف منابع الفساد والإهمال وتهذيب الانفجارالسكاني الذي يلتهم عوائد أي تنمية وأي إصلاحات شاملة وثمرات أي مشروعات أو منجزات مهما يكن حجمها.

ولا ينكر أحد أن الدولة أحرزت بدرجات ملموسة نجاحات مؤثرة في ملفات عديدة؛ اقتصادية وأمنية واجتماعية، كما أنجزت مشروعات كبيرة في الطرق والكباري والأنفاق لكن مثل هذه النجاحات المبشرة تتأثر سلباً بوقوع فساد هنا وإهمال هناك..حتى لو كان مثل هذا الفساد على صورة مجاملات أو إبطاء في اتخاذات القرارات أو تعطيل لمصالح الناس.

وبصرف النظر عما وقع من حوادث قريبة فقد تحركت الحكومة في اتجاه صحيح لإصلاح جهازها الإداري وإنجاز مشروع التحول الرقمي وتوطين التكنولوجيا المتقدمة في الأجهزة والمصالح والخدمات؛ ما يعني الحد من تدخل وأخطاء العامل البشري فيما يقدم للجمور من خدمات يكتنفها أحيانا فساد وعناء وبيروقراطية طاردة لأي إنجاز ومعادية لكل تطور.

ولابد أن الحكومة ستواجه المهملين والمتقاعسين والمتراخين في أداء واجبهم؛ بحسبان الإهمال والتراخي جريمة تهدد الأمن الاجتماعي ومستقبل الأجيال القادمة وتعيق حركة الحياة..كما أن الفساد المقنّع أخطر أنواع الفساد قاطبة..وهو ما تدركه الحكومة وهي جادة بالفعل في مواجهته ..لكن عليها أولاً أن تطهر صفوفها من كل مهمل أو متقاعس أو مفرط في أمانته، مضيع لمسئوليته..ولن يتأتي ذلك إلا بمزيد من تفعيل دور الأجهزة المنوط بها كشف ومواجهة مثل هذا الفساد والتراخي، واستحداث وسائل وتشريعات وإمكانات مادية تطلق يد الحكومة في الضرب على أيدي الفاسدين.

ميكنة الإجراءات الحكومية خطوة لازمة على طريق تمكين الأجهزة من القيام بواجبها دون معوقات، وغل يد الفساد والإهمال ومنعهما من التوغل والتهام كل جهد على طريق التنمية والتطور والعدالة..ولسوف يحسب إنجازاً لتلك الحكومة إذا ما نجحت في استئصال شأفة الفساد ووقاية المجتمع من شروره ليس بمحاربته وترصده فحسب بل بمنع وقوعه أصلاً ، وتجفيف منابعه؛ فالوقاية خير من العلاج.

ولا يصح أن يترك أمر الإصلاح لضمائر البعض بل بتشديد عقوبة المهملين والفاسدين، حتى لو اضطررنا -كما فعلت الصين مثلاً-أن نصدر قانوناً يقضي بإعدام من تثبت إدانتهم بالفساد أو الاستيلاء على المال العام لردع كل من تسول له نفسه خرق القانون أو الاستهانة بمقدرات الدولة ومصالح الشعب.

ثمة تجاوزات وجرائم  لا تقبل تأجيلاً أو مهادنة، فمن أمِن العقاب أساء الأدب، ومن ثم فلا مناص من تفعيل الردع الحاسم لكل من يعبث بمرافق الدولة ويعرض حياة مواطنيها وصحتهم للخطر أو يعتدى على نهر النيل ويتسبب في نشر التلوث العابر للمحافظات أو يرتكب مخالفات بناء تحت جنح الفساد أخطر آفات العصر وأكثرها تعويقاً للتنمية المستدامة وإزهاقاً لروح العدالة وتكافؤ الفرص والسلام الاجتماعي، وأشدها إثارة لغضب الناس.

 ولست في حاجة للقول إن أي تأخير في مواجهة الفساد والإهمال أو مهادنتهما يكلف الدولة والإدارة السياسية فاتورة باهظة؛ ذلك أنه يسمح بإفلات المجرمين من العقاب ويشجع غيرهم على اقتراف جرائم مماثلة في ظل غياب المساءلة التي أدركت الدولة خطورة غيابها فبادرت فعلاً بإنزال العقاب بمسئولين كبار أثناء وجودهم في الخدمة على رأس وظائفهم.

إصلاح المنظومة التقليدية يبدأ بتجفيف المنابع وتحاشي ثغرات القوانين التي ينفذ منها الفاسدون وأعوانهم..وتلك مهمة أصيلة للبرلمان الذي عليه أن يبادر بنسف غابة التشريعات القديمة المتضاربة التي لم تعد مواكبة لحركة العصر ومستجداته.

أما الإعلام فلا تقل مهمته أهمية عن غيره من مؤسسات الدولة؛ فعليه يقع عبء صناعة الوعي ومساعدة الدولة في تبني الأولويات وكشف المفسدين والمهملين. كما ينبغي إطلاق يد الأجهزة الرقابية وبالأخص الجهاز المركزي للمحاسبات المنوط به متابعة الشئون المالية بالجهات الحكومية وتصويب أخطائها فور اكتشافها دون إبطاء حتى لا يفلت المجرم بما اقترفت يداه.

ومن الفساد أيضا اتخاذ قرار صحيح لكن في غير وقته؛ أو الإبطاء في اتخاذه، وهنا يجب الوقف الفوري لأي قرارات خاطئة يتخذها أي مسئول تحقيقاً لمبدأ الرقابة السابقة لا اللاحقة.

الاعتراف بقصور بعض التشريعات يبدو ضرورياً عند الشروع في أي إصلاح؛ فمثل هذه الثغرات اتخذها البعض مطية للإفساد وخدمة لمصالحه، كما صارت المجاملات فساداً أكبر حذر منه الرئيس السيسي نفسه ودعا لتجنبها.. ولا سبيل في رأيي للخلاص منها إلا بمزيد من الإجراءات الحمائية التي تضمن وضع الرجل المناسب في المكان المناسب الذي يستحقه.

المعركة مع الفساد والإهمال من أوجب واجبات الوقت، و لا سبيل لكسبها إلا بنسف غابة التشريعات التي تسمح بالفساد وتفتح الأبواب أمامه واسعة؛ ومن ثم  يأتي البرلمان كرأس حربة في تلك الحرب التي باتت الأجواء مهيأة  الآن تماماً أكثر من أي وقت مضي لاجتثاث الفساد من جذوره بفضل ما نراه من إرادة سياسية جادة وراغبة في مواجهة أي قصور أو فساد أو تقاعس للوقاية من آثامه باهظة الكلفة والتي لا تتحملها الأجيال الحاضرة فحسب بل الأجيال القادمة أيضاً، وهي كلفة ترهق الموازنة العامة وترفع تكلفة الخدمات على المواطن؛ الأمر الذي يزيد معاناته ويترك آثاراً سلبية في نفسه، ويعمق إحساسه بالظلم ويقلل من دوافعه ورغبته في الإنجاز وأداء الواجبات، ويوسع نطاق الجريمة، ويهدد بانهيار منظومة الأخلاق.

ولا حاجة للقول إن الحكومة وإن كانت هي المسئولة الأولى عن مكافحة الفساد والإهمال واقتلاعهما من جذورهما لكنها ليست الوحيدة المنوط بها تلك المهمة؛ ذلك أنها مسئولية مجتمعية تتطلب تغيير ثقافة ارتضت وكرست واحتضنت منظومة الفساد وغضت الطرف عن الإهمال حتى تضرر منه الجميع، وبات لزاماً تغيير تلك الثقافة المتجذرة ، وتلك مهمة لو تعلمون عظيمة، وأكبر من أن يتولاها طرف واحد مهما تكن قوته؛ فتغيير القناعات لا يتحقق أبداً بقرار فوقي بل بإيمان واقتناع وضمير حي من الجميع.

المؤسسة الدينية سواء الأزهر أو الكنيسة وكذلك الإعلام والأحزاب، وأجهزة الثقافة والتعليم والشباب مطالبون ببذل جهود جماعية لإحداث توعية مستنيرة وشاملة ومتناغمة تغرس في النشء وتقنع الشباب  بضرورة رفض الفساد والإهمال  والتجاوز، وتوقظ فيهم الوازع الديني وتربيتهم أسرياً ومدرسياً على مبدأ أصيل هو "من غشنا فليس منا".

لتكن حملة قومية منظمة ضد الفساد والإهمال والزيادة السكانية، للتوعية بمخاطر هذا الثالوث المدمر، والتذكير بالقيم الواجبة كالنزاهة والعفة  والأمانة والصدق وإتقان العمل  والتورع عن إهدار المال العام، وهي قيم تعلمناها ممن سبقونا في الزمن الجميل.

والمجتمع المدني مطالب هو الآخر ببذل أقصى ما يستطيع لتجنب ويلات الفساد والإهمال والانفجار السكاني؛ ذلك الثلاثي الخطير الذي يلتهم كل جهود التنمية ويعيق تقدم الدولة التي على مؤسساتها أن تقدم من نفسها قدوة حسنة في ترشيد الإنفاق وحسن إدارة الموارد ونشر المعلومات الخاصة بالنظم والقرارات والقوانين والإسراع بمساءلة المتراخين والمقصرين من موظفيها، حفاظاً على المال العام وتنفيذا لإستراتيجية الدولة التي جادة بالفعل في الإصلاح الشامل.

لكن ما أرجوه أن تكون رسالة الرئيس قد وصلت للجميع بأن الحسم بات مطلوباً في مواجهة ثلاثي الخطر؛ حتى يشعر كل مواطن بإنجازات دولته وحتى تكتمل الصورة وتزدهر مصرنا الجديدة التي هي في حاجة لجهد مضاعف من جميع أبنائها ، في حاجة لعقول تفكر وتبدع وتضع حلولاً خلاقة لمشكلاتنا وأزماتنا فإذا نجحنا في ذلك فإن بلدنا على الطريق الصحيح، وصولا للمكانة التي يستحقها وتليق بتاريخنا العظيم.