هيرميس

معاً للمستقبل

تكريم الأحياء أولى ..شهادتي للتاريخ

 

تكريم الراحلين ظاهرة ربما تنفرد بها مجتمعاتنا العربية..حتى يكاد المرء يعتقد أن الموت يهب أصحاب القبور نفحة إجلال وتقدير ضنّت بها الأيام عليهم حال حياتهم..وكأننا لا نعرف لهذا العالم فضله ولا لذاك المبدع أو الفنان أو المفكر مكانته ومآثره إلا بعد أن يغادرنا إلى العالم الآخر فتتسابق الهيئات والمؤسسات - حكومية وخاصة- لتدشين حفلات التأبين والرثاء والتكريم والإشادة..وكأن لسان حالها يقول: "مت حتى نكرّمك" ..هذا الأمر أثار انتباه المفكر جمال الدين الأفغاني فقال بدهشة لا تخفى: " في الشرق يموت حياً ويحيا ميتاً" ..فنحن نجهل قيمة المبدع بيننا ولا نشعر بأهميته إلا بعد تغييب الموت له ..ولا عجب والحال هكذا أن قال الشاعر :

لا ألفِيَنَّكَ بعد الموت تَنْدُبُني *** و في حياتي ما زَوَّدْتَني زادا

وما أكثر الأمثلة في دنيانا، فقبل وفاته بأشهر قليلة جرى تكريم الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش بإطلاق اسمه على أهم ميادين رام الله ما دعاه للقول " إنه ليس من المألوف أن يُكرم الأحياء؛ فالموتى لا يحضرون حفل تأبينهم ..وما استمعت إليه اليوم هو أفضل تأبين أود أن أسمعه فيما بعد...

وتلك ولاشك تقليد أو عادة توارثتها أوساطنا الثقافية والفنية والعلمية، لا نكرم المبدعين إلا بعد فقدانهم، وكان الأولى الاحتفاء بهم وهم أحياء لما لذلك من أثر نفسي إيجابي عليهم فنشد من أزرهم ونزيدهم قدرة على العطاء والإبداع فينعم المجتمع بهذا العطاء ويزداد رقياً بهذا الإبداع..ومن ثم فقد آن لهذه الظاهرة أن تتوقف وتختفي من حياتنا، فالطبيعي والأفيد أن يجري تكريم المبدعين وهم أحياء ولا ننساهم وهم أموات.

تمجيد الموتى ضارب بجذوره في ثقافتنا ويكفي أن نقول عنهم " اذكروا محاسن موتاكم"..وتلك فضيلة كبرى وميزة عظمى لكنها ينبغي ألا تكون على حساب الأحياء..فكم من مبدعين حقيقيين جرى تهميشهم في حياتهم فلما قضوا انهالت عليهم الإشادات والتكريمات..ولنا في جمال حمدان نموذج عبقري لمثل هذا المسلك..فهل يعني ذلك أننا نعشق تمجيد الأموات على حساب الأحياء أم أننا أمة تفضل العيش في الماضي على حساب الحاضر والمستقبل..؟!

في دورته الأربعين كرّم مهرجان القاهرة السينمائي الدولي  الفنان حسن حسني أثناء حياته بمنحه جائزة الفنانة فاتن حمامة ولم يتمالك حسني نفسه وجاشت نفسه بالفرح وقال " إن سعادته تكمن في تكريمه وهو على قيد الحياة"..الشيء نفسه حدث مع كاتبنا الكبير وحيد حامد حيث جرى تكريمه في آخر دورة للمهرجان ذاته بمنحه الهرم الذهبي وجائزة الإنجاز ..وكم كان مبدعنا سعيداً بمثل هذا التكريم وذلك الحضور الكبير والحفاوة البالغة التي استحقها كاتب حر وأديب أريب بحجم وحيد حامد الذي عاش ناصحاً أميناً للدولة يحلم للوطن بتبوء العلا وحيازة الريادة في كل مجالات الحياة..وقد خاض حامد حروباَ ضروساً ضد الإرهاب وتنظيماته تارة، وضد التخلف و الجمود والفساد تارة أخرى ..ولم يحدث أن اتهمه أحد أنه يعمل لحساب جهة هنا أو هناك.

والحق أننا فقدنا برحيل وحيد حامد كاتباً كبيراً ومقاتلا شرساً لم يستسلم أبداً، ولم يهادن خصوم هذا الوطن وترك لنا أعمالا خالدة في السينما والتليفزيون والصحافة ..ناقش خلالها قضايا الوطن وشواغله وتطلعاته وهمومه خاصة قضية الحريات والإرهاب والجماعات المارقة ..وكان رحمه الله من رواد القوة الناعمة لمصر والأمة العربية كلها ..أرسى مباديء الكتابة الملتزمة بقضايا الوطن..وكان لتكريمه بتلك الجائزة في آخر أيامه أثر عظيم في نفسيته نتمنى أن يتكرر مع مبدعينا وعلمائنا وكل من يخدم هذا الوطن بتفانٍ وإخلاص.

تكريم المبدع بعد موته لا يكرس إلا عطفاً؛ ومن ثم فتكريمه حياً أدعى لمضاعفة عطائه وتجنيبه الشعور بالإحباط والتهميش..وقد آن الأوان أن نسلط الضوء على التجارب القيمة لمبدعينا، ولست مندهشاً من موقف الفنان محمد صبحي أثناء تكريمه بمهرجان الشارقة للإبداع المسرحي العربي حيث قال إنه كتب وصيته لأبنائه ومحبيه رافضاً تكريمه بعد وفاته.

لتكريم الراحلين أشكال عديدة في مختلف دول العالم؛ إما بنصب تذكارية أو تماثيل تخلد ذكراهم أو بإطلاق أسمائهم على الشوارع العامة أو تدشين جائزة تحمل أسماءهم أو بوضع صورهم على العملات أو طوابع البريد ..ولعل بريطانيا أولى الدول التي كرمت عدداً كبيراً من أدبائها وعلمائها بإصدار طوابع بريد خاصة بهم ..كما فعلت مصر مبكراً الشيء نفسه بتكريم مبدعيها عبر طوابع بريد تحمل صورهم كما حدث مع فنان الشعب سيد درويش بمناسبة مرور 35 عاماً على رحيله، ومن بعده صدر طابع بريد آخر يحمل صورة سلامة حجازي في ذكري رحيله الخمسين ..أما كوكب الشرق أم كلثوم فقد صدر لها طابع بريد في العام الذي رحلت فيه (1975)..وما ينطبق على طوابع البريد ينطبق على تسمية الشوارع بأسماء الراحلين وكلها ظواهر تؤكد أنه نادراً ما يحدث مثل هذا التكريم حال حياتهم..فمتى تختفي تلك الظاهرة حتى يذوق المكرمون حلاوة التكريم والتقدير وهم أحياء يرزقون..؟!

أصحاب الأقلام هم أصحاب المتاعب يحملون على أعناقهم أمانة ثقيلة ومسئولية خطيرة يواجهون حروب الأفكار ويجدفون ضد تيارات التكفير والإرهاب ويقودون معارك شرسة ضد الفساد والإهمال والجهل والتخلف وهم في طليعة معارك الوعي والاستنارة والتنمية والحفاظ على الدولة..أفلا يستحقون مع كل هذا العبء تكريماً يخفف عنهم عناءهم ويزيدهم قوة في حمل تلك الأعباء حتى تبقى أعمالهم حية في ذاكرة الأجيال والوطن..؟!

تكريم عمالقة الفكر وأصحاب الرأي من أمثال العقاد وطه حسين ولطفي السيد، أو أصحاب الاستنارة مثل الإمام محمد عبده أو أصحاب القلم ورواد الصحافة أمثال مصطفي وعلى أمين وجلال الحمامصي وكامل زهيري وأحمد بهاء الدين وإحسان عبدالقدوس والتابعي وغيرهم من الرواد الذين تركوا لنا تراثاً فكرياً وصحفياً واشتبكوا مع قضايا تنير العقول وتثير الأفهام وتحفز على التفكير والنقد الهادف..هؤلاء وغيرهم حملوا على كاهلهم قضية وطن ناصروه فنصرهم وأخلصوا له فخلد ذكراهم وقد.. رحلوا بأجسادهم لكنهم يعيشون فينا بأفكارهم ورؤاهم.

ولست أنسى الكاتب الساخر أحمد رجب الذي خلّف رحيله شجونا ومواجع لا تنقضي؛ فغياب التكريم عن الصحافة وروادها الحقيقيين أمر يؤسف له؛ فقد ترك الراحل فراغاً يصعب ملؤه في زمن ناضب تناقص فيه المبدعون، وندر فيه الموهوبون ..لقد كان أحمد رجب أيقونة الكتابة الساخرة كاتب الشعب الأول وكان في عموده اليومي "نصف كلمة"، وهو بضع كلمات، ثورياً في فكره، شاباً في رؤيته ينقد في شجاعة وموضوعية ولا يغضب منه أحد، ولم يغير جلده ومبادئه مثلما يفعل كثيرون..كانت كلماته قليلة الأحرف عميقة المعنى والمغزى وعنوان الحقيقة والحرفية والموضوعية ..أعطى لمهنته وجمهوره ووطنه الكثير والكثير وحصد القليل من التكريم..أحمد رجب نموذج فذ ربما لا يتكرر شأنه شأن مواهب أخرى غيبها الموت مثل رفيقه وتوأمه الراحل مصطفى حسين وإبراهيم سعدة وغيرهما.

ما نستخلصه من سيرة هؤلاء الرواد أن الصدق والموضوعية والمهنية وحب الوطن أسس لا غنى عنها لأي نجاح فما بالنا بصاحبة الجلالة فذلك أوجب لها حتى لا ينفرط عقد الكلمة أو يذهب جلالها وسطوتها وهو ما يجب أن تعيه الأجيال الجديدة وتنتهجه في حياتها المهنية حتى تجتاز عقبات ومصاعب ما أكثرها في ظل شدة المنافسة وكثرة وسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية والاجتماعية وندرة المواهب.

ما تواجهه مصر اليوم من تحديات صعبة وحروب على جبهات عديدة يستوجب تجديد خطابنا الإعلامي برمته، وتصويب مسار مهنتنا لإعادة ترتيب الأولويات والرسائل لتجنب تعقيد الأزمات؛ فالكلمة أمانة كما قال الرئيس السيسي وعلينا أن نحافظ على قدسيتها فنستقي أخبارنا من مصادرها المعتبرة وندقق في تحليلاتنا وآرائنا حتى لا ندخل الرأي العام في مسار خادع..فهل يبادر إعلامنا بتصويب المسار ليشارك الدولة في معارك البناء والبقاء..؟!

أفضى صفوت الشريف إلى ربه ..وهو – شأنه شأن كل من رحل عنا-  له ما له وعليه ما عليه..ومن كان منكم بلا خطيئة فليرمه بحجر..ويبقى أنه بث النشاط والحيوية في أوصال كل موقع تولاه سواء في الإعلام أو السياسة أو الفن..فسرعان ما كان يطبع المنصب بصفاته وروحه وحرصه على العطاء والاجتهاد ..فلا تراه إلا دءوباً وفير النشاط يحرضك على الإبداع لأقصى حد..يملك طاقة متجددة تجعلك تستصغر ما تلقاه من عناء في عملك فلا تملك إزاءه إلا الإعجاب بصنيعه ومحاكاته واستلهام تجربته في الحلم والصبر وجرأة الفكر والعبور للمستقبل.

ولا أنسى يوم دعوته بصفتي رئيساً لمجلس إدارة دار التحرير (الجمهورية) ورئيسًا لتحرير كتابها لحضور حفل توزيع جوائز مسابقة الكتاب الكبرى وتكريم المواهب الشابة من مبدعينا وباحثينا وكذلك رموزنا الصحفية التي خدمت الوطن بلا حدود..تحمس الشريف رحمه الله للفكرة،رغم أنه كان من بين المكرمين صحفيون مشهود لهم بالمعارضة أو الاختلاف مع الحكم وقتها أمثال الكاتب الساخر جلال عامر وسليمان جودة وأحمد المسلماني ..لكنه على العكس أبدى ترحيبه بوجودهم قائلاً إن المعارضة جزء من النظام.

وحين صدر القانون 1993المشبوه والمشهور بقانون اغتيال الصحافة وكان الشريف وقتها وزيراً للإعلام أي أقرب وزراء الحكومة للملف..لم يتردد لحظة واحدة في استقبال مجلس نقابة الصحفيين برئاسة إبراهيم نافع ، وكنت وقتها الأمين العام.

 الرجل خلافا لوزراء آخرين تنكروا للصحافة ولم تتسع صدورهم لحريتها انحاز لمطالبنا ومن قبلها لحرية الصحافة بل إنه سعى لعقد لقاء يجمعنا بالرئيس مبارك لحلحلة أزمة هذا القانون حتى أسفرت الجهود عن تراجع الحكومة وسقوط القانون.

و قبيل أن أتولى رئاسة مجلس إدارة دار التحرير، فوجئت باتصال من الشريف الذي لم يسبق لي أن زرته في مكتبه، موجهاً لي عدداً من الأسئلة حول رؤيتي لتطوير المؤسسة إذا ما أسندت لى إدارتها، وأسرّ لي بنية الحكومة دمج عدد من الصحف بأخرى و ضم إصدار جديد لدار التحرير ، طالباً مني تقديم رؤية مكتوبة لمعالجة ذلك الملف.. وكيف سيتم التعامل مع رؤساء التحرير وفيهم من هو أكبر مني سناً..ولم ينس أن يوصيني خيراً بشيوخ المهنة وكبار الكتاب..وأنهى حديثه بالقول "اعتبر هذه المكالمة كأن لم تكن؛ فالأمر لا يزال معروضاً على الرئيس مبارك ولم يحسم بعد...".

الشريف حضر بالفعل حفل كتاب الجمهورية، وطلبت منه أن يرأس مجلس إدارة المؤسسة بحضور جميع رؤساء تحريرها باعتباره رئيس مجلس الشورى والأعلى للصحافة مالك الصحف وقتها..وتلك سابقة لم تحدث من قبل، وخلال الاجتماع قلت له : لقد أعطيت مهلة للإصدارات الخاسرة لتطوير نفسها وتقليل خسائرها وصولاً للربح وإذا لم يحدث ذلك في مدة محددة فسيتم تحويلها إلى إصدارات إلكترونية..وجاء رده "اصنع ما شئت فأنت من يدير ونحن المالك وليس لنا أن نتدخل".

وبشهادة الجهاز المركزي للمحاسبات حققت المؤسسة أرباحاً في ميزانيتها خلال العامين اللذين توليت فيهما رئاستها حتى وقعت أحداث يناير 2011فتقدمت باستقالتي أثناء اجتماع مع رئيس الوزراء آنذاك، طالباً من جميع القيادات الصحفية زملائي الحاضرين وقتها التنحي عن مواقعهم وإتاحة الفرصة لجيل جديد يعبر بصدق عن تلك المرحلة بكل تفاصيلها، ولم يستجب منهم أحد إلا الزميل عبدالقادر شهيب رئيس مجلس إدارة دار الهلال الذي وافقني الرأي ..وفي النهاية لا يجوز مع الموتى شماتة ولا تصفية حسابات فهم بين يدي ملك الملوك ولا يحق لكائن من كان أن يحاسب الموتى سواه..ونقول للشامتين والمتطاولين:" واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون".