عبور لاند
عبور لاند

معاً للمستقبل

تاريخ طويل من العمالة والخيانة.. ؟!  

 

لا أحد من عامة الشعب أو خاصته بات يثق فيما يصدر عن جماعة الإخوان الإرهابية من معلومات أو مواقف فهي لا تعدو أن تكون مجرد تخرصات وشائعات وفبركات إعلامية ؛ تلجأ إليها الجماعة بعد أن فقدت أي تأثير لها في الشارع المصري، كما  تلاشت مصداقيتها وقدرتها على الحشد والتأثير حتى داخل دائرتها الضيقة بين أعضائها وأنصارها والمتعاطفين معها..لكن هذا التهافت والضعف في بنية الجماعة وتحركاتها ومن ثم تأثيرها..  ينبغي ألا يكون مبرراً أو ذريعة للاستهتار أو الاسترخاء أو التغافل عن الخطورة الكامنة في أفكار الجماعة التي لا تزال تستخدمها لتسميم عقول الشباب والنشء واستمالتهم بطرق شتى لتنفيذ أجندتها السياسية جنباً إلى جنب توظيف الشائعات والأكاذيب لتوهين عزائم المواطنين وإحباطهم وضرب أركان الدولة المصرية في أعز ما تملك.

تاريخياً لا يمكن غض الطرف عن خيانات الجماعة الإرهابية وجرائم تنظيمها الدولي في حق الوطن منذ نشأتها قبل أكثر من 80 عاماً ..وكيف دأبت على مغازلة المستعمر ونسج علاقات خفية مع  بريطانيا العظمى، ومن بعدها الإدارات الأمريكية المتعاقبة لقنص مكاسب سياسية لصالح الجماعة التي هللت أوساطها أخيراً لفوز المرشح الديمقراطي جو بايدن برئاسة أمريكا..ظناً منهم أن ساكن البيت الأبيض الجديد سوف يحذو حذو سلفه الديمقراطي باراك أوباما الذي احتضنت إدارته الإخوان حتى أوصلتها لسدة الحكم في مصر التي لم يكد يمر عام واحد على ذلك الحكم حتى خرجت الجماهير بالملايين  في 30 يونيو 2013 لتطيح بالجماعة وتنظيمها ليس في مصر وحدها بل في دول أخرى مجاورة..لكن تنظيم الإخوان لا يزال يتشبث بالعودة للمشهد السياسي بشتى الطرق، مستغلاً أي ظرف دولي من أجل تسويق نفسه والظهور في الواجهة من جديد بعد فشل مشروعه التخريبي في المنطقة وسقوطه في مصر سقوطاً ذريعاً.

الإخوان يتصورون أنهم بتهليلهم واحتفائهم بنجاح بايدن، سوف يتم رفع التشريعات المعلقة في الكونجرس الأمريكي والهادفة لتصنيفهم كجماعة إرهابية، أو أنهم سوف  ينجون من سياسات التضييق التي باتت تحاصرهم كما تحاصر غيرهم من حركات الإسلام السياسي ليس في أمريكا وحدها بل في عموم أوروبا التي تتوجس خيفة من تلك التيارات، وتتخذ ضدها إجراءات متشددة غلى غرار ما فعلت النمسا أخيراً.

ويخطيء من يتصور أن جماعة الإخوان ستلقى في عهد بايدن اهتماماً أو دعماً أمريكياً كالذي لقيته على يد أوباما ..فالأحوال تغيرت..وشعب مصر الآن وبعد تجارب مريرة وحصاد مر لا يزال يتجرعه من حكم الجماعة ليس من السهل خداعه أو استدراجه للخروج ضد دولته التي لن يفرط مهما تكن الظروف في استقرارها واستقلالها الذي تحقق بعد جهد جهيد وعاد إليها اعتبارها بعد 30 يونيو ،وأفلتت من مصير مظلم ضرب دولاً مجاورة في محيطها العربي بفضل الصراعات والاحتراب الأهلي الذي ضربها بلا هوادة وشرد مواطنيها ,وأنهك جبهتها الداخلية.

مصر تغيرت ..وأمريكا هي الأخرى سوف تتعامل من منطلق توازنات القوة والمصالح في المنطقة العربية التي لم تعد ورقة الإخوان مطروحة فيها ..ولابد أن أمريكا تعرف يقيناً أن شعب مصر أسقط الجماعة ومشروعها،  ولا يمكن لمثل هذا التيار أن ينازع أو يناطح دولة بحجم مصر أو يجدف ضد إرادة شعبها الذي قال كلمته بلا وصاية ولا إملاءات من أحد.

أغلب دول العالم في المشرق والمغرب باتت على دراية تامة بحقيقة جماعة الإخوان وألاعيبها وأكاذيبها والأهم خطورتها؛ وقد جاء بيان هيئة كبار العلماء بالسعودية حاسماً مؤكداً أن الإخوان جماعة إرهابية لا تمثل الإسلام ومنهجه في شيء، وإنما هي تتبع أهدافها الحزبية المخالفة لهدي ديننا الحنيف، وتتستر بالدين، وتمارس ما يخالفه من الفرقة وإثارة الفتنة والعنف والإرهاب.

بيان كبار العلماء السعوديين حذر الجميع بشدة من تلك الجماعة، داعياً لعدم الانتماء إليها، أو التعاطف معها بحسبانها جماعة إرهابية لا تمثل الإسلام..أما الخلاف مع الإخوان في السعودية فليس أمراً مستجداً فقد سبق لهيئات دينية أخرى بالمملكة أن حذرت مما سمّته منهج الجماعة في الخروج على الدولة..وليس مستغرباً أن يسارع تنظيم الإخوان بترديد أكاذيبه التي اعتاد عليها في رده على بيان هيئة كبار العلماء السعودية واتهاماتها؛ حيث نفى انتهاج الجماعة للعنف وممارسة الإرهاب..وهو ما يطرح سؤالًا منطقياً : على مَن تكذب هذه الجماعة..ألا يعرف العالم كله أن كافة تنظيمات الإرهاب قد خرجت من رحم الإخوان واستقت أسانيدها من أفكارهم ..؟!

لا شك أنه على مدى عقود اختطفت التيارات المتأسلمة وعلى رأسها جماعة الإخوان الدين الحنيف حتى تمكنت مصر وشعبها من كشف حقيقة هذه الجماعة الإرهابية التي أكد الرئيس السيسي بكلمات قاطعة في إحدى المناسبات الوطنية  أنه لا مكان لتلك الجماعة الإرهابية بيننا مادام هو موجوداً على رأس الحكم ..وما دام الشعب وملايينه رافضين عودتها للمشهد مرة أخرى..!!

والسؤال لمن تراودهم أضغاث أحلام عودة الإخوان أو حتى القبول بإدارة حوار معهم ..فإذا كان الشعب وحده هو من يمثلك مثل هذا القرار..فكيف يمكن تجاوز إرادة هذا الشعب  أو دهس دماء الشهداء..ومع من نتحاور..أمع جيش جرار من الإرهابيين الذين تسللوا إلى سيناء في عهد الإخوان أم مع المتطرفين وأرباب السجون الذين زرعهم مرسي وجماعته عنوة  في أرض الفيروز.

مصر ومنطقتها العربية لا تزال تدفع ثمناً باهظًا من جراء جرائم الإخوان، ناهيك عما نزفته من استقرارها وفرص أجيالها القادمة ..فمن سيعوض الدولة عما تكبدته من خسائر تفاقمت على مدى سنوات من العنف والتخريب وقتل جنودنا وشعبنا في عمليات إرهابية جبانة هنا وهناك، ناهيك عن تطفيش الاستثمارات الأجنبية وتوقف الإنتاج في آلاف المصانع وتراجع الاحتياطي النقدي والتصنيف الائتماني حتى استردت مصر عافيتها تدريجياً وبشق الأنفس بعد 30 يونيو 2013 وهو ما دفع الجميع فاتورته باهظة بإجراءات إصلاحية شديدة الصعوبة.

فمع من نتصالح..مع من أهانوا الوطن وأحرقوا مؤسساته ومنشآته الحيوية، واستماتوا في تشويه سمعته عبر فضائياتهم الموالية لتركيا وقطر والمنظمات الحقوقية المغرضة الساعية لاختراق أمننا القومي والتوغل في نسيج مجتمعنا ومؤسساتنا.

ويحق لنا بعد استقواء الإخوان بالخارج ومحاولاتهم الدءوبة تشويه صورة الجيش والشرطة، وتصدير صورة قاتمة يومياً عن أوضاعنا الداخلية تهويلاً وتشنيعاً وتشويهاً وفبركة وتضليلاً ..أن نتساءل أيضًا تُرى هل صدق شعبنا شيئاً من أكاذيبهم المفتعلة أو شائعاتهم السوداء ..هل تأثرت روحه المعنوية سلباً ..فخاف واستسلم لافتراءاتهم..أم ازداد صلابة ووعياً وحرصاً على سلامة وطنه ودولته، وإدراكاً لخبث مخططاتهم ودناءة أهدافهم ، والتفافاً حول جيشه وشرطته كما ازداد بالدرجة ذاتها رفضاً قاطعاً لأفعال الإخوان ومحاولاتهم الدءوبة لجرجرة مصر للوراء..وازدادت رغبته في تطهير البلاد من دنسهم وسوء أفعالهم.

أما الدولة المصرية فلم يفتّ في عضدها ما تروجه قنوات الإفك بل وقفت صامدة في وجه مخططات الفوضى، ومضت بقوة في تنفيذ مشاريعها القومية في شتى مجالات التنمية والتعمير .. تبني بيد وتحمي بيد أخرى..تسعى لإصلاح التعليم والبحث العلمي والمنظومة الصحية الشاملة بمبادرات رئاسية تستهدف تنمية الإنسان وبث العافية في أوصاله بهدف تحقيق مقومات النهضة الشاملة التي طال انتظارها.

وبنظرة بسيطة لحصاد سنوات قليلة نجد فرقاً هائلاً بين ما كنا فيه غداة إزاحة الإخوان عن المشهد في مصر وبين ما نراه اليوم من استقرار نجحت الدولة في تحقيقه بفضل وحدة أهلها والتفافهم حول قيادتها .. ويبقى أن فترة حكم الإخوان كاشفة وفارقة في تاريخنا..فقد كشفت بوضوح تام من خان وباع وطنه ومن ضحى بنفسه ليحيا هذا البلد عزيزًا كريمًا آمناً مطمئناً مستقراً.

لكن ما يحز في نفس كل مؤمن بديننا الحنيف ما ألحقه به الدواعش وغيرهم من تنظيمات العنف التي خرجت جميعها من رحم جماعة الإخوان الإرهابية من أضرار لم يستطعها حتى ألد أعدائه؛ وهو ما يحتاج لجهد مضنٍ حتى تعود له طلاوته ووجهه المشرق وجوهره الحقيقي الذي جاء رحمة للعالمين ورسالة عالمية جامعة تؤمن بكل الرسل وترفع راية التسامح على يد نبي كريم هو الرحمة المهداة فلم يبعث بالسيف وإنما بالحكمة والموعظة الحسنة وعدم الإكراه ومكارم الأخلاق..فبأي منطق يرفع هؤلاء الإرهابيون شعار "الله أكبر" وهم ينحرون رقاب بشر مثلهم ..فأين هم من قول الله تعالى: "وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين".. وهل بعد كلام الله قولٌ.."كبرت كلمةً تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً".

أما واقع أمتنا المعاصر فهو مؤسف ..لكنه ليس مفاجئاً ولا مستحدثاً ..وقد تناوله الروائي العالمي نجيب محفوظ بدقة متناهية، محذراً من تداعياته المريرة..يقول أديبنا الكبير" لا يجوز لأمة متدينة أن تعرف التطرف وقتل الآخر، ولا سلبيات مثل الكسل والتهاون والتسيب والرشوة والاستغلال والامتيازات فإن وجدت فإنما يعني هذا أنها لا تعرف دينها فإن كانت تعرفه فإنما يعني أنها تعرفه ولا تؤمن به فإن كانت تؤمن به فإنما يعني أن إيمانها ينقصه التطبيق، وأنها تتهاون في تعليمه لأبنائها..فليست التربية الدينية حفظًا وتسميعاً لكنها محاولة صادقة لإعادة خلق الفرد على أسس سامية وصافية يصلح بها تحديات عصره، وتحفظ له التوازن النفسي والعقلي والخلقي بين ما ينبغي في دنياه، وما يتطلع إليه في آخرته..".

وقدم محفوظ قراءة رشيدة للعصر، وكتب روشتة دواء لكثير من أوجاعنا ..قائلاً: " ما عصرنا إلا عصر العلم والعمل وحقوق الإنسان؛ فمن الحكمة أن نجعل الدين منطلق تربيتنا ونهضتنا. ومن نعم الله علينا أن ديننا دين دنيا، كما أنه دين آخرة يدعو إلى تعمير الأرض وتقديس العلم ويجعل العمل عبادة؛ فضلاً على أنه رحمة للعالمين لما أعلنه من حقوق للإنسان، وما قرره من مساواة بين البشر".

أما الإمام المستنير محمد عبده فقد اقترب أكثر من آفة عصرنا، وأخطر أمراضنا قاطبة وهو الانفصام بين جوهر الدين وسلوكيات أتباعه، حتى أنه قال:" رأيت في الغرب إسلامًا بلا مسلمين ..وفي الشرق مسلمين بلا إسلام" وهذا هو بيت القصيد وموطن الداء والخلل في مجتمعاتنا التي لن تعود لها قوتها وهيبتها إلا إذا تخلصت منه وتداركت نقصها فيه ثقافة وسلوكاً وتطبيقاً أميناً لمباديء الدين الحنيف ومراجعة خطابنا الديني والثقافي والإعلامي والسياسي حتى نعود أمة وسطاً تهدي إلى الحق وإلى صراط الله الحميد.