هيرميس
الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات

معاً للمستقبل

المراجعة المطلوبة..!!

 

أظلنا شهر كريم ننتظره من العام للعام، فيه يُزاد رزق المؤمن، وترفع الدرجات وتتضاعف الحسنات..وللعام الثاني تلازمنا كورونا التي هي جند من جنود الله لا يصح لعنه أو السخط عليه؛ فربما جاء ليذكرنا بقدرة الله وضعف الإنسان الذي آن له أن يراجع نفسه، ويرجع عن غيه..فإذا كنا نمتنع عن المباح في رمضان فكيف بغير المباح..وكلما تخفف الإنسان من مطالب الجسد ارتقت روحه وخفّت أثقاله وثقلت موازينه ..وفارق هائل بين الحالين..حال تتطهر فيه النفوس من أوزارها وتنفض ما تراكم عليها من صدأ روحي، وبين حال تتخبط في أوزارها وتزداد أثقالاً على أثقالها..شتان بين من أقبل على ربّ رمضان فاستقبل منحته بالحمد والشكر وتصالح مع خلقه ومع نفسه، وصام نهاره وقام ليله..وبين من أسرف على نفسه واستباح مباهج الدنيا وملذاتها غير عابيء بحرمة هذا الشهر الفضيل، ولا بما أراده الله لنا من فريضة الصيام.

ومن عجب أنك تجد تناقضاً صارخاً في سلوكيات الصائمين، وكأنهم يجدّفون ضد روح الصيام فرغم تناولهم وجبتين اثنتين في يوم رمضان فإن معدل استهلاكهم للغذاء في شهر واحد يقارب إن لم يزد على ما يستهلكونه طوال العام ..وبدلاً من الترشيد تزداد حمى الاستهلاك ويتضاعف إهدار الفوائض في سلال القمامة ويزداد الضغط على السلع والخدمات.

في عالمنا الإسلامي يتفاقم مثل هذا المسلك المعيب ولا تهدأ وتيرته حتى إن حجم إنفاقه على الطعام يتجاوز مليارات الدولارات في رمضان وحده ..وتلك آفة لم تسلم مصر منها بكل أسف، بل لعلها الأكثر إسرافا واستهلاكاً رغم استيرادها أغلب السلع الغذائية..وهو انحراف بالشهر الفضيل عن غايته وتفريغ له من مضمونه الحقيقي في التخفف من أثقال الجسد والاقتصاد في الطعام والشراب والمباحات، والإقبال على تهذيب الروح وكبح جماح شهوات البطن والفرج والغيبة والنميمة والتكاسل والتواكل وضيق الخلق وإهمال العمل.

فكيف تحولنا بالصيام من قلوب رهيفة تتصدق وتتراحم وتعتدل في طعامها وشرابها إلى قلوب غليظة تسرف وتبذر وتلتهم كل ما يصل إليها حتى باتت أوعية شر وبيتا للداء والعلة، وسببا في الخمول والكسل والعزوف عن الإنتاج والعمل.

ولم يقف إسرافنا عند حد الطعام والشراب بل امتد للإغراق في مشاهدة مسلسلات وبرامج مقالب وأفلام تخدش صيامنا، والأدهى أن إسلامنا بات متهماً بالتطرف والإرهاب بفعل  بعض المنتسبين إليه زوراً وبهتاناً وهو براء من ذلك كله.

 ويبدو طبيعياً في حمى الاستهلاك والضغط على المرافق أن تضخ الدولة موارد إضافية لإشباع الطلب المتزايد في الشهر الكريم مما يرهق ميزانيتها ويكلفها ما لا تطيق؛ الأمر الذي يطرح سؤالاً: كيف نتمسك بشكليات التدين ونهمل روح الدين وغايته..كيف نصوم نهاره ونفطر على مسلسلات وبرامج تخاطب الغرائز وتنمي العنف وتحرض على الاستهلاك والكسل والكسب دون عمل أو إنتاج حقيقي ينفع البلاد والعباد..كيف نطمئن إلى سلامة إيماننا أو أننا نرضى بذلك ربنا.. والأدهى أن تداهمنا إعلانات التنويه عن عشرات المسلسلات التي يسمونها رمضانية وما هي برمضانية لا من قريب ولا من بعيد ..ولا أدرى كيف سيجد المشاهد وقتاً لمتابعتها كلها في وقت واحد ولا كيف سيوفق بينها ..ولا متى ستختفي مثل تلك الموبقات من حياتنا..؟!

حسناً فعل المجلس الأعلى للإعلام حين طالب بخلو المسلسلات من تلك الآفات التي تضر ولا تنفع، تهدم ولا تبني ..وقد توقف بالفعل تصوير مسلسل تاريخي هذا العام وهو «الملك» وتشكلت لجنة عاجلة من مجموعة من المتخصصين في التاريخ والآثار وعلوم الاجتماع لمشاهدته ومراجعة السيناريو كاملا وإبداء الرأي بموضوعية ومهنية..وهو ما يخلق بصيصاً من أمل أن هناك من يتابع ويتدخل لمنع المغالطات أو الإسفاف..ويحدونا أمل أن تأتي مسلسلات هذا العام مغايرة لما كانت عليه الأعمال الفنية في أعوام سابقة بعد أن تدخلت الدولة لضبط الإيقاع بإنتاج دراما وأفلام هادفة تركت رغم قلتها أثراً كبيراً في المشاهد وزادته وعياً ورغبة في متابعتها مع أسرته دون أن تخدش أذنه كلمة نابية أو تجرح عينه مشاهد هابطة..نتمنى أن تخلو الساحة من المسلسلات التي تنافس على كعكة الإعلانات وطمس العقول أكثر مما تبني الوعي أو تصوغ الوجدان أو تدعم الدولة في معاركها الوجودية ضد حلف الشر وأعوان الشيطان.

ما أحوجنا أن تتصدى أعمال رمضان لقضايانا وأولوياتنا الضرورية بموضوعية ورؤية رشيدة تنير العقول وترشد الأفهام، وتخلق حالة من الحراك الإيجابي حولها .. وكفانا مسلسلات تغييب الوعي وتسطيح العقل وتسفيه فريضة الاجتهاد والالتزام بشواغل الوطن وتكريس قيم الكسب السريع والخطف والفهلوة والهبش والمادية والأنانية والعنف والتواكل التي كنا نراها للأسف في الأعوام الماضية ، ناهيك عما كانت تحدثه من إثارة للغرائز تجافي روح الصيام؛ وهو ما يحدث آثاراً سلبية ليس في النشء والطفل فحسب بل لدى البالغين والكبار أيضا.

نريدها مسلسلات تخاطب العقل والوجدان والفكر وتمنع العبث بأهم ما تملكه مصر؛ ثروتها البشرية.

يا سادة ..الصيام عبادة روحية تنهض على ساقي الإخلاص والتجرد، مستلهمة نبل الرسالة ومقاصدها ؛ هدفها غرس التقوى في قلوب المؤمنين وإشاعة قيم التكافل والتراحم في المجتمع عبر تعويد الصائم على الصبر والإحساس بمعاناة الفقراء وبذل ما يستطيع لإغنائهم وتعويضهم عن الشعور بالحرمان..فما أراد الله تجويعنا في رمضان إلا لنعرف قيمة ما نرميه في سلال القمامة من أطعمة فاضت عن حاجتنا دون النظر لمن هم في مسيس الحاجة إليها ممن يتضورون أو حتى يموتون جوعاً في شتى أنحاء العالم ..وفي القلب منهم فقراء مسلمون.

الحرمان من الطعام والشراب في نهار رمضان هو درس أراد الله تعليمنا إياه ليقرب لأذهاننا مدى ما يعانيه الفقراء المحرومون طوال العام فنخفض لهم جناحنا دون تعالٍ أو منٍّ أو أذى ودون أن نضيق بهم ذرعاً.

إطعام الفقراء مطلوب.. لكن البذخ مرفوض؛ فإطعام الصائم قد يكون على شربة ماء أو شق تمرة أو مَزقة لبن..وفي ظل ما نعانيه من وباء كورونا والانتشار السريع للعدوى فلا ضرورة للتجمعات على موائد الرحمن في الشوادر منعاً لتفشي الجائحة التي تصاعد منحنى إصاباتها في الأيام الأخيرة بعد تخلي البعض عن الإجراءات الاحترازية المطلوبة..فحاجتنا لإقامة مستشفيات ومدارس أشد من حاجتنا لمثل تلك الموائد أو حتى لتكرار الحج والعمرة كما أفتى بذلك بعض فقهائنا ..ومن يفعل ذلك اعتماداً على أنه يغسله من ذنوبه التي دأب على ارتكابها طوال العام دون الإقلاع عنها أو التوبة منها فهو واهم، وفي إيمانه ضعف.

ليت من ينفقون أموالهم في تلك المظاهر يثوبون إلى رشدهم ويوجهونها لما هو أنفع للناس؛ فخير الناس أنفعهم للناس، وأينما كانت مصالح الخلق فثمّ شرع الله ..ما أشد حاجة الفقراء لمستشفى يعالجون فيه ومدرسة يتعلمون فيها حتى يتخلص المجتمع من آفة الجهل والمرض ..فما أشدهما خطراً و ما أكثرهما قبحاً.

شتان بين ما أراده الله لنا في رمضان وما نفعله بأنفسنا ..فهل يتوقف الناس عن إلحاق الضرر بغيرهم باليد أو باللسان..فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده..وهل تخلصوا من الحقد والحسد والتعالي على ضعاف الناس وذوي الحاجة..هل يكف الموظفون عن تلقي الرشاوى التي يرونها إكراميات من حقهم لقاء قضاء مصالح الناس ..هل يأتي يوم نجد فيه الموظف يبتسم في وجه من يتعامل معه من الجمهور ..هل يرحم كبارنا صغارنا.. وأغنياؤنا فقراءنا..ومسئولونا مواطنينا ..وهل يعلم جيل اليوم أن على الصغار أن يوقروا الكبار ..هل نصل الأرحام ونخفف آلام المنكوبين ..هل يؤدي كل مسئول وكل نائب بالبرلمان ما عاهد الناس عليه.. وهل يؤدى كل رجل أعمال ما عليه من واجبات تجاه الفقراء فيخرج زكاة ماله التي فرضها الله بحق معلوم..وهل يدرك المسئولية الاجتماعية لرأس المال وفضيلة أن تسعد الآخرين بالعطاء وألا تتردد في رد الجميل لوطنك إذا دعت الضرورة أو لزم الموقف..هل يدرك أصحاب الثروات أنهم مهما أوتوا من مال فلن يخرقوا الأرض أو يبلغوا الجبال طولاً ..وأن من يستغني ويطغى وينسى فضل الله عليه حين استخلفه على ما عنده من أموال ستأتيه النهاية عاجلاً أو آجلا ..ولن يبقى من أثره إلا ما تركه من عمل نافع أو صدقة أدخلت السرور إلى قلب مهموم محروم..؟!

باختصار: هل يترك الصيام أثره فينا ونتحول به إلى سلوك رشيد وتطبيق عملي لمبادئه وغاياته التي أرادها الله لنا بتشريع الصيام..هل ينتهي التجار عن جشعهم ويترفقوا بحال محدودي الدخل الذين لا طاقة لهم بالغلاء ورفع الأسعار بشكل جنوني..هل يقلع الناس عن مرذول عاداتهم وسييء أخلاقهم؛ فيتصالح المتخاصمون ويتحد المتفرقون ويلتئم شمل المتناحرين الذين أضعفوا موقفهم وأضاعوا حقوقهم بنزاعهم واختلافهم..؟!

روح الصيام همة عالية ونشاط دءوب وانتصار على النفس ..فلماذا يزداد كسلنا وخمولنا في رمضان متعذرين بالصيام عن عدم إتمام أعمالنا في موعدها فيقل ونشاط دءوب وانتصار على النفس ..فلماذا يزداد كسلنا وخمولنا في رمضان متعذرين بالصيام عن عدم إتمام أعمالنا في موعدها فيقل إنتاجنا وهو بالفعل قليل ..وتتعطل مصالح الخلق ..وننسى دائما أن رمضان شهر الصبر والعمل والانتصار على النفس وعلى الأعداء ..فيه حققت أمتنا ودولتنا أعظم انتصاراتها التاريخية التي حفظت لها بقاءها حتى اليوم،.. وما نصر العاشر من رمضان، السادس من أكتوبر عنا ببعيد!

ندعو الله أن تجد أزمة سد النهضة طريقها إلى الحل سلمياً، وألا تضطر مصر للدخول في حرب على المياه التي هي الحياة بالنسبة لها ..فلا أحد يمكنه احتمال العطش؛ فهو والموت سواء..وعلى المجتمع الدولي أن يدرك مغبة اندلاع مثل تلك الحرب إذا وقعت لا قدر الله؛ فسوف يكون لها تأثير كبير على المنطقة والعالم أجمع كما قال الرئيس السيسي ..وعلى المجتمع الدولي بمنظماته ومجالسه أن يتحرك لإثناء أديس أبابا عن الإجراءات الأحادية، وردها إلى صوابها لتتوقف عن التعنت ضد دولتي المصب اللتين سيلحق بهما ضرر مؤكد يهدد حياة أكثر من 150 إنسان إذا ما تم الملء الثاني دون اتفاق قانوني ملزم..فأي جريمة أكبر من منع الإنسان من حق الحياة ..وعلى هذا المجتمع أن ينبه أثيوبيا لخطورة ما هي مقدمة عليه فتعنتها لن يكون أبدا في صالحها.

رمضان فرصة للتقرب إلى الله، والتقارب بين الناس بعضهم بعضاً بفعل الخيرات والتكافل الاجتماعي والتواصل الأسري المفقود الذي ضلت مجتمعاتنا طريقها إليه رغم سهولة الحياة عما قبل حتى اكتفى بعضنا أو معظمنا برنات المحمول ورسائله أو حتى مكالماته بديلاً عن زيارة الأهل وصلة الأحباب حتى صار أسوأ ما يتعرض له هذا الدين الحنيف هو مفارقة اعتزاز المسلمين به مع جهلهم البيّن بما يريده منهم ويرشدهم إليه.

قائمة السلبيات طويلة في رمضان وغيره لكن حرمتها في هذا الشهر الكريم أشد وأفدح، وهو ما دعا الرسول الكريم لتحذيرنا بقوله" رغِم أنفُ امرئٍ أدرك رمضانَ فلم يُغفرْ له " ..الفرصة قائمة، وما لا يدرك كله لا يترك جله..ندعو الله أن يرزقنا القدرة على الاعتراف بأخطائنا حتى ندرك أننا بحاجة فعلية لإصلاحها..وتلك هي البداية الحقيقية للتغيير نحو الأفضل.