المؤسسة المالية والاستثمارية الرائدة في الاسواق الناشئة والمبتدئة
  • مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

علي هاشم

معا للمستقبل

القيادات الجديدة وإصلاح الإعلام والصحافة!!

بقلم .... علي هاشم

الجمعة 10 يوليو 2020

 

مهمة الصحافة والإعلام كما تعلمنا أن تنشر الخبر الصادق والتحقيق الموضوعي المجرد من الهوى والميول أو النوازع النفسية والتحليل المعمق والتقرير الرصين والرأي النزيه الذي هو حق لصاحبه يبديه بوحي من عقله لا سلطان عليه إلا ضميره وصالح مجتمعه وأمته، ولا رقابة عليه إلا بالقانون الذي يحرص على صون حرية التعبير حرصه على حرمة الحياة الخاصة وعدم انتهاك الحق في الخصوصية وإعلاء مقتضيات الأمن القومي وحق المجتمع وصالح الدولة معاً.

ولا يخفى أن الإعلام هو عين الشعب على الحكومة والبرلمان، به يكتمل البنيان الديمقراطي ويتشكل الرأي العام وحركة الجماهير، وهو ميزان الشفافية والحرية في أي دولة مدنية حديثة وجزء أصيل من مكونات المجتمع المدني الحديث بل لعله أهم هذه المكونات جميعاً ؛ ذلك أنه رقيب يتعقب الفساد والمفسدين وينبه إلى مواطن الخلل والقصور وسوء الأداء ومواضع الإهمال، ويدين المهملين، وهو حلقة الوصل بين الحكومة والمواطن، يقيس أداء الأولى ويقدم إنجازاتها وإيجابياتها ويعمق الصلة بينهما، وهو وسيلة صانع القرار في الوصول للجماهير ومعرفة مدى رضاها واتجاهاتها بما يتناوله من شواغل الناس وآلامهم وطموحاتهم وهموم الأمة وقضاياها المصيرية ، وهو أداة بناء وعي شعبي حقيقي وداعم للدولة في ساعات الشدة والمحن ؛ وعي رشيد بحركة الحياة والتاريخ وأولويات الحاضر ومتطلبات المستقبل في ظل ما تتعرض له المنطقة من صراعات وتحديات وتقاطع مصالح وحرب وجود.

الإعلام الملتزم هو ما يشبع حاجة الجمهور إلى معرفة جادة ورصينة بتقديم ما يحتاجه هذا الجمهور لا ما يحبه وبينهما فارق هائل، فما يحتاجه يكتمل به رشده وتهتدي بصيرته ويتشكل به قراره وانحيازه وقناعاته.. أما ما يريده فقد يضله ويلهيه ويضيع وقته وما أكثر ما نراه من هذه العينة في تلك الأيام..والسؤال إلى أي مدى حقق الإعلام والصحافة هذه المعادلة الصعبة .. كيف يصوغ أولوياته..وماذا قدم لمجتمعه في معارك الإرهاب والبناء ..من أين يستقي معلوماته ..هل استقاها من مصادرها الموثوقة أم استسلم لغواية النقل من المواقع وما تموج به وسائل التواصل الاجتماعي من أخبار مغلوطة وبيانات مفبركة واجتهادات تخلو من المنطق والحقيقة في أحيان كثيرة ..فهل يصح ذلك مهنياً في ظل ما تعيشه مصر من تحولات وتحديات من حرب ضد الإرهاب ومطامع قوى إقليمية تهدد أمننا القومي في المياه والحدود ناهيك عن صعوبات اقتصادية ومعيشية وجائحة كورونا التي أوقفت الأنشطة ، وأصابت الحياة بالشلل ليس في مصر وحدها بل في كافة أنحاء العالم.

هل يدرك القائمون على إعلامنا وصحافتنا أننا نهدى أعداءنا فرصاً من ذهب كلما نشرنا أخباراً كاذبة تثير البلبلة والذعر بين المواطنين وتضر بالاقتصاد قإذا ما نشر الإعلام مثلاً خبراً عن غلاء سلعة أو خدمة فيتكالب الناس عليها ويعمد الجشعون من التجار إلى إخفائها تعطيشاً للسوق لبيعها بأزيد من سعرها؛ طمعاً في جني مزيد من الأرباح وهو ما حدث فعلاً مع المواد المطهرة وأدوات التعقيم والكمامات التي تضاعفت أسعارها بلا مبرر مما تسبب في تعكير السلم الاجتماعي والإضرار الشديد بالفقراء ..وهل كان موفقاً ما صرح به نقيب الأطباء من تأثير كورونا على طلاب الثانوية العامة والسنوات النهائية بكليات الطب رغم علمه بما اتخذته الدولة من إجراءات وقائية للحفاظ على سلامتهم..مثل هذا التصريح أثار بلبلة وهلعاً بين الطلاب وأولياء أمورهم، وكان حرياً بالنقيب أن يستوثق من الحقيقة قبل الخروج على الرأي العام بهذا التعميم الصادم المجافي للحقيقة.. أليس نشر الأخبار قبل التثبت من صحتها يجعلها وقوداً للإثارة وبث الهلع في أوصال المجتمع..؟!

ما ينشره الإعلام من وقائع كاذبة بين الحين والآخر لا يخدم إلا أعداءنا وخصوم وطننا بل إنه فوق ذلك يحدث شروخاً اجتماعية تربك الحكومة التي لا تتوانى أجهزتها عن الرد بالحقائق لتفنيد سيل من الشائعات اليومية..لكن كيف يطمئن ضمير المجتمع لصدق مراجعة الإعلام والصحافة لأداء أجهزة الدولة بينما هذا الإعلام نفسه في حاجة لمن يقوم أداءه ويقيله من عثراته.

أما آن الأوان أن يسترد إعلامنا وصحافتنا عافيتهما وتأثيرهما ومكانتهما في المجتمع، وأن يتصدرا صفوفه كمشاعل نور وتنوير لن يتأتى إلا بجهد مخلص وفهم عميق  وإرادة حقيقية من أبناء المهنة والقائمين عليها حتى يمكنهما أداء الدور/ الرسالة في مساندة الدولة .. ليس بالتهليل للحكومة والانحياز المطلق لها كما يفهم البعض ولكن بالنقد البناء والهادف وإعلاء المصلحة العامة وصالح المجتمع والدفاع عنها وبسط إنجازاتها بموضوعية إذا كان في ذلك مصلحة البلاد دون تهويل أو تهوين.

لسنا في معرض المفاضلة بين الإعلام الخاص وإعلام الدولة فلكلٍ سلبياته وإيجابياته.. وكلاهما مسئول عما آل إليه حال المهنة/الرسالة من تردٍ وتراجع في المصداقية والتأثير..والكل يُسأل عما صرنا إليه من رداءة في الخطاب واستقطاب وتشويش كرس له إعلام معتل كثرت آفاته وسقطاته بعد أحداث يناير 2011..من غياب للموضوعية وتراجع للمهنية وعدم تحري الدقة وصدقية المعلومات وشيوع السطحية والجمود والانزلاق لمهاوي البذاءة وانقطاع التواصل بين الأجيال وتداول الخبرات وعشوائية التوظيف في الصحف القومية وتليفزيون الدولة بداعٍ ودون داعٍ ومع كثرة الأعداد قلت الموهبة وتراجع التجديد حتى تلاشى فلا نجد كوادر واعدة على غرار الرواد والجهابذة الذين شقوا مجرى الصحافة والإعلام ليجري في النهر ماء الإبداع والروعة وعلى أكتافهم نهضت صروح المجد والريادة والتفوق..والسؤال الآن: كيف يمكن استرجاع أمجاد إعلام الدولة وصحافتها التي انخفضت أرقام توزيعها لأسباب كثيرة ..كيف تتحقق المعادلة الصعبة باستقلال الإرادة وتحقيق الربحية المناسبة ومساندة الدولة..بينما تلاحقها الأزمات المالية وتكبلها أغلال الديون المتراكمة منذ عقود..؟!

مواجع الإعلام وعلله لا تخفى على أحد ورغم صعوباتها فلا يزال الأمل ممكناً في الإصلاح إذا ما خلصت النوايا واشتد العزم وتكاتفت جهود الجميع لبث روح جديدة في أوصاله روح تعيد إليه المصداقية وقوة التأثير ..أما البداية فيمكن استهلالها بإصلاح هياكل الصحف القومية وتسوية ديونها وإصلاح أحوالها وإطلاقها على طريق المنافسة الحقيقية ضماناً للتوازن في صناعة الرأي العام وحفاظاً على أمننا القومي من رياح رأس المال والمصالح والأجندات الخارجية.

ولن يكسب الإعلام القومي معاركه في المنافسة لاسيما في الفضاء الإلكتروني والبث الفضائي إلا إذا تخلص من ترهلاته ومشاكله المزمنة أولاً..وها هي الفرصة تعاوده باختيار رؤساء جدد لمجالس وهيئات الإعلام والصحافة وقد أدوا بالفعل اليمين أمام البرلمان تمهيداً للقيام بالمهام المنوطة بهم..والسؤال الآن: متى نرى جهداً ملموساً لتغيير الواقع المتردي للإعلام والصحافة وإنقاذهما من التدهور الشديد الذي لحق بهما منذ يناير 2011..؟!

يدرك الرئيس السيسي أن الإعلام قوة ضاربة في أي معركة ومن ثم فقد عوّل عليه كثيراً منذ تولى الرئاسة في معركة البناء والبقاء والوعي والتنوير التي يخوضها وطن تحيط به مخاطر عديدة وتستهدفه جماعات الشر وأحلافه هنا وهناك، تماماً كما كان الرئيس يعول على المؤسسات الثقافية والدينية والتعليمية والمفكرين والعلماء وشتى مكونات المجتمع المدني في تغيير المفاهيم المغلوطة وأفكار التطرف والعنف والإرهاب التي تقتل الحياة  وتهدم كل فرص التقدم ؛ ومن ثم فلم يترك الرئيس مناسبة دون تذكيرها بهذا الواجب وحضها للقيام به..فهل استطاع الإعلام والمؤسسات الأخرى المعنية القيام بهذا الدور كما أراده الرئيس..؟

أتصور أن لدى هيئتي الصحافة والإعلام ومجلسهما الأعلى خارطة طريق للخروج الآمن مما تعانيه المنظومة برمتها حالياً وما توارثته الأجيال من اختلالات مالية وإدارية ومهنية نجمت عن عوامل عديدة ..لابد أن لدى قادة تلك الهيئات رؤية لمنظومة جديدة ومستقبل أكثر إشراقاً جيء بهم على أساسها ..وظني أن الساحة باتت مهيأة لمثل هذا التغيير المرتقب..وأنهم سوف يشرعون في اختيار قيادات الصحف والإعلام وفق أسس ومعايير موضوعية وشفافة تعلى شأن الكفاءة والخبرة والقدرة على الإدارة الرشيدة والاحتواء والتفاهم والتوافق مع زملائهم في كل موقع، بعيداً عن الأهواء أو إثارة الخلافات أو تصفية الحسابات أو المجاملات.

الجماعة الصحفية تترقب التغييرات المنشودة واختيار شخصيات مشهود لها بالنجاح والقدرة على الإصلاح وابتكار حلول من خارج الصندوق محتوى وإدارة دون الاعتماد على الغير في تدبير الموارد والمصروفات أو حل المشكلات وما أكثرها.

الجماعة الصحفية تنتظر من الهيئات الجديدة استكمال خارطة المستقبل التي جرى إعلانها في 3 يوليو 2013 بوضع ميثاق شرف يجسد القيم الأخلاقية للإعلام والصحافة بمشاركة نقابتي الصحفيين والإعلاميين حتى يعبر الإعلام منطقة شائكة طالما زلت فيه أقدام وتعثرت أخرى..وعلى تلك الهيئات تشكيل لجان لتلقي وسماع شكاوى المواطنين والعاملين بالمهنة ..وعلى الحكومة أن تمد يدها لتلك الهيئات وفتح آفاق جديدة  وتمهيد الطريق أمامها لإصلاح جاد وحقيقي لإعلام الدولة الذي هو دون غيره رمانة الميزان وصمام الأمان للرأي العام ولا يزال هو الأكثر مصداقية وتأثيراً..ورغم أن الصحافة القومية فقدت قدرتها الذاتية على حل أزماتها خصوصاً المالية وباتت عالة على الدولة في تدبير معظم احتياجاتها من أجور ونفقات تشغيل..لكن يبقى السؤال: هل تنجح تلك المجالس والهيئات في إصلاح حال الإعلام واستعادة بريقه ومصداقيته وتأثيره في وقت يحتاج إليه الوطن بشدة ويعول عليه في تمهيد وصناعة النصر في معارك البقاء والبناء ..يحدونا أمل كبير أن يحالف التوفيق مجالس الإعلام والصحافة وهيئاتها في مهمتهم الثقيلة وأن يكونوا هذه المرة قيمة مضافة حقيقية لإنقاذ مؤسسات دولة تصارع للبقاء؛ ففي صلاحها وقوتها صلاح للأمة وضمانة لقوتها.