معاً للمستقبل

الفيتو الملعون وراء فشل المنظومة الدولية!!


لا أجد في سجل الأمم المتحدة ومجلس الأمن ما يوحي بمساندتهما لقضايا أمتنا أو ينتصر لحقوقها وحتى تلك القرارات التي اتخذتها المنظمة الأممية وتبدو في ظاهرها إنصافا لحقوق العرب وقضيتهم المركزية فلسطين لم تجد طريقها للتنفيذ، ولم يتحمس لها مجلس الأمن لإرجاع الحق الفلسطيني واستعادة أرضه المغتصبة إقراراً للسلم والأمن الدوليين كما تنص عليه مواثيق هذا المجلس.

ورغم انهيار منظومة عصبة الأمم بعد فشلها في وقف الحروب العالمية وقتها وقامت على أنقاضها الأمم المتحدة التي فشلت هي الأخرى في تحقيق ما قامت من أجله فلا هي أوقفت الصراعات والحروب المحتدمة في شتى أنحاء المعمورة، ولا هي ردت المظالم ونشرت العدل وأقرت السلم  بل لا تزال شريعة الغاب تسري بقوة الأمر الواقع وبفعل الفيتو الذي بات لفرط عشوائيته سيفاً مصلتاً على رقاب الضعفاء فقط ..بينما يوفر في المقابل مظلة حماية يفلت من خلالها عتاة الطغاة والمعتدين بجرائمهم دون حساب أو ردع ..هكذا هو المجتمع الدولي إن سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد..فأي ظلم أكبر من الازدواجية والانتقائية وغياب العدل والمساواة.. ؟!

ومن سوءات النظام الدولي القائم أن ثمة خمسة أعضاء دائمين يتحكمون فرادي أو جميعاً في مقدرات العالم ويديرون منظومة الأمم المتحدة لا لإنصاف المظلوم وإعطاء كل ذي حق حقه ولا وفقا لما تمليه عليهم مقتضيات العدالة ومعايير النزاهة وصالح البشرية بل بما تستوجبه مصالحهم الخاصة وأهوائهم ..والأمثلة أكثر من أن تحصى..فكيف يقف مجلس الأمن عاجزاً  مثلاً إزاء احتلال كيان استيطاني سرطاني لدولة أخري ثم يغض الطرف متعمداً عن اتفاقات وهمية وتعنت دولة أثيوبيا في مسألة سد النهضة.

أصابع الاتهام تشير إلى الفيتو بحسبانه المتهم الأول في تعاسة البشر وضرب سمعة النظام الدولي ومصداقيته في مقتل..الأمر الذي يجعل من تغييره ضرورة قصوى إذا ما أريد للإنسانية أن تنعم بالعدل والسلام والأمن ..ويكفي ما خلّفه ذلك الفيتو من كوارث ومآسٍ تشردت بسببها شعوب وضاعت دول لا لشيء إلا لتحقيق مآرب 5 دول كبرى تملك وحدها فرض إرادتها عبر استخدامه لتحقيق مصالحها الخاصة، مهدرة في سبيلها قيم الحق والعدل، غير مبالية بما يترتب على ذلك من انتشار الفقر والتطرف والإرهاب والعنف والبلطجة السياسية التي يكرس لها مسلك هذه القوى بكل صلف وغرور.

ورغم عدالة قضية مصر والسودان وحقوقهما التاريخية في مياه النيل فإن هناك تعنتا من جانب أثيوبيا ورئيس وزرائها آبي أحمد الذي يصر على المراوغة والمغالطة والهروب من أي حلول توافقية عادلة وملزمة تنظم ملء السد وتشغيله وتستلهم روح القوانين الدولية المنظمة للأنهار  وتجنب المنطقة ويلات الاحتكاكات الخشنة التي قد تجرها لاهتزازات خطيرة حذر الرئيس السيسي من تداعياتها القاسية مراراً وتكراراً في مناسبات عديدة..وهو ما تقابله أديس أبابا بمراوغة وتشدد وصلف غير مبرر، فلا هي بالدولة المتماسكة ولا هي بالجيش الذي لا يقهر بل إن نظامها يتاجر بورقة السد لتضليل شعبه و خداع الرأي العام العالمي عبر ادعاءات متهافتة لا أساس لها، متغافلاً عن الخطر الحقيقي لمضي بلاده بإرادة منفردة في ملء السد وتشغيله دون مراعاة حقوق 150 مليون مواطن في مصر والسودان.

جلسة مجلس الأمن التي جرى تخصيصها لمسألة سد النهضة نهاية الأسبوع الماضي وجرت إذاعتها على مرأى ومسمع العالم أجمع كشفت بوضوح عن النيات الحقيقية  للدول الكبرى إزاء حقوق شعبي مصر والسودان، وأظهرت العدو من الصديق وكيف أن مجلس الأمن لم يقم بدوره المنشود في حفظ الأمن والسلم الدوليين طبقاً لميثاق إنشائه ولم يبادر، رغم خطورة القضية ووضوح الحق، لنزع فتيل أزمة كبرى محتملة قد تغرق المنطقة والعالم في مستنقع صراع سوف يتضرر الجميع منه إذا اندلعت شرارته ووقف العالم يتفرج ولم يحرك ساكناً كعادته.

جلسة المجلس كانت كاشفة لنيات بعض الدول التي فضلت مصالحها على القيام بمسئوليتها في إقرار العدل والمساواة، وهي دول كنا نظن أنها صديقة أو داعمة لقضايانا  وحقوقنا وبينها روسيا التي شاب الغموض موقفها الذي خذلنا في مجلس الأمن .

كلمة وزير الخارجية سامح شكري جاءت قوية كشفت بوضوح مراوغات أثيوبيا وتعنتها وأهدافها الخبيثة وكيف تواجه مصر خطراً وجودياً جراء المضي في الملء الثاني للسد الأثيوبي بإرادة منفردة ..وهو ما لن تقبل به مصر التي ستضطر لحماية حقوقها في البقاء حال أصرت أثيوبيا على موقفها الحالي بشأن هذا السد .

كلمة وزير الخارجية بعثت برسالة واضحة وحاسمة تقول إن مصر وإن سلكت الوسائل السياسية والدبلوماسية لحل الأزمة فإنها لم ولن تتنازل أبداً عن قطرة مياه ولن تقبل بأي ضرر يلحق بها ..وأن القاهرة لا تزال تبدي حسن النية وتتخذ من التفاوض سبيلاً لحل الأزمة رغم ما ينطوي عليه موقف نظام الحكم في أديس أبابا من تعنت وسوء نية واضحين..ولكن إلى متى ؟!

الإجراءات التي أقدمت عليها أثيوبيا بإنفاذ الملء الثاني لخزان السد دون الاتفاق مع دولتي المصب تمثل- كما قال شكري- خرقاً لاتفاق المباديء واتفاقيات تاريخية دولية أخرى تحاول أثيوبيا التنصل منها وهي الإجراءات التي تمثل تهديداً وجودياً لأكثر من 150 مليون إنسان.

وزير الخارجية أكد أن مصر تتطلع للعمل مع مجلس الأمن للاضطلاع بمسئولياته الدبلوماسية والقانونية ..أما وزيرة خارجية السودان مريم الصادق المهدي فقد أوضحت أن شروع أثيوبيا في ملء خزان السد أدى للتهديد المائي للسودان ومصر..وفي المقابل استخف وزير الري الأثيوبي بمخاوف دولتي المصب، نافياً وقوع أي ضرر جراء بناء السد، مؤكدا أنه يهدف فقط لتوليد الكهرباء لملايين الأثيوبيين ..وذهب إلى أبعد من ذلك حين قال إن مجلس الأمن ليس الجهة التي يفترض أن تحل أزمة متعلقة بمشروع تنموي.

ولا يكف الوزير الأثيوبي ولا رئيس وزراء بلاده عن ترديد الأكاذيب والافتراءات التي يعلمان يقيناً أنها من صنع خيالهما، كما يعلمان يقينا الهدف الحقيقي من إقامة هذا السد.

لاشك أن الفيتو الملعون تسبب دائماً وأبداً في إخفاق مجلس الأمن في حل مشكلات العالم ..فكيف لخمس دول أن تتحكم في مصاير هذا العالم ..كيف تكون خصماً وحكماً في الوقت نفسه..كيف تتخذ من قرارات المجلس غطاءً لنهب ثروات الدول المستضعفة، وسلب مقدراتها كما جرى للعراق وليبيا وسوريا.

لم يعد مستساغاً أن توظف الدول الخمس عضويتها بمجلس الأمن لفرض الهيمنة وتكريس الصراعات وتصفية الحسابات على الساحة الدولية ومنح امتيازات لدول هنا وسلب مقدرات دول هناك..فكيف لهذا المجلس أن يغض الطرف عن فضح انتهاكات دول معروفة برعايتها  وتمويلها للإرهاب وتسعي لتمزيق أواصر الدول العربية وتقسيمها على أسس طائفية وعرقية والزج بها في أتون حروب أهلية تضيع بسببها دول وتتشرد بفضلها شعوب.

و في سياق كهذا يبدو إصلاح النظام الدولي فريضة واجبة إذا ما أريد استعادة مصداقيته وتأثيره في إقرار العدالة والأمن في العالم وهو ما لن يتحقق إلا بإصلاح منظومة الأمم المتحدة ومجلس الأمن كما طالب الرئيس السيسي بتوسيع عضوية المجلس لكسر احتكار القوة من جانب دول بعينها ..وإلى أن يتحقق هذا الرجاء فليس أمام العرب إلا تقوية أنفسهم واستعادة قوتهم الذاتية كأمة واحدة تحرص على تنمية شعوبها علمياً وصحياً وتحقيق التكامل بين أقطارها في جميع المجالات وإنشاء قوة عربية مشتركة للردع والدفاع عن مصالحهم الإستراتيجية إذا أردنا أن يكون لنا شأن في هذا العالم.

كفى ما ذاقته الشعوب المسالمة من ويلات الحروب والصراعات المفتعلة والفتن التي يحيكها أعداء الإنسانية من وراء ستار أو على مرأي ومسمع من الدنيا كلها وهو ما شرد ملايين البشر وهدم أركان دول كانت ملء السمع والبصر دون أن يطرف للمجتمع الدولي جفن أو يتحرك له ضمير..فأزمة اللاجئين مثلاً من صنعها ..أليست نتاجاً للحروب ..فكيف أصبح هؤلاء المشردون بلا مأوى ولا عنوان وقد جرى إجبارهم على ترك ديارهم وأوطانهم في سوريا واليمن وغيرهما ..وكيف أن أعداد الهجرات غير الشرعية في ازدياد نتيجة البطالة والفقر وغياب الحياة الآمنة وضياع العدالة وتكافؤ الفرص وتغيرات المناخ التي تهدد العالم في أعز مقومات حياته فضلاً على الإرهاب وروافده ومسبباته وآثاره الكارثية التي هي نتاج أفكار مغلوطة ومفاهيم خاطئة وقع الشباب ضحية لها وفريسة في براثن مروجيها وأصحابها..وهو ما وقع بدعم وتشجيع دول وأجهزة مخابرات..فأين المجتمع الدولي من كل ما يقع من آثام وشرور..هل يكمن السر في غياب العدالة وإخفاق الأمم المتحدة ومجس الأمن والمنظمات الدولية الأخرى في حل أزمات العالم وقضاياه وتردي المنظومة الدولية وافتقادها العدالة والمصداقية المطلوبة لإقرار العدل وتحقيق السلم الدولي.

ما أشد حاجة البشرية لنظام دولي عادل ليس به فيتو ظالم تتحكم بمقتضاه خمس دول فقط في مصاير العالم..نظام يكون القرار فيه بتصويت أغلبية أعضاء الجمعية العمومية للأمم المتحدة .

يحدونا الأمل أن يصدر مجلس الأمن قراراً يعيد الأمور لنصابها في أزمة سد النهضة وإلا فإن الأمر سيكون كاشفاً أكثر وأكثر لتهافت هذا المجلس ..فإذا لم تكن حياة أكثر من 150 مليون نسمة مهددة بالعطش والجوع والتشرد مهمة ..فما هو الداعي لوجود مثل المجلس ..ومتى يتحرك لنزع فتيل الحروب التي يتنبأ  العلماء بأن المياه ستكون سبباً أساسياً في اندلاعها..؟!

إذا اكتفى المجلس كعادته بإصدار بيان باهت لا يثنى أثيوبيا عن غيها ..فإن معنى ذلك أن المجلس يكرس لشريعة الغاب ويسمم الأجواء بين الدول ويشعل الصراعات بينها..لم تدخر مصر والسودان جهداً في رأب الصدع وتقريب وجهات النظر والبحث عن حلول توافقية تضمن لأثيوبيا التنمية وتقلل من مخاطر السد وتداعياته على دولتي المصب وقد آن الأوان أن ينصفهما المجتمع الدولي..ويجب ألا يستهين أبداً بخطورة ترك آبي أحمد يتصرف بإرادة منفردة في إيرادات نهر دولي تحكمه قوانين واتفاقيات وأعراف دولية.

لقد أغلق رئيس وزراء أثيوبيا المتعنت ومن معه كل أبواب التوافق رغم عدالة قضيتنا وثبوت حقوقنا التاريخية في مياه النيل..ويكفي أن أثيوبيا تستقبل سنويا ما يقرب من ألف مليار متر مكعب من المياه يذهب منها 84 ملياراً لسقي الماشية الأثيوبية وهو ما يزيد على حصة مصر والسودان مجتمعتين..فماذا تريد أثيوبيا من سد النهضة ..ومن يشجعها على التعنت ومحاولة فرض إرادتها على بقية أطراف الأزمة..وإلام يستند آبي أحمد الذي تسامح معه المجتمع الدولي رغم ارتكابه انتهاكات في إقليم التيجراي ترقى لجرائم الحرب..لماذا يغض العالم طرفه عن تلك الخروقات الجسيمة التي لم يكتف بها آبي أحمد بل يسعي لجرجرة المنطقة لصراع وحروب يمكن تفاديها بحلول توافقية تضمن مصالح الدول الثلاث .

وسؤالي للدول التى جاء موقفها سلبيا رغم عدالة قضيتنا: ماذا كنتم فاعلين لو تعلق الأمر بمياهكم ..هل كنتم ستتفاوضون إلى ما لا نهاية..وأي خطر أشد من العطش والجوع ..يقيني أن مصر لن تخضع أبداً أو تستكين أو تفرط في نقطة مياه ..وإن غداً لناظره قريب!!