هيرميس
الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات

معاً للمستقبل

أفضل الحلول حتى الآن!!

 

المحن والشدائد يفترض فيها أن ترقق قلوب البشر وتجعلهم أكثر استعداداً للإيثار والعطاء عن طيب خاطر؛ وأن تستجيب الدول الكبرى وشركات الدواء العملاقة لنداء الإنسانية ودعوة منظمة الصحة العالمية بضرورة تحقيق العدالة في توزيع لقاحات كورونا حتى يتيسر للفقراء من الدول والشعوب وما أكثرهم الحصول عليها بسهولة ويسر .

 فلم تر الإنسانية في رأيي وباء بحجم كورونا المستجد في سرعة انتشاره وطول بقائه وخسائره الاقتصادية الكبيرة للدول والأفراد على السواء؛ حتى صار كوفيد 19 كابوساً أرهق العالم بموجاته المتتابعة وأزهق أرواح نحو 4 ملايين شخص حول العالم  وأعيا العلماء حتى توصلوا لعلاج أو لقاح ضد الفيروس الفتاك..  واللقاحات على اختلافها لا تصل فعاليتها 100%  كما أن قيام تلك اللقاحات ببناء المناعة داخل جسم الإنسان عادة ما يستغرق بضعة أسابيع قد يصاب المرء خلالها إذا تخلى عن الإجراءات الاحترازية الواجبة ..لكنها في كل الأحوال تبقى أفضل الحلول .

و السؤال: هل لدى جميع الدول فرص متساوية في الحصول على اللقاحات الآمنة..والجواب بالنفي للأسف؛ فحفنة قليلة من تلك الدول هي من تملك القدرة، وقد وضعت بالفعل أهدافاً محددة بشأن إيصال اللقاحات لفئات معينة من مواطنيها..وتبقى الأمور ضبابية لكثير من الدول غير القادرة على الحصول على تلك اللقاحات.

قبل عدة أعوام حذر عالمنا الفذ د.مصطفى محمود من انتشار الفيروسات في العالم.. ولا أبالغ إذا قلت إنه تنبأ بظهور وباء كوفيد 19..وها هي نبوءته تحققت تماما كما تحققت نبوءة العالم الأمريكي جوشوا ليدبرد الحاصل على جائزة نوبل، ولا يزال العالم معرضا كما قال د.مصطفى محمود لهجمات فيروسية بعضها لم نعرفه من قبل، وأن العالم سيسوده الذعر والفزع بعد انتشار الفيروس المستجد بحثاً عن لقاح أو مصل أو علاج لهذا المرض الغامض.

البروفيسور دافيد نابارو مدير الصحة بجامعة كولدج البريطانية يذكّرنا هو الآخر بأن مساعي العلماء لاحتواء الفيروسات ليست دائماً موفقة؛ بدليل ما حدث مع مرض فقدان المناعة المكتسب (الإيدز) الذي انتشر في ثمانينيات القرن الماضي ولا يوجد له لقاح حاسم حتى اليوم، و الأمر نفسه تكرر مع "حمى الضنك" التي يصاب بها نحو 400 ألف حالة سنوياً حول العالم ..ولا تزال الفيروسات الأنفية والغذائية  المسببة لنزلات البرد تتسبب في أعراض مشابهة لأعراض  كورونا وهي الفيروسات التي عجز الإنسان عن تطوير لقاح ضدها..نابارو توقع سيناريوهين لا ثالث لهما؛ إما التوصل للقاح فعال ضد وباء كورونا الذي تحول لجائحة فوق الجائحة بعد تفشي موجته الثالثة، وإما التعايش مع ذلك الوباء بكل ما يعنيه ذلك من مخاطر على حياة ملايين البشر.. والاحتمال الأخير يعني أن الإنسان سوف يكسب معارف إضافية عن ذلك الفيروس المستجد تساعده في التخفيف من حدته تماما كما حدث مع الإيدز؟

طول أمد كورنا ربما يضعنا في مواجهة سؤال حتمي: هل عجزت البشرية بكل ما تملكه من تقدم علمي أسفر عن اكتشافها 5 لقاحات حتى الآن.. لكنها لم تجد بعد حلاً ناجعًا لفيروس لا يرى بالعين المجردة..والإجابة بالإيجاب قطعاً..الأمر الذي يجعل الجميع على قناعة بأن البشر رغم كل ما توصلوا إليه من مكتشفات ومخترعات لا حصر لها لم يؤتوا من العلم إلا قليلاً..وهو ما أكده الحق سبحانه بكلمات قاطعة في سورة الإسراء "وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ  قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ".

كورونا بلاء عمّ البشرية كلها؛ فلا يفرق بين جنس أو عرق، ولا بين غني وفقير؛ الكل في البلوى سواء؛ وكان حرياً بالعالم في سياق كهذا أن يتوحد ويتعاون للخروج من تلك المحنة، تاركاً النزاعات والأطماع والأحقاد والحروب جانباً لوقف زحف الوباء بإجراء مزيد من الأبحاث وإنتاج لقاحات أكثر فعالية لا تسبب أعراضاً سلبية.

هذه فرصة لتنفض البشرية عن كاهلها عناء الصراع والتشاحن واسترداد قيم الإنسانية ون التراحم والتسامح ..ويحدونا الأمل أن تتغير خريطة العالم في كل شيء ..وأن تغير المنظمات الدولية من طريقة عملها وسلبيتها أو عجزها في التعاطي مع مشكلات العالم ومعضلاته التي تنتهي بنصرة القوي ولو كان ظالما وانتهاك الضعيف ولو كان صاحب حق، وهو ما يزهق روح القانون الدولي ويبدد مزاعم العدالة ويمنع إقرار السلم والأمن الدوليين بصورة طبيعية وحقيقية تجلب الطمأنينة وتحقق المصداقية لتلك المنظمات وعلى رأسها مجلس الأمن الذي ينبغي له أن يراجع نفسه وألا يقتصر تشكيله كما هو حادث الآن على الخمس الكبار الذين ينحاز كل منهم لمصالحه ويهتبل الفرص لاستغلال الهيمنة على دول وشعوب مستضعفة ..فكيف تتحقق العدالة ولا يزال الفيتو سيفاً مصلتاً على رقاب الضعفاء.. وكيف يتحقق التوازان وتشكيل المجلس الحالي يخلو من ممثل واحد للعرب وأفريقيا..؟!

كورونا أعادت التأكيد مجدداً على أن التعاون الدولي لا يزال ممكنا بل ومطلوبا بشدة.. وثمة فرص عظيمة لا تخطئها العين أقلها التعاون في إنتاج اللقاح دون التشبث بحقوق الملكية الفكرية لاستنقاذ البشرية من نير الوباء المستجد  الذي لا يعلم إلا الله مداه ومنتهاه..الجائحة فرصة لتذكير البشرية بغاية الأديان وروح الشرائع التي جاءت لاحترام آدمية الإنسان وعدم انتهاك حرمته.

حكومتنا لا تزال تبذل جهوداً كبيرة للسيطرة على فيروس كورونا الذي تعاقبت موجاته حتى وصلنا للموجة الثالثة وهي موجة لو تعلمون عظيمة، تحتاج لجهد عظيم وإجراءات مشددة ليس من الحكومة وحدها بل من كل إنسان وكل فئة في المجتمع لتحاشي وقوع مزيد من الضحايا والإصابات، وحتى لا نصل للذروة التي وقعت في دول كبرى عديدة فقدت بعدها السيطرة تماماً على انتشار الفيروس الذي صار كابوساً يحصد يومياً آلاف الضحايا بلا رحمة ولا هوادة.

وزيرة الصحة حذرت من الموجة الثالثة لكورونا، متوقعة زيادة معدلات الإصابة بنحو 10% والوفيات بنحو 7% وحدوث جلطات بعد التطعيم باللقاح من 1 إلى 10 لكل مليون شخص..ووفقاً للتقارير العالمية سوف تظل إمكانية الإصابة بالفيروس  قائمة حتى مع تعاطي اللقاحات ويمكن للفيروس الانتقال من شخص لآخر ولا يوجد إجراء فعال لمنع حدوث ذلك حتى الآن بصورة مطلقة كما كانت البشرية تعول على تلك اللقاحات للخروج من الإغلاقات والحظر..لكن واقع الحال يقول إن بعض اللقاحات لا تكفي وحدها في الوقت الراهن بل لابد من الالتزام بالإجراءات الاحترازية من تباعد كاف وارتداء للكمامات والتزام من يشتبه بإصابته بالبقاء في بيته وعدم مخالطة الآخرين وهو ما يحدث الآن في بعض دول العالم بعد انتشار الموجة الثالثة.

الوصول لعلاج كورونا طال أمده حتى قررت البشرية التعايش معه والتكيف مع تداعياته المرة وعادت تدريجياً لممارسة النشاط ..ولا أحد يعرف يقيناً متى تنتهي تلك الجائحة ولا متى تكتب العلاجات الحالية أو المحتملة كلمة النهاية لذلك الوباء الذي لا يعرف حتى أسباب انتشاره  وتوحشه في بلدان غنية وراسخة في العلم والوعي والإمكانيات الصحية..وما زالت التجارب تجري على قدم وساق في المعامل وشركات الأدوية الكبرى..لكن الفيروس يجتاح حياتنا بصورة مذهلة حتى أن 80% ممن أصابهم ذلك المرض تعافوا منه دون أن يعرفوا أنهم كانوا مصابين به يوماً..ولا نبالغ إذا قلنا إن العالم بدأ يتعامل مع الوباء وكأنه غير موجود..والحقيقة المؤلمة أن هناك تبعات اقتصادية واجتماعية خطيرة أصبح العالم أجمع يعاني منها؛ وكما أنهك الوباء صحة الشعوب فقد دمر اقتصادات بعض الدول، محدثا بها مضاعفات حادة في اقتصاد عالمي مريض ومثقل بالديون ..حتى أن هناك دولاً وشركات لم تعد قادرة على سداد أقساط الفائدة، فضلاً عن انخفاض الإنتاج وارتفاع معدلات البطالة والركود ..الأخطر أنه كلما طال زمن الجائحة زادت احتمالات حدوث أزمة مالية أخطر كثيراً مما شهدها العالم من قبل؛ ومن ثم فلا يزال الأمل معقوداً على إنتاج اللقاح الناجع المنقذ والمخلّص من كوارث كورونا التي أعادت بلا شك رسم خريطة للعالم، كما أعادت رسم وصياغة أولوياته؛ ذلك أن البشرية رغم ما حققته من تقدم علمي وتكنولوجي هائل وجدت نفسها في موقف لا تحسد عليه، عاجزة عن حماية نفسها من فيروس ضعيف لكنه دوخ دول العالم كلها كبيرها وصغيرها، غنيها وفقيرها.

حجم الإصابات العالمية مهول فقد تجاوزت 146 مليون شخص منهم 84  مليونا تماثلوا للشفاء..والمدهش أن تتصدر دول مثل أمريكا والبرازيل والهند وفرنسا وروسيا معدلات الإصابة بكورونا رغم ما تتمتع به من قدرات اقتصادية عالية ومعرفة علمية وتقنية كبيرة..ورغم ذلك فالعلم لا يزال هو كلمة السر في بناء الإنسان والأوطان وبفضله صار ممكناً ما كان مستحيلاً..كما تتفاضل الأمم بمقدار ما تملكه من ناصية العلم وهو ما أدركته دول كثيرة فجعلته أولى أولوياتها، فيه تنفق الأموال ولأجله تحشد الطاقات.

ما يثلج صدورنا حقاً أن مصر اليوم بأجهزتها ومؤسساتها المختلفة وشتى طوائفها ومكوناتها على قلب رجل واحد ليس في مواجهة كورونا فحسب بل في مواجهة تهديدات الأمن القومي من جهاتنا الأربع ولاسيما التهديد المائي..والحكومة حاضرة تتحمل مسئوليتها بقوة وتتصدى للفيروس المستجد باقتدار ورؤية استباقية منعت ظهور أي ارتباك أو عشوائية عانت منهما دول كبرى يشار لها بالبنان في التعامل مع الأزمات بشتى صورها لكنها سقطت في امتحان كورونا ؛ وهو ما يحسب لإدارة الدولة المصرية وقيادتها التي بادرت باتخاذ إجراءات استباقية مبكرة جنبت البلاد والعباد شراً مستطيراً اجتاح بلاداً عديدة.

حكومتنا توقعت كل السيناريوهات منذ البداية وعملت لكل شيء حسابه وناقشت كل ما يتعين فعله إزاء كل تطور للفيروس أو موجة من موجاته سواء بدعم القطاعات والأنشطة المتضررة أو مساعدة العمالة غير المنتظمة أو بتوفير السلع الإستراتيجية اللازمة للسوق المحلية أو بتوفير ما يلزم من أدوية ومستلزمات طبية وشراء ملايين اللقاحات لتطعيم المواطنين وفق أولويات تبدأ بكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة والأطقم الطبية  وهي الفئات الأكثر عرضة للإصابة بالمرض.

الشفافية والمصارحة كانت حاضرة بقوة في تعامل الحكومة مع أزمة كورونا وتراقبها منظمة الصحة العالمية لحظة بلحظة وتعلن أرقامها على الدنيا كلها بموضوعية ودون مواربة..وسوف تتحقق الغاية المرجوة بالخروج من نفق كورونا وموجاته المتعاقبة التي تزداد شراستها بتوخي الحذر من جانب المواطنين و الأخذ بالأسباب وعدم الاستهتار بالإجراءات الاحترازية والوقائية عملا بقول الله تعالى "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة"..ويبقى الأمل في رحمة الله وحده أن يرفع هذا الوباء عن البشرية حتى تنعم بحياة آمنة وتعود لممارسة حياتها الطبيعية دون خوف ولا وجل..اللهم ارفع عنا الوباء.