هيرميس
الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات

"كلمة وطن" 

سوق الأسرار 

قبل ما يقرب من ثلاثة أرباع القرن، زودت أجهزة الاستخبارات الأمريكية القادة العسكريين والسياسيين الأمريكيين بالمعلومات والتحليلات التي تهدف إلى مساعدتهم على اتخاذ قرارات أفضل بشأن مخاوف الأمن القومي الحرجة. 

في زمن الحرب الباردة كانت المعلومات الأكثر قيمة هي حتمًا المعلومات السرية. كانت طائرات التجسس، وأعمدة الاستماع، و"المصادر والطرق" الأخرى التي تم اختراعها لاستخراج هذه المعلومات مكلفة لتطويرها وصيانتها، كما أن البنية الأمنية المعقدة التي تطورت لحمايتها لا تزال قائمة حتى يومنا هذا. 

"فورين آفرز" قررت منذ أيام أن ترصد في دراسة مصغرة لها، علامات الفناء والانهيار لمجتمع الاستخبارات الأمريكي.. اعترافات مذهلة في ذلك التقرير الذي يوضح بدقة كيف أصبحت تدار الأمور داخل هذا المجتمع المغلق، وكيف تحول إلى ديناصور تاريخي محنط بعناية لإشاعة الخوف والرهبة، على غير الحقيقة.

توقيت التقرير على درجة كبيرة من الأهمية لأنه تعمد تعرية الجهاز الأقوى في العالم في اللحظة نفسها التي تقرر فيها الادارة الأمريكية الجديدة إعادة استخدامه لابتزاز الدول والمجتمعات بالشرق الأوسط.. التقرير القنبلة يأتي بعد أسابيع من الضجة التى أثارها بايدن في البيت الأبيض حول السعودية وولى العهد وملف خاشقجي بشكل مسرحى مبتذل. 

السفير الأمريكي الأسبق ورئيس الجامعة الأمريكية بالقاهرة ريتشاردوني، اعترف مؤخرًا في مائدة حوار حول مستقبل العلاقات الأمريكية - العربية، بأن الولايات المتحدة كان لديها في السابق أقوى أجهزة الاستخبارات في العالم والتى يمكنها أن تعرف ريشة العصفور أين ستقع قبل وقوعها، وأن الأمر لم يعد كذلك في الوقت الراهن. 

شهادة ريتشاردونى حول مكانة أجهزة الاستخبارات الأمريكية دارت في إطار الحديث حول سياسات الإصلاح التى سينتهجها بايدن داخل أركان الحكم في الولايات المتحدة، لكنها لم تكن حديث المصارحة الأول حول أوضاع الجهاز الأقوى في العالم. 

التقرير نفسه يرصد تاريخًا ممتدًا من مصارحة الذات والإصلاح في مكاشفة غير مسبوقة أيضًا، إذ يرى أن تاريخ إصلاح المخابرات الأمريكية ما زال محبطًا.  

كان المدير السابق للاستخبارات المركزية، ستانسفيلد تيرنر، مقتنعًا بأن أكبر التهديدات المستقبلية للولايات المتحدة لن تنشأ من الصراع المسلح ولكن من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، جادل ذات مرة بأن التحليل الاستخباراتي يجب أن يستفيد بشكل أفضل من المصادر المفتوحة ويجب أن يصبح أكثر تعددًا.

على الرغم من أن هذه البصيرة هي إحدى دوائر الاستخبارات اليوم التي بدأت للتو في التعرف عليها، إلا أن نصيحة تيرنر كُتبت قبل 30 عامًا. 

يقر التقرير بأنه على الرغم من أن هذا الجهاز العالمي الهائل ينتج ما يقدر بنحو 50000 تقرير استخباراتي سنويًا، إلا أن المعايير الأمنية صارمة للغاية لدرجة أن العديد منها لا يقرأها إلا ضباط استخبارات آخرون. على الرغم من مهمتها المتمثلة في "قول الحقيقة للسلطة"، غالبًا ما يتحدث مجتمع الاستخبارات مع نفسه فقط. 

وغالبًا ما تتغلب الشركات الخاصة والمؤسسات الصحفية الآن على مجتمع الاستخبارات في لعبتها الخاصة - على الأقل من حيث السرعة وإمكانية الوصول.  

ومع ذلك، لا يزال مجتمع الاستخبارات يعمل في ظل افتراض معيب بالحصرية، والتركيز على المعلومات التي يتم جمعها بشكل سري عادة ما يكون غير ضروري.. غالبًا ما يمكن العثور على نفس المعلومات أو المعلومات المماثلة التي تم جمعها من خلال وسائل سرية في المصادر المفتوحة التي لا تتطلب أي حماية أمنية. 

الحقيقة أن موجات التضليل والأخبار الزائفة اجتاحت العالم.. والمخيف أن هناك من يحترف توظيفها للابتزاز والتهييج والإثارة والابتزاز بعد أن فشل هو نفسه في معرفة الحقيقة.. كله آكل عيش.