الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات
    مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

إيـاد أبــو الحجــاج

رئيس التحرير

عبد النبي الشحـــات

عيون الشعب 

١٥٢ عاما قناة !



منذ تسعة ايام وبالتحديد يوم الأربعاء ١٧ نوفمبر ٢٠٢١ .. يمر على افتتاح قناة السويس ١٥٢ عاما فقط .. معقول .. ان تاريخ القناة بالنسبة لنا كمصريين .. وخاصة ابناء منطقة القناة  .. أطول من ذلك بكثير .. فالقناة .. تعيش فى وجداننا مدى الحياة .. وهى ليست مجرد مجرى ملاحى .. إنما هى حياة .. ارتبطت بنا .. وارتبطنا بها .. عشنا الى جوارها .. نستيقظ يوميا على نفير السفن العابرة .. ونسبح فى مياهها .. فقد كانت لقاءاتنا دائما على ضفة القناة الغربية .. ونحن طلبة .. حتى الثانوية العامة .. حيث الانتقال للقاهرة .. وبالرغم من سحر القاهرة .. ومتعة لياليها المبهجة .. فإنها لم تستطع ان تخطفنا من القناة .. وحتى بعد العمل فى القاهرة .. لم نترك الإسماعيلية بلدى .. واهلى وعشيرتى .. والقناة .. كان الذهاب أسبوعيا .. خميس وجمعة .. الى الاسماعيلية  .. حيث لقاء القناة .. وهنا أتوقف طويلا .. امام اسرار القناة .. ولعل اعظم أسرارها .. هذا العشق الابدى بين ابناء منطقة القناة .. والقناة نفسها .. عشق يتوارثه الاجيال .. جيل بعد جيل .. تعالوا بعد ١٥٢ سنة من عمر القناة .. نتوقف امام ما قاله صاحب فكرة حلم حفر القناة .. فى مذكراته .. يقول ديليسبس .. فى يوم ١٥ نوفمبر ١٨٥٤ .. حانت اللحظة الحاسمة .. كان الخديو محمد سعيد .. فى رحلة من القاهرة الى الإسكندرية .. واصطحب معه صديقه ديليسبس .. الذى تعرف عليه خلال دراسته فى باريس .. وتعمقت الصداقة بينهما .. بعد ان عاد محمد سعيد للقاهرة .. وأصبح ديليسبس قنصل عام فرنسا فى مصر .. ومحمد سعيد هو نجل الوالى حاكم مصر محمد على  .. وولى عهده المنتظر .. يقول ديليسبس .. كان نائب الملك  ( محمد سعيد باشا  ) .. مبتهجا .. بعد ان قفزت بالجواد فوق احد الحواجز .. اخذنى من يدى التى احتفظ بها لبرهة فى يده .. وجعلنى اجلس على اريكته بجواره  .. كنا وحدنا .. نرى من فتحة الخيمة .. غروب الشمس الجميل .. الذى كان شروقها فى الصباح قد هز مشاعرى .. كنت أشعر بالقوة بسبب هدوئى وسكينتى فى اللحظة التى سأتناول فيها موضوعا حاسما للغاية بالنسبة لمستقبلى .. كانت دراساتى وتاملاتى بشأن قناة البحرين ماثلة بوضوح فى ذهنى .. وكان يبدو لى بأن تنفيذها سهل التحقيق الى حد اننى لم اشك فى اننى سأستطيع نقل اقتناعى الى عقل العاهل .. عرضت مشروعى .. دون الدخول فى التفاصيل .. بالاستناد الى الوقائع والحجج الرئيسية الواردة فى مذكرتي التى قدمتها له .. والتى تنص على ان ربط البحرين المتوسط والأحمر .. بواسطة قناة ملاحية .. قد شغل دائما الرجال العظام .. الذين حكموا مصر .. بدءا من سيزوستريس الى محمد على .. مرورا  بالاسكندر  ونابليون .. فضلا عن انه كانت توجد خلال عهود عديدة عبر العصور قناة غير مباشرة .. تتصل بالنيل .. ان العامل الذى سيقوم بتنفيذ شق قناة ملاحية حقيقية .. سيظل خالدا .. اكثر من بناة الاهرام .. وأضاف ديليسبس .. بانه سيتم اختصار المسافة بين لندن وبومباى الى النصف .. وتخفيض المسافة بين القسطنطينية والهند الى الثلث .. قام سعيد باشا  .. بتوجيه بعض الأسئلة بكل اهتمام .. اجاب عليها ديليسبس بكل دقة .. ونجح ديليسبس فى اقناع محمد سعيد  .. بمزايا القناة والأرباح التى ستجلبها .. بالاضافة إلى ما ستحققه للامبراطورية العثمانية .. وكذلك بريطانيا العظمى وجميع بلدان العالم .. من مثل هذا الطريق المائى .. استمر هذا الحوار لأكثر من ساعتين .. وتمت استمالة سعيد للمشروع .. ويقول ديليسبس .. ان سعيد استدعى كل المسئولين والقادة .. الذين اصطحبهم فى هذه الرحلة .. من خيامهم .. وطلب منهم الجلوس امامنا .. وتحدث سعيد اليهم عن الحوار الذى اجراه معى على التو .. وطلب منهم ابداء الرأى فى اقتراحات صديقه .. يضيف ديليسبس  .. ان هؤلاء المستشارين الذين سيدلون برأيهم .. ارتجالا .. قادرون على ابداء الرأى بشأن حركات الفروسية .. اكثر من مشروع ضخم .. لا يمكنهم تقدير أهميته ..  كانوا يتجهون نحوى محملقين .. مما اعطانى الانطباع بانهم يفكرون .. بأن صديق سيدهم الذى شاهدوه .. يقفز بحصانه .. برشاقة فوق الحاجز  .. لا يمكن ان يقدم .. الا الاراء الجيدة .. وبينها كان محمد  سعيد .. يروى لهم حديثنا .. كانوا يرفعون ايديهم تجاه رؤوسهم كعلامة على الموافقة .. يقول ديليسبس .. ان المذكرة التى كان قد قدمها لمحمد سعيد باشا  .. كان قد أهداها منذ عامين .. وقد أجرى عليها تعديل بسيط .. اثناء الليل فى خيمته .. فقد طار النوم من جفونه .. بموافقة محمد  سعيد باشا على حفر القناة  .. يمكن ان نقول .. انه من داخل معسكر مؤقت اقيم فى قلب الصحراء .. قرر رجلان ( محمد  سعيد و ديليسبس  ) تغيير خريطة العالم .. وانهما سوف يثيران جدلا ضخما  سياسيا وفنيا وماليا .. ويهزان الدوائر الدبلوماسية والقنصلية ويستهويان الرأى العام .. ومن هنا بدأت معركة حفر قناة السويس  .. ومن الغريب ان ديليسبس ليس مهندسا ولا رجل أعمال  .. انه رجل دبلوماسي .. صاحب مهارة وقوة عزيمة فى كل شئ .. وجد الوسيلة لتنفيذ المشروع بالكشف عن أوراقه فى الوقت المناسب .. وهنا تكمن جدارته .. ان لم تكن عبقريته .. حصل على امتياز لحفر القناة وادارتها لمدة ٩٩ عاما من يوم افتتاحها للملاحة .. اى من يوم ١٧ نوفمبر ١٨٦٩ .. حتى يوم ١٧ نوفمبر  ١٩٦٨ .. يعنى بعد تأميم القناة باثنى عشرة سنة ( ١٢ سنة ) .. ونص الامتياز .. انه فى نهاية مدته .. تصبح القناة وجميع منشآتها ملكا لمصر .. مقابل تعويض يتم الاتفاق بشأنه .. وهو ما حدث بالفعل .. حيث حصلت الشركة العالمية للقناة  .. على تعويض مالى من مصر .. عقب تأميم القناة .. يقول ديليسبس انه قام بتفقد منطقة القناة من السويس الى بورسعيد .. قبل بداية اى عمل .. وجد ان الطبيعة قد رسمت من نفسها خط الاتصال بين البحرين الأحمر والمتوسط  .. حيث تنتشر بحيرات طبيعية عديدة .. منها حوض البحيرات المرة الجاف الذى مساحته ٣٣٠ مليون مترا مربعا .. ثم سرابيوم هضبة ترتفع ١٥ مترا .. بحيرة التمساح فى منتصف البرزخ .. ثم بحيرة المنزلة .. التى تمتلأ من مياه فيضان النيل ومياه البحر المتوسط .. وهذا يؤكد وجود هذه البحيرات قبل حفر القناة .. مذكرات ديليسبس  موجودة فى كتاب المؤرخ والباحث الفرنسى روبير سوليه ( مصر ولع فرنسى ) ترجمة لطيف فرج .. ولعله من اهم الكتب التى تناولت تاريخ حفر القناة بكل تفاصيلها واسرارها .. اقول بعد ١٥٢ عاما .. اصبح لدينا قناة جديدة .. ضعف القناة الأولى  .. تستوعب اكبر سفن العالم .. ان قناة السويس  .. شريان حياة للعالم اجمع .. لكنها تمر فى أرض بلادى .. وكل ١٥٢ عاما وانتم جميعا بخير .