• مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

عبد الوهاب عدس

عيون الشعب

ليلة القدر !

بقلم .... عبد الوهاب عدس

الخميس 16 مايو 2019

نعيش روحانيات و"سحر" رمضان وأيضا بهجته.. وأعظم لياليه.. ليلة القدر.. وهي ليلة عجيبة.. كرمها الله.. بما انزل فيها.. القرآن الكريم.. انزل من اللوح المحفوظ.. إلي السماء الدنيا.. مرة واحدة.. ثم أخذ منه جبريل.. إلي سيدنا محمد "صلي الله عليه وسلم".. طبقا لكل حدث.. ومن عجائب ليلة القدر.. أنها تأتي في العام كله.. كيف؟ يفسر الشيخ متولي الشعراوي هذه الظاهرة.. بقوله.. لو أخذنا.. اختلاف السنة القمرية عن السنة الشمسية.. لوجدنا ان ليلة القدر.. تكررت في كل يوم من أيام السنة.. كيف؟ رمضان يأتي في الربيع.. والخريف.. والصيف.. والشتاء.. أي انه يدور في العام كله.. في كل فصل من فصوله.. ما من شهر من شهور السنة.. إلا وشهر رمضان.. أو علي الأقل جزء منه.. ومع طول الزمن.. نجد ان ليلة القدر هي الأخري تمر في السنة كلها.. في كل يوم من أيام السنة.. يعني عندما يأتي رمضان.. في كل سنة.. في شهر مختلف عن العام الذي يسبقه.. فإنه بذلك يمر علي جميع الشهور.. وبالتبعية الأيام.. وبذلك تمر ليلة القدر علي جميع أيام السنة. 

والسؤال.. لماذا اختيار الليل.. لأنه الوقت الذي فيه العبادة لله وحده.. حيث صفاء وهدوء وسكينة.. النفس.. وأيضا صدق التعبير.. فالذي ينافق الله أو الناس.. أو يتظاهر بعبادة الله.. لا يمكن أن يقوم الليل.. ومن يبحث عن شهرة.. أو أي شيء آخر.. مثل رجل صالح.. رياء أو نفاقا.. لا يمكن أن يقوم الليل.. إذن فمن يقوم الليل هو الخاشع لله "سبحانه".. المؤمن به.. وعندما يختار الله وقتاً.. أو مكاناً.. أو شخصاً.. فهذا الاختيار.. لخير البشرية كلها.. فاختيار مكة.. مثلاً لبيت الله الحرام.. هو تكريم للعالم كله.. فالناس تذهب من جميع أنحاء العالم.. لمكة.. لتحج وتؤدي المناسك وتتوب.. وتستغفر.. وتعود لبلادها مغفور لها.. من هنا فالخير ليس مقصورا.. علي مكة وحدها.. انه يمتد ليشمل رحمة الله.. للعالم أجمع. 

ومن عجائب ليلة القدر.. انها تخلص النفس البشرية من أشياء عديدة.. أولها الخوف.. فالخوف يكون من شيء معلوم.. ثم الهم والحزن.. الذي يدخل القلب.. وهذا قد يأتي من شيء مجهول غير معلوم لنا.. ثم المكر.. ان يمكر بك غيرك.. وليلة القدر سلام وأمن.. فهي تذكرنا بالقرآن.. الذي إذا اتبعناه.. لذهب عنا الخوف والهم والحزن.. وكان الإمام جعفر الصادق يقول: عجبت لمن خاف.. كيف لا يفزع إلي قول الله "سبحانه".. "حسبنا الله ونعم الوكيل".. فإن الله يعقبها بقوله: "فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء" ومن لا يفزع إلي قوله "سبحانه": "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين".. فالله يعقبها بقوله: "فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننج المؤمنين".. وأيضا.. "وأفوض أمري إلي الله.. ان الله بصير بالعباد".. فالله يعقبها بقوله: "فوقاه الله سيئات ما مكروا".. ولمن طلب الدنيا وزينتها: "ما شاء الله لاقوة إلا بالله".. والله يعقبها بقوله: "ان ترن أنا أقل منك مالاً وولداً.. فعسي ربي أن يؤتيني خيراً من جنتك". والقرآن.. كما يقول الشيخ الشعراوي.. نزل في ليلة القدر وفي غيرها.. لأنه نزل حسب الحوادث.. نزل ليلاً ونهاراً.. في كل وقت.. لكن الانزال في ليلة القدر.. معناه إرادة الحق ان يبرز القرآن أو يخرجه من كنزه.. الذي كان مكنونا فيه.. إلي الأرض.. ليباشر مهمته في الوجود.. من عالم الغيب.. إلي عالم الشهادة.. وتنزيل القرآن.. منسوب إلي الله "سبحانه".. مصداقاً لقوله: "وبالحق أنزلناه وبالحق نزل".. ولكنه يأتي أيضا.. منسوباً لجبريل.. نزل به الروح الأمين.. نعم نزل به.. جبريل.. أما الذي أنزله هو الله "سبحانه".. وأخذ منه جبريل إلي سيدنا محمد "صلي الله عليه وسلم".. ان مادة انزل لم تسند إلا لله.. "سبحانه وتعالي".. وان جبريل حمله.. كما هو.. كما انزله الله.. إلي رسول الحق "صلي الله عليه وسلم".. ونعود إلي ليلة القدر التي كرمها الله.. بما انزل فيها القرآن.. ولأنه يحمل هدي الله للبشرية كلها.. فيجب أن تكون محل حفاوة وتقدير بما أنزل فيها.. انها ميلاد القرآن.. وقد اختارها الحق "سبحانه".. لانزال أكبر حدث بالنسبة للبشرية.. لينزل فيها أعظم قدر.. وانها أخذت القدر.. بنزول القرآن فيها.. وقد خصها الله.. بتجليات وعطاءات لعباده.. "وما أدراك ما ليلة القدر".. فلا يعرف قدرها إلا الله "سبحانه".. ليلة القدر خير من ألف شهر.. فالخير فيها أكثر من أن يدركه البشر.. انها محل لتنزلات الملائكة برحمة الله في الأرض.. "تنزل الملائكة والروح فيها".. أي لا ينزل فيها إلا كل ما هو خير.. وكل ما هو سلام. 

من هنا.. فإن ليلة القدر.. تتطلب عبودية صادقة لله.. فاحتفالنا بليلة القدر.. هو فرحتنا بتلك الليلة.. بما نزل فيها.. وقد انعكس القرآن علي نفوسنا صفاء.. وما دمنا نفرح بمنهج الله.. فليس لنا جزاء.. إلا ان يغفر الله لنا.. وصفاء النفوس.. يتطلب تنقيتها من كل الشوائب.. فإن سلوك المسلم.. والتوازن بين عباداته وسلوكه.. أخطر ما يواجهنا.. ولعل فرحتنا بليلة القدر.. وانتظارها.. يدفعنا إلي الارتفاع والتسامي عن أخطاء نعاني منها جميعاً.. بداية من المغالاة في الأسعار.. والغش.. والتهرب من سداد الديون.. والرشوة.. واستغلال النفوذ.. والنصب والاحتيال.. والسرقة.. والخطف.. والكراهية.. والحقد.. والله يغفر الذنوب جميعا.. ولا يوجد أفضل من ليلة القدر.. لمحو الذنوب.. ولنتحراها في العشر الأواخر من رمضان..خاصة الليالي الفردية "الوتر".. كما قال رسول الحق "صلي الله عليه وسلم"... التمسوها في وتر العشر الأيام الأخيرة. 

ان روحانيات رمضان.. تخترق الوجدان والقلوب.. تنتشلنا من دنيا المؤامرات والمصالح والماديات.. تجعلنا في نشوة.. القرب من الخالق العظيم.. الواحد الأحد.. ما أجمل النقاء.. وما أعظم صفاء النفوس.. بالصدق مع الله.. وقد أمرنا الله بتأدية الأمانة: "إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلي أهلها".. وقال "صلي الله عليه وسلم": الصلاة أمانة والوضوء أمانة والوزن أمانة والكيل أمانة وأشد ذلك الودائع.. ونهي الإسلام عن الغش.. فقد قال رسولنا "صلي الله عليه وسلم": من حمل السلاح علينا.. فليس منا.. ومن غشنا فليس منا.. ونهي عن خلط اللبن بالماء: لا تخلطوا اللبن بالماء.. للبيع.. وقال "صلي الله عليه وسلم": المسلم أخو المسلم.. ولا يحل لمسلم.. إذا باع من أخيه بيعا فيه عيب.. إلا أن يظهره.. وقال: ان الله يقسم أرزاق الناس.. ما بين طلوع الفجر.. إلي طلوع الشمس.. وقال "صلي الله عليه وسلم": ما أكل أحد طعاما قط.. خيراً من ان يأكل من عمل يده.. وان نبي الله داوود.. كان يأكل من عمل يده.. ويفضل العمل.. عن سؤال الناس.. لان يحتطب أحدكم حزمة علي ظهره.. خير من أن يسأل أحداً.. فيعطيه أو يمنعه.. ويحث علي السهولة والسماحة في الشراء والبيع: رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع وإذا اشتري وإذا اقتضي.. ويكره الإسلام الحلف في البيع.. "ان الذين يشترون بعهد الله وايمانهم.. ثمناً قليلاً.. أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم" آل عمران 77. 

هذا هو اسلامنا.