هيرميس

عيون الشعب 

صنايعية مصر ! 

استطاع الكاتب الكبير عمر طاهر .. ان يحكى لنا فى كتابه البديع "صنايعية مصر" .. تاريخ مصر الحديث .. من خلال حياة اشخاص .. ساهموا فى بناء ملامح هذا البلد .. من اصحاب الريادة او السبق فى مهنتهم .. اصحاب تجارب ناجحة .. لم يحصلوا على نصيبهم من الاضواء .. هذا الكتاب صدر عام ٢٠١٧ عن دار الكرمة للنشر .. يتحدث عمر طاهر .. عن حمزة الشبراويشى .. صانع كولونيا ال ٥٥٥ كانت موجودة فى احتفالات وافراح واعياد ميلاد وامراض وترمومترات وجروح واغماءات .. لم نعرف اى شئ عن مخترعها .. كانت هذه الكولونيا تتصدر المشهد .. فى مختلف الاماكن .. تلك المعجزة .. التى تسمح لرائحة واحدة ان تكون شعارا .. لشعورين مختلفين .. فقطنة مبللة بالثلاث خمسات .. تعنى ان هناك حقنة فى الطريق .. وايضا البهجة .. حيث كانت هى الرائحة المميزة لركن مقاعد كبار العائلة فى اخر الجامع عند كل صلاة عيد .. كان الرئيس جمال عبدالناصر .. يشطب على اسم حمزة النشرتى .. عندما تعرض عليه قوائم من سيخضع لقرار التأميم .. كان يؤمن ان الشبراويشى .. رجل عصامى وليس اقطاعيا .. فمنتجاته فى كل بلد عربى .. ففى السعودية .. تحمل اسم "سعود" .. وفى السودان تحمل صورة لمطربهم الاشهر عبد الكريم كرومة .. كانت ام كلثوم بطلة اعلانات الشبراويشى .. كان عبد الناصر زبونا .. لمنتجات الشبراويشى .. يقول احد الضباط .. ان احد موظفى الرئاسة .. كان يحمل حقيبة الرئيس الخاصة .. وعند تفتيشها كدواعى امنية .. وجد بداخلها فوطة وفرشة شعر وخرطوشة سجاير وزجاجة كولونيا ٥٥٥ .. يقول عمر طاهر .. على لسان حفيده حمزة النشرتى .. ان جده خرج من قرية شبراويش .. التى تحمل الكولونيا اسمها .. لا يحمل شيئا سوى موهبة فريدة فى صنع اسنسات العطور .. استقر فى منطقة الحسين .. ثم افتتح محلا صغيرا .. لبيع العطور الذى يصنعها بيده .. عرف النجاح سريعا .. فافتتح فرعا فى الموسكى .. ثم وسط البلد .. ثم حول معمله الصغير .. الى مصنع .. اشترى قطعة أرض صغيرة فى دار السلام .. وكان يزرع بنفسه الليمون الذى يستخدمه فى تصنيع الكولونيا .. كان الملك فاروق يقدم سنويا .. جائزة لافضل حديقة منزل .. كان منزله فى المعادى على قطعة أرض حوالى فدان .. تفوز كل عام بالجائزة .. وكان فى عيد الام .. يقيم نافورة فى أرض المعارض بالجزيرة .. تضخ الكولونيا طوال اليوم .. ومن الكولونيا .. الى بودرة التلك ومستحضرات التجميل .. الى ان اصيب بجلطة .. يقول عمر طاهر .. كان حفيده .. يتحدث عنه بحماس المحبين .. قائلا ان جده لم يكن مهتما بالسياسة .. بعد اصابة حمزة الشبراويشى .. فى نهاية عام ١٩٦٥ بجلطة .. سافر الى سويسرا للعلاج .. خشى ان يعود للقاهرة .. خوفا من ان يتعرض للاذى .. مثل الاذى الذى يتعرض له اصحاب بعض الصناعات .. فقرر ان تكون العودة إلى بيروت .. وهناك افتتح مصنعا صغيرا لتصنيع العطور .. هنا بدأت الوشاية .. حمزة الشبراويشى هرب من مصر الى لبنان .. سيصفى املاكه ويسحب أمواله كلها .. قرر عبد الناصر .. فرض الحراسة على ممتلكات الشبراويشى .. وتم عرضها للبيع .. اشترتها شركة السكر والتقطير .. (مصنع الشبراويشى والمحلات والاسم التجارى والمنزل وبعض الفدادين) بمبلغ ١٦٥ الف جنيه .. استمر الشبراويشى فى لبنان يتوسع ويواصل نجاحه .. حتى توفى فى نهاية الستينات وعاد لمصر جثمانا .. ليدفن فيها حسب وصيته .. وكانت المفاجأة .. ان عمال مصانع الشبراويشى المباعة .. أصروا على حمل جثمانه على اكتافهم سيرا على الاقدام من مسجد ميدان التحرير .. حتى مدفنه .. لمسافة حوالى ٦ كيلومترات .. عاشت الثلاث خمسات فى وجدان المصريين .. حتى اليوم .. لكن السبرتو .. مادة طيارة .. لا تبقى على حالها .. بيت المعادى .. وبعد فرض الحراسة عليه لسنوات .. تحول الى منزل للسفير الإسرائيلي منذ ١٩٨٠ .. حتى رحل السفير نهائيا عن منطقة المعادى .. مصنع دار السلام مهجور ومغلق منذ اكثر من ١٥ عاما .. وتحول الى مقلب للقمامة .. والعجيب ان تعيش ال ٥٥٥ حتى اليوم .. فهى الرائحة الوحيدة التى تصلح رجالى وحريمى .. وتستخدم فى تغسيل موتانا !! 

ويتحدث عمر طاهر .. عن ابو رجيله .. قائلا عنه انه صنايعي الحرب والاتوبيسات وكرة القدم .. فبعد ان تولى عبد اللطيف ابو رجيله رئاسة نادى الزمالك .. حصل الزمالك على اول دورى فى تاريخه تحت ادارته .. كان مقر الزمالك ٣ غرف ومدرج خشبى على نيل العجوزة .. قرر بناء مقر جديد .. فى منطقة ميت عقبة .. وقام بمد الكهرباء والمياه .. لسكان المنطقة على نفقته الخاصة .. بدأ ابو رجيله حياته .. بسيطا عقب تخرجه من كلية التجارة .. لا يمتلك ما يكفى .. لان يبدأ رحلته كرجل اعمال .. جنيهات قليلة تسمح فقط .. باستئجار  مقر متواضع .. واشترى بما بقى معه آلة كاتبة .. وعين موظفا ليساعده .. ثم انطلق وفى ذهنه النجاح .. قبل الثروة .. وبمرور الوقت وجد فرصة ما تجعل تجارته تبدأ من ايطاليا .. فسافر واستقر وتزوج وكون ثروة .. التهمتها الحرب العالمية الثانية .. قرر ان يبدأ من جديد .. من مصر .. وفى مصر .. اسس مشروعات تجارية وعقارية وزراعية .. كانوا يضربون به المثل فى الثراء .. بعد ثورة ١٩٥٢ .. قرر العودة إلى ايطاليا .. لكن عبد اللطيف البغدادي وزير الشئون البلدية وقتها .. قرر الاستعانة به .. استدعاه من ايطاليا .. اسند اليه مسئولية تنظيم الاتوبيس والنقل فى القاهرة .. وبعد عامين .. اصبح اسم الاتوبيسات التى تجرى طوال اليوم فى شوارع العاصمة "اتوبيسات ابو رجيلة" .. يقول الكاتب الكبير احمد بهجت فى شهادته على إمبراطور الاتوبيس .. كان السائقون والمحصلون والمفتشون .. على اتوبيسات ابو رجيله .. يقدمون نموذجا محترما للاحترام والتقدير فى حسن معاملة الركاب .. واداء العمل .. كان زمن التقاطر ثلاث دقائق .. بين كل اتوبيس .. لعدد  (٤٠٠) اتوبيس يخدم (١٣) مليون  راكب شهريا .. كان ابو رجيلة .. يردد دائما .. ان الاتوبيسات .. جزء من نسيج الحياة اليومية للمواطن العادى .. كان ابو رجيلة .. حريصا على ركوب احدى الاتوبيسات متخفيا .. مرة كل شهر .. لمراقبة النظام والنظافة .. كان يخرج من منزله فى الخامسة صباحا .. باتجاه جراج كوبرى القبة .. ليراقب اسلوب وسير العمل .. وفتح الباب للمرأة للعمل فى هذا المرفق .. وكان اول من وظف كمسارية .. وليساعد الناس على تقبل الفكرة .. ساهم فى انتاج فيلم الكمساريات الفاتنات .. ضم لاسطوله اتوبيسات مرسيدس .. كان الناس .. يتعاملون معها باعتبارها خروجة .. يتباهون فيما بينهم بانهم ركبوا اتوبيس ابو رجيلة .. اخترع ابو رجيلة منصب مدير المطبات .. يكتب تقارير عن المطبات والحفر فى الشوارع .. لتقوم الشركة باصلاحها على نفقتها حفاظا على الاتوبيسات .. وعندما وقع العدوان الثلاثى على مصر .. وضع اتوبيساته تحت تصرف القوات المسلحة .. وتكفل شخصيا بأجور السائقين والبنزين وبعد الحرب .. اهدى الحكومة صنعه للاسمنت .. لاعادة تعمير بورسعيد .. قام ابو رجيله ببناء مدرجات نادى الزمالك وفى مباراة الإفتتاح مع فريق براج التشيكي .. جاءت ضربة البداية من السماء .. من طائرة .. وفاز الزمالك ٣-صفر .. قال ابو رجيله .. لكى تصبح مليونيرا .. ابحث عن النجاح فهو الذى يقودك للملايين .. ويستيقظ ابو رجيله على قرار تأميم شركاته .. لتصبح هيئة النقل العام بالقاهرة .. ليعود الى ايطاليا يؤسس بها الطرق والمشروعات وشركات النقل .. وفى اواخر السبعينات عاد لمصر .. ينتظر استدعائه .. لتجديد اتوبيسات القاهرة من جديد .. لكنه فارقنا دون ان يستدعيه احد .. وبعد رحيله بسنوات وضعت ادارة الزمالك .. اسمه على المدرجات التى اقامها .. يقول ابو رجيله .. انه لا يحمل فى جيبه نقودا ابدا .. لكنه يخصص مبلغا شهريا فى يد السائق .. للصرف منه .. للطلبات المفاجئة .. اجرة المنادى .. واصحاب الحاجات .. كتاب المبدع عمر طاهر .. يستحق القراءة والغوص فى تاريخ مصر المعاصر .. من خلال ٣٠ شخصية من انجح من انجبت مصر .. وللحديث بقية .