• مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

عبد المنعم السلموني

مجرد كلام

رقـيق القـرن !!

بقلم .... عبد المنعم السلموني

الاربعاء 16 سبتمبر 2020

 

يتحدث المحللون الغربيون عن استغلال مآسي الفقراء والمستضعفين في تحقيق الأرباح للأغنياء .. ويقارن البعض بين ما كان يحدث أثناء تجارة الرقيق في القرن الثامن عشر وما يجري في القرن الحالي!!

في عام 1783 كشفت محاكمة "زونج" في بريطانيا، العلاقة المشبوهة بين التمويل والعبودية. تمثلت القضية في دعوى تأمين غير عادية، تتعلق بمذبحة راح ضحيتها 133 أفريقيًا، تم إلقاؤهم في عرض المحيط من على ظهر السفينة "زونج" التي كانت محملة بالرقيق.

كانت تجارة الرقيق رائدة في نوع جديد من التمويل، وهو التأمين على أجساد هؤلاء المستضعفين لصالح تجار الرقيق مثلما يتم التأمين على عدد من رؤوس الماشية (!!!). واليوم، لا تزال الأشكال الغامضة للتمويل، التي تستهدف الفقراء والمتعثرين، يستغلها الأثرياء بالفعل كفرص للربح، وهي تحمل في طياتها الظلم بأسوأ معانيه.

كان المدعون في محاكمة زونج، أمراء وتجارًا بمدينة ليفربول في القرن الثامن عشر، التي ازدهرت بسرعة لتصبح واحدة من العواصم التجارية الرائدة في العالم، وزينت أرصفتها بنقوش لرؤوس العبيد الأفارقة.

لكن ثروة ليفربول نشأت أيضًا من ابتكاراتها في مجال التمويل. كان تجار العبيد العظماء أيضًا من المصرفيين وأصحاب شركات التأمين، وروادا فيما نسميه اليوم بالتمويل، حيث حوّلوا حياة البشر إلى فرص تدر أرباحًا وفيرة!

من وجهة نظر التجار، كانت التجارة عبر الأطلسي بطيئة ومحفوفة بالمخاطر. فقد كانت السفن التي تحمل الرقيق الأفارقة مهددة بتفشي الأمراض والأوبئة والتعرض لسوء الأحوال الجوية ومخاطر التمرد المستمرة. ولتسريع تدفق الأموال، بدأ التجار في إصدار سندات ائتمانية يمكنها السفر بسرعة وأمان عبر المحيط.

كان يتم شراء العبيد في المستعمرات البريطانية بأفريقيا ونقلهم إلى الأمريكتين حيث يتم بيعهم في مزاد علني. وكان وكيل التاجر يأخذ الأموال وبدلاً من استثمارها في سلع، مثل السكر أو القطن، وإرسالها إلى ليفربول، كان يرسل فاتورة صرف - إشعار اعتماد بالمبلغ بالإضافة إلى الفائدة -عبر المحيط الأطلسي.

ويمكن صرف الكمبيالة بخصم في أحد البيوت المصرفية العديدة بالمدينة، أو استبدالها بآخرى، مرة ثانية بسعر مخفض، ليتم إرسالها إلى إفريقيا لدفع ثمن المزيد من المنقولات البشرية. كان الائتمان يتدفق بسرعة وبطريقة مربحة.

البدعة الفاحشة للنظام المصرفي للعبيد تمثلت في أن القيمة المالية للكمبيالة كانت مضمونة على أجساد البشر. استمرت نفس الممارسات في المزارع، حيث تم استخدام العبيد كضمان للقروض مما سمح بتوسيع العقارات والاستحواذ على كيانات أكثر إنتاجية. بذلك تم استغلال العبيد مرتين، حيث سُرقت حريتهم وعملهم منهم، وتم الاستفادة من "قيمتهم الاقتصادية" التي تم استغلالها من خلال الأدوات المالية المتطورة.

وكما كان لتجار ليفربول السبق في استخدام التأمين كوسيلة لضمان القيمة المالية لسلعهم البشرية وغيرها، أدرك تجار الرقيق منذ زمن بعيد أن الطريقة الوحيدة للنجاة من الخسائر غير المتوقعة التي تتكبدها "الشحنات البحرية" هي التجمع معًا في النقابات وتقاسُم المخاطر.

لذلك عندما أدرك قبطان "زونج" أنه من غير المرجح أن يصل بحمولته من العبيد الذين يعانون من المرض وسوء التغذية، أمر بإلقاء 133 روحًا بشرية في البحر. كان المنطق القانوني الفاسد يقول أنه إذا كان هناك اضطرار للتخلص من جزء من "الشحنة" لإنقاذ السفينة، فإنه يتم تغطيته بواسطة التأمين.

ويقول المراقبون إن هذه الأجساد، كسلع مالية لها قيمة مضاربة فقط. لكن التأمين جعلها حقيقية وقابلة للتمويل. ويقول المراقبون إن هذا كان صحيحًا خلال القرن الثامن عشر في ليفربول ولا يزال كذلك في وول ستريت في القرن الحادي والعشرين.

لقد اتخذت عملية التمويل أشكالاً عديدة منذ ذلك الحين، لكن العناصر الأساسية ظلت كما هي. وهي تقوم على علاقات القوة غير المتكافئة التي تركز على التزامات واحتياجات الفرد المستقبلية وتجعلها قابلة للبيع. العقود التي أدت إلى أزمة الائتمان عام 2008، على سبيل المثال، حوّلت مدفوعات الرهن العقاري المستقبلية إلى أوراق مالية قابلة للتداول.

بالنسبة لمن يصدرون السندات، كان الربح خاليًا من المخاطر. والذين تحمّلوا المخاطرة في الغالب هم الأمريكيون الفقراء، إذ جعلتهم تصنيفاتهم الائتمانية السلبية وافتقارهم إلى المهارات المالية فريسة سهلة لمن يصدرون الرهون العقارية التي تم ابتداعها بحيث تحبسهم في عبودية اقتصادية. هؤلاء الأشخاص هم من السود أو اللاتينيين أو المهاجرين بشكل غير قانوني.

لعب التأمين دورًا هنا، حيث عزز قيمة المضاربة في الاستثمارات لصالح المتداولين. وعندما انفجرت الفقاعة العقارية أخيرًا، تدخلت الحكومات للحفاظ على هذا النظام، وقام بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بدعم شركة التأمين العملاقة AIG بما يصل إلى 182 مليار دولار أمريكي بينما فقد العديد من الناس منازلهم!!

ويقول فيليب روسكوي المعيد في مجال الإدارة بجامعة سانت أندروز: "أنا لا أقول إن المصرفيين اليوم مثل تجار العبيد. لكني أقول إن التمويل المعاصر لا يزال مليئًا بأنظمة الهيمنة والاستغلال في العمل."

ويطلق البعض تحذيرات من الممولين الذين يحملون "الهدايا". قروض الطلاب، وسندات الرهن العقاري، وسندات الدعم الاجتماعي، وحتى الاستثمار في التنوع البيولوجي، كلها تجني الإيجارات والريع من الاستيلاء على عائد الأنشطة المستقبلية للأفراد الضعفاء نسبيًا، وتكتسي بملامح تجارة العبيد عبر الأطلسي.

وإذا كان ما سبق هو ما يثيره الغربيون، فإن أمامنا صورة أخرى للعبودية. الآن أيضًا تبحر القوارب بـ"رقيق القرن" من المهاجرين غير الشرعيين عبر البحر المتوسط، بعد أن يحصل أباطرة التهريب على أموالهم، دون أي ضمانات لتوصيلهم إلى وجهتهم. وفي حالة وصولهم يتم استغلالهم في أعمال لا تقل سوءً عن الرق التقليدي. وفي أغلب الأحوال يكون مصيرهم الغرق في عرض البحر‍!!