هيرمس
  • مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

صالح إبراهيم

خارج الصندوق

د مشالي معدن الإنسانية النفيس

بقلم .... صالح إبراهيم

الأحد 24 مارس 2019

** مهما كانت المهنة التي تحملها في رقمك القومي.. مهندس.. طبيب.. محامي.. مدرس.. عامل.. فلاح.. تاجر.. رجل أعمال.. الخ القائمة التي تتغير بالحذف والإضافة مع تواصل الأجيال.. وتلاحم الحضارات.. هناك إضافة لابد منها.. تعرفها أم تجهلها.. لكنها تلتصق بك وربما تحولت مع الزمن إلي لقب للعائلة.. يمنحها لك المجتمع الذي تتعامل معه.. وله.. قد تكون الإضافة دؤوب.. ماهر.. عبقري.. مجدد.. دقيق.. صريح.. ناجح.. مؤثر.. ويتوجها فقط اللفظ "إنسان" فهي الكلمة التي تجمع كل الصفات الحميدة والدرجات الكاملة للأداء.. يفخر بها القلب.. ويتباهي بها العقل.. تضعها الأسرة وساماً علي صدر الأبناء.. كما تمثل الخاتم النهائي علي مسيرة العمل ومشوار الحياة.. لدرجة أن البعض يبادر بوضعها مع رسالة الوداع.. والكلمات المدرجة علي شاهد القبر.. هنا يرقد المغفور له بإذن الله تعالي.. فلان الفلاني.. الإنسان.. يرقد بسلام بعد رحلة عطاء ووفاء. 

نعم تختلف المهنة التي تقود أحلامك أو ظروفك إلي العمل بها.. ولكنها تتكامل منذ عرف الإنسان التخصص الجزئي أو الكامل.. رسالة وواجب.. مصدر للرزق.. وظيفة ومسئولية تصنع التقدم وتصون الأمان.. تدرك أن جزءاً من مهمتها.. نقل السر والخبرة إلي من يستحق ويستوعب ويتقدم من الأجيال القادمة.. يحمل المشعل.. يضيء المجال.. ينفرد هو الآخر بالمبادرات والمبتكرات التي تلتحم مع التحديات.. حولتها إلي مبتكرات.. أدوات وسلوكيات.. محورها الطاقة المحركة من حولنا.. بدأت مع الماء.. واستثمرت.. الفحم.. فالبترول.. فالكهرباء.. فالذرة.. ثم العودة للشمس والرياح.. وما يستجد فيما تأتي به الطبيعة.. ويلتقطه الإنسان. 

ومهما كان الحلم المصاحب للمهنة أو الوظيفة أو التخصص.. وما تتداوله المجتمعات من أحلام التصقت بمهنة بعينها مثل الـ 5 بمعني المصاحبة للطب.. عيادة خاصة.. عروس.. عربة.. عزبة.. عمارة.. إلا أن الوصف بالإنسانية يمنح الشخص سياجاً بالرضا.. تتأكد دعائمه علي مر الأيام.. ودخل ضمن سمعة عطرة.. يتفاخر بها الأهل والأبناء.. ويجعل منه قدوة للقادمين للمستقبل.. ومع التقدير المستحق والمستقر من المجتمع لأصحاب المهن.. وأدائهم الرفيع في كل المجالات.. نجد مساحة متميزة لمهنة الطب.. ربما لأن الصحة تاج علي الرأس والسند الرئيسي للجهد والتفكير والبناء.. تمتد مساحة الاحترام هذه للحكيم إلي جذور الحضارة الإنسانية فكان في القبيلة هو الساحر الذي يملك أسرار الغابة وما فيها من نباتات وثمار يتناولها العليل فيشفي بإذن الله تعالي.. وهو في مصر القديمة الكاهن.. القريب من الإله وفرعون في نفس الوقت.. وهو المساهم الأساسي في تحضير الميت لرحلة الخلود للعالم الآخر.. من التحنيط إلي إعداد المستلزمات التي عرفناها فيما بعد.. من خلال الاكتشافات الأثرية لمختلف عصور الحضارة المصرية العريقة. 

ومنذ ذلك التاريخ البعيد.. وعلي موجة الرأي العام لم تنقطع حكايات وروايات وسيرة أولئك الأطباء العظام.. الذين أدركوا تلازم الإنسانية.. روحاً وتعاملاً.. وراحة ضمير.. مع نجاحهم في لمسة بلسم الشفاء.. خطوط رادار روحية.. تربطهم بكل مرضي المحروسة يأتون إليهم من كل مكان.. بدون الحاجة لأجهزة تتبع.. أو إعلانات.. إنها فقط سمعتهم الطيبة وإنسانيتهم ومشاعرهم الأصيلة الراقية.. بالتأكيد لكل منا حكاية أو أكثر مع طبيب من هؤلاء قد يكون في أعلي قمة الشهرة.. أو مجرد طبيب في وحدة صحية بالريف.. يسعدهما معا.. دعاء المريض وأسرته وتمنياتها له بطول العمر والتوفيق. 

أنا لا أنسي ما صادفني خلال رحلة العمر من نماذج عديدة لهؤلاء الأطباء العظام.. بدءاً بطبيب عيون متجول.. انقذني صغيراً من العمي الكامل.. بعد عذاب سنوات للبحث عن علاج.. اكتشف المشكلة في تجمع دموي.. قرب الأعصاب.. عودة الرؤية إليّ كانت حافزاً لرحلة تعليم مبكرة انتهت باحتراف مهنة عشقتها.. ولازلت متواجداً في رحابها.. رغم الدخول لبوابة العمر التالف لا أطيق فراقها.. وليس آخرهم المرحوم الدكتور محمود القاضي أستاذ العظام.. الذي تواجد بمستشفي الهلال إثر حادث تصادم فتت عظام الفخذ الأيمن.. واستدعي معجزة وصبراً وإنسانية لمستها عن قرب من الرجل ومساعديه علي مدي 6 شهور. 

واليوم نتوقف وموجة الرأي العام.. عند طبيب إنسان آخر.. بلغ من العمر 75 عاماً.. لازال ينفذ عهده التخصص في رعاية البسطاء.. د. محمد المشالي اخصائي الأطفال والباطنة والحميات الذي تقع عيادته بالقرب من المسجد الأحمدي بطنطا واكتشفه الصديق محمود سعد وتحاور معه في برنامجه آخر النهار.. "باب الخلق" مصحوباً بإقبال للمشاهدة علي الفيس بوك تجاوز الـ 1.5 مليون متابع.. بالإضافة إلي أولئك الذين يعرفونه عن قرب.. وحرصوا علي بعث رسائل إلكترونية عن مواقفه معهم.. وتقديرهم البالغ.. لرجل يؤدي واجبه في صمت واقتدار.. لا يسعي إلي ثروة أو مال.. رسم الزيارة عشرة جنيهات فقط "كان من شهور 6 جنيهات" لا يهمه الحصول عليها مقدماً.. لا يطلبها من أحد.. بل اختصه أهل الخير.. بمبالغ بسيطة.. يشتري منها الدواء لمن يعجز عن الشراء.. حوار مليء بالنقاط التي تعبر عن شعب المحروسة الطيب.. الودود.. المتضامن.. المحب للجميع.. وفي نفس الوقت صاحب الإرادة القادر علي الاختيار السليم.. لقد استجاب لرغبة والده الالتحاق بالطب رغم هوايته للحقوق ثم نذر نفسه لخدمة الغلابة.. يبحث عنهم.. حتي ولو لم يتوصلوا إلي مكان عيادته الشعبية.. الفقيرة... ولكنها النظيفة دائماً.. إنه لا يتحدث عن نفسه أبداً.. إلا من خلال سماعته وتشخيصه الماهر والصائب.. وحكايات الناس العاديين.. زبائنه وأحبائه القادرين دائماً قبل غرز ذهب الإنسانية النفيس.