هيرمس
  • مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

 د. محمود محمد علي

حادث نيوزيلاندا وتجريم خطاب الكراهية

بقلم .... د. محمود محمد علي

الاثنين 18 مارس 2019

  وقعت صباح الجمعة الماضي بتاريخ 15/3/209 جريمة نكراء ، ترفضها الأديان السماوية والأعراف الإنسانية، ويتبرأ من شناعتها العقلاء؛ إذ إن منفذها هو أحد الذئاب المنفردة الأستراليين المتطرفين قبل خطبة الجمعة بساعات قليلة في مدينة "كرايست تشيرش" بنيوزيلاندا ، وهذا الذئب القاتل نفذ مجزرة مرعبة في مسجدين سقط ضحيتها عشرات المصلين ، حيث خلف الحادث 49 شهيدا، و48 مصابا، وتلذذ بقتلهم عن طريق فتح بث مباشر علي صفحته علي فيسبوك ؛ حيث يشرح كيف قام بتصوير بث مباشر لتلك الجريمة البشعة من خلال تثبيت كاميرا على رأسه، كما يبين المقطع أن الإرهابي أعاد شحن بندقيته عدة مرات، ووقف على أجساد الضحايا وأطلق النار عليهم مرارًا، وفي الرأس ليتأكد من مفارقتهم للحياة ، وهو في ذلك لم يأبه بحرمة إنسان أو بقدسية مكان .

   وذكرت سلطات نيوزيلندا أن منفذ الهجوم نشر على موقع تويتر 87 منشورًا يفيد فيها اعتزامه القيام بهجوم إرهابي. وأشار في أحد منشوراته أنه يستلهم هجمات القتل الجماعي من مثل عمليات "أندرز برايفيك" الذي قتل 77 شخصًا في "أوسلو" بالنرويج عام 2011. وأطلق الإرهابي على معتنقي الإسلام الجدد "خائني الدَّم"، أي الدم النيوزيلندي.

  ولا شك في أن هذا الحادث كان نتيجة متوقعة لتصاعد خطاب الكراهية ومعاداة الأجانب وانتشار ظاهرة الإسلاموفوبيا في عدد من دول العالم فى أوروبا وشمال أمريكا وأستراليا ونيوزيلندا التي تروج لذلك الخطاب، فصورة المسلمون في الغرب متأثرة بما ينقله الإعلام الغربي بأن مصدر الإرهاب هُم المسلمون؛ وخاصة العرب منهم، وأن كثير من الدول العربية تروج لتلك الأفكار دون قصد فيصبح الإرهاب هو الموضوع الأساسي في كل خطاب سياسي وإعلامي، وكأنه أسلوب حياة في دولنا العربية و الإسلامية بينما هناك من ناحية أخرى قصور شديد في مواجهة تلك المفاهيم المغلوطة محليا ودوليا وإبراز التسامح في الدين الإسلامي والصورة المشرقة للمسلمين الذين ساهموا في نهضة مختلف البلدان المقيمين فيها وأفادوا بقدر ما استفادوا.

  إن هذا الهجوم الإرهابي، يتنافى مع كافة الأديان والشرائع السماوية التي تحرّم الاعتداء على الآمنين والأبرياء وترويعهم ، حيث إن الاعتداء على الآمنين ودور العبادة واستهداف الأبرياء يعد من أبشع صور الإرهاب، وأنها أفعال خسيسة لا يقوم بها إلا فاقدو الحس الإنساني؛ فالإرهاب لا دين له ولا وطن له، وأن شره مستطير، وما لم يتكاتف عقلاء الإنسانية لدحره فإن العواقب ستكون وخيمة على العالم كله و لن ينجو من شره أحد.

    كما أن هذا العمل الإرهابي الغاشم يؤكد حتمية تجريم الإسلاموفوبيا والتمييز العنصري ضد المسلمين، ويجب على المجتمع الدولي بكافة مستوياته العمل على سن تشريع دولي يوَّصف الإسلاموفوبيا باعتبارها عملًا إرهابيًا لا يقل خطورة عن إرهاب داعش والقاعدة ؛ حيث إن العمليات الإرهابية التي تقع بحق المسلمين على أيدي اليمين المتطرف في الغرب بشكل عام تسهم في انتشار التنظيمات الإرهابية وتضفي شرعنة متوهمة على خطاب الإرهاب الذي يدعي أنه يسعى لحماية دماء المسلمين التي تُسال هنا وهناك، كما أنها تدفع بعدد من ضحايا التمييز العنصري ضد المسلمين إلى السعي نحو الانتقام من مجتمعه الذي شعر فيه بالعنصرية والدونية، الأمر الذي يؤكد أن تجريم الإسلاموفوبيا واعتبارها إرهابًا عابرًا للحدود هو ضرورة للحفاظ على أمن واستقرار المجتمعات الغربية، وحفاظًا على التعددية والتنوع بين أفرادها.

   وإيماني مني بضرورة تجديد الخطاب الديني فإنني أطالب شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب ووزير الأوقاف الدكتور محمد مختار جمعة بأنه يجب علينا أولاً رسم خريطة لبيان حالة التطرف وبيئاته وأسبابه وطرق ووسائل علاجه، وذلك حتى نستطيع التكاتف والتعاون والتنسيق في مواجهة الإرهابيين مواجهة صريحة وواضحة وحاسمة، وأن تكون المواجهة شاملة: فكرية، وثقافية، وعلمية، وتربوية، وأسرية وأمنية، مع قطع جميع الطرق المؤدية إلى الإرهاب من التعنت والتشدد والغلو ، وتبدأ المواجهة بالنظر في كل ما يمكن أن يدعم أو "يصنع" الفكر المتطرف، سواء كانت جماعات دينية، أم تيارات سياسية تتبنى العنف والاغتيال منهجا وطريقا للوصول إلى مآربها، أم جمعيات أهلية تخدم أجندات فكرية أو حزبية أو مذهبية أو طائفية، أم مطبوعات ومنشورات ودور نشر مشبوهة تدعم العنف وتذكيه، أم مناهج دراسية تحتاج إلى المراجعة وإعادة النظر؛ ففي مجال الدعوة سيطرت بعض الأحزاب السياسية والجماعات الدينية والجمعيات الأهلية خلال السنوات بل العقود الماضية على بعض المساجد التي شكلت رافداً قوياً لدعم التعصب والتشدد، وكان لا بد أن تكون المساجد في أيدى أهل العلم الحقيقيين المتخصصين الوطنيين دون سواهم.

   كما أطالبهما أيضا بضرورة التكاتف معا علي إقامة أكاديميات على أعلى مستوى لتخريج جيل جديد من الدعاة يعرفون لغة العصر ويتقنون اللغات الأجنبية ، وأن يكون الممر الموصل بين مسجد الفتاح العليم وكنيسة ميلاد السيد المسيح مركزاً للتواصل الحضاري بين شعوب الآمة الإسلامية وبين مختلف شعوب العالم ويكون مزاراً سياحياً لمختلف الزائرين لمصر لتكون مصر كما كانت دائماً منبراً للوسطية ومنارة للتنوير للعالم المتحضر في الشرق والغرب.

   في نهاية مقالي لا أملك إلا أن أقول بأن هذا الهجوم الإجرامي، الذي انتهك حرمة بيوت الله وسفك الدماء المعصومة، يجب أن يكون جرس إنذار على ضرورة عدم التساهل مع التيارات والجماعات الإرهابية التي ترتكب مثل هذه الأعمال البغيضة، وأن يتم بذل مزيد من الجهود لدعم قيم التعايش والتسامح والاندماج الإيجابي بين أبناء المجتمع الواحد، بغض النظر عن أديانهم وثقافاتهم.

   رحم الله شهداء المسلمين بنيوزيلندا، وخالص التعازي والمواساة لأسر ضحايا الهجوم على المسجد، وللجالية المسلمة في نيوزلندا، سائلاً الله تعالى أن يتغمد الضحايا بواسع رحمته ويسكنهم فسيح جناته ويلهم ذويهم الصبر والسلوان، وأن ينعم على المصابين بالشفاء العاجل.

-----------

كلية الآداب- جامعة أسيوط