المؤسسة المالية والاستثمارية الرائدة في الاسواق الناشئة والمبتدئة
  • مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

بسيوني الحلواني

لوجه الله

التحرش.. سوء تربية وانعدام أخلاق

بقلم .... بسيوني الحلواني

الخميس 09 يوليو 2020

 

مع كل قضية تحرش تفرض نفسها على المجتمع المصرى تتعدد الآراء والتوصيات من أساتذة علم الاجتماع والتربية والطب النفسى ومعهم بالطبع علماء ودعاة الإسلام، الكل يطالب بالمواجهة الجادة والحاسمة لهذه الظاهرة ثم سرعان ما تهدأ الأمور ويتناسى الجميع ما طالبوا به ويعود المتحرشون لممارسة جريمتهم الأخلاقية انتظارا لجريمة جديدة تفرض نفسها على الاعلام ليعود الجميع الى تكرار ما طالبوا به من قبل دون تفعيل أى توصيات على أرض الواقع.

والحقيقة أن ظاهرة التحرش قتلا بحثا ومناقشة خلال السنوات العشر الماضية حيث تنامت فى مصر عقب احتجاجات يناير 2011 وما صاحبها من انفلات أمنى دفع بعض الشباب والمراهقين من كل الطبقات الاجتماعية الى التجرؤ فى التعامل مع الفتيات فى الأماكن العامة وأسهم الانفتاح الكبير فى التعامل مع مواقع التواصل الاجتماعى فى ظهور أشكال وأنماط من التحرش الجنسى تحتاج بالطبع الى مواجهة عبر الأجهزة المسؤولة عن تحقيق الأمن الاجتماعى ومواجهة الجرائم الأخلاقية عبر الوسائل الالكترونية الحديثة.

**

والواقع أن جريمة التحرش تحتاج- من وجهة نظرى- الى مواجهة مجتمعية شاملة ولا ينبغى تحميل مسئوليتها لطرف دون آخر، فالشباب المنلفت الذى تخلى عن ما تربينا عليه من قيم وآداب يتحمل النصيب الأكبر من المسئولية، فهو فى الغالب الذى يبادر بالتحرش بالفتيات والنساء عموما، ويتحمل هؤلاء كل أساليب "الجلد الدينى والتبويخ الاجتماعى" الذى يتعرضون له على يد علماء الإسلام وأساتذة الطب النفسى والاجتماع والتربية، وما يفعله هؤلاء يفرض توقيع العقوبات الرادعة عليهم فقوانين مواجهة الأضرار النفسية والجسدية للنساء فى مصر رادعة وتطبيقها يكفى لمواجهة هؤلاء الشباب لو طبقت وكان لدى الفتيات الجرأة والشجاعة فى الابلاغ عن هؤلاء المتحرشين.

وبعيدا عن قضية التحرش الأخيرة وما صاحبها من جدل وخلاف حول حجم المشكلة والتضخيم منها، وبعيدا أيضا عما رأيناه من بعض الشباب خلال الاحتفال بعيد الفطر فى سنوات ماضية، يجب أن نعترف بأننا فى حاجة الى توفير أمان أكثر لنسائنا فى كل مكان يتواجدن فيه، أمان نفسى من كل مظاهر مضايقتهن فى الشوارع والأندية والمتاجر والمتنزهات العامة وأيضا فى أماكن العمل.

نعم التحرش فى مصر ليس ظاهرة، ولا ينبغى تضخيم حالات التحرش القليلة لنجعل منها ظاهرة عامة.. لكن فى الوقت نفسه يجب أن نوفر حماية أكثر للمرأة، وهذه ليست مسئولية رجال الشرطة والنيابة والقضاء وحدهم، بل هى مسئولية المجتمع كله، وتتطلب تكاتف جميع مؤسسات الدولة التربوية والتعليمية والتثقيفية والدعوية والاعلامية  للقضاء على تلك الظاهرة  التى تتنافى تماما مع أخلاقيات المصريين الذين توارثوا حماية المرأة وتقديم تضحيات كثيرة فى سبيل ذلك.

**                                  

يجب أن نعترف فى شجاعة بأن الدراما المصرية تقدم نماذج وصورا متعددة للتحرش الذى تعانى منه المرأة الآن دون تقديم عقوبات مناسبة للمتحرشين،  ولذلك تسهم هذه الدراما من حيث لا تدرى فى نشر رذيلة التحرش، وتزيينها للشباب المراهق من خلال بعض الأعمال الدرامية حيث يمارس أبطال هذه الأعمال الفنية الهابطة التحرش اللفظى والبدنى طوال الأعمال الفنية دون أن تلحق بهم عقوبة رادعة.

تأملوا الأعمال الفنية التى أذاعتها الفضائيات  – على سبيل المثال- خلال رمضان الماضى، وما بها من صور متعددة للتحرش بالمرأة، ولذلك قبل أن نلوم الشباب على التحرش ونجرم سلوكهم علينا أن نجرم ذلك السلوك فى كل الأعمال الفنية.

سبق وسألت العالم الفاضل د.أحمد عمر هاشم عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر عن موقف الإسلام من ظاهرة أو مشكلة التحرش بالنساء وإيذائهن بالقول أو الفعل، فقال: الدين يضبط سلوك الإنسان بكل القيم الفاضلة، والتعرض للنساء بالقول أو الفعل الخادش للحياء هو فى حقيقة الأمر "سوء تربية وانعدام أخلاق" والآباء والأمهات مسئولون أولا عن سوء أخلاق أبنائهم، لأنهم لم يحسنوا تربيتهم منذ الصغر، ولم يكونوا قدوة طيبة لهم فى الحرص على الفرائض والواجبات الدينية والاجتماعية.

 فى مواجهة مشكلة التحرش علينا أولا أن ننظر الى التربية الأخلاقية للإبن – ذكرا كان أو أنثى- فقد فرض الإسلام على الوالدين إحسان تربية الإبن منذ الصغر وغرس القيم النبيلة في نفسه منذ نعومة أظفاره، والتربية الإسلامية القويمة للطفل تبدأ من داخل الأسرة حيث يجب على الأبوين تعليم أبنائهما قواعد الإيمان، وتدريبهم على عبادة الله وطاعته، وتأديبهم بأدب الإسلام ومكارم الأخلاق، وتعويدهم على اجتناب المحرمات وسائر السلوكيات والعادات السيئة والضارة، والبعد عن قرناء السوء، وتوجيههم إلى الرياضة المفيدة ، والقراءة النافعة، وأن يكون الوالدان أو المسئول عن رعاية الطفل قدوة عملية صالحة له في كل ذلك.

ويضيف د. هاشم: غياب التربية الإسلامية وراء هذه السلوكيات المرفوضة التى نراها فى تصرفات أبنائنا، فالتربية الدينية الصحيحة تربية أخلاقية تقوم على غرس قيم الأدب والذوق والاحترام في نفوس الصغار لكي ينشأوا على مكارم الأخلاق، وتسود بينهم الفضائل، وينتشر بينهم الخير، وتختفي من نفوسهم ومن مجتمعاتهم كل صور الرذائل.

**

بالفعل..  أبناؤنا فى أمس الحاجة إلى "قيمة الحياء" لمواجهة كل السلوكيات الغريبة التي اقتحمت حياتهم، وسيطرت على سلوكياتهم، وأظهرت بعضهم في صورة كريهة لا تتفق إطلاقا مع الأخلاق الكريمة والسلوك الحميد الذي جاءت به التعاليم والمبادئ والقيم الحضارية التى تعلمناها من ديننا وتوارثناها عن أجدادنا.

قيمة الحياء اختفت بالفعل من حياة كثير من الكبار والصغار، وحلت بدلا منها رذيلة التبجح والتصرف بدون مسؤولية.. لذلك علينا أن نعمل على استعادة قيمة الحياء في نفوس الأجيال الجديدة لكي نربيهم على الفضائل ونواجه من نراه شاذا وغريبا في تصرفاتهم، فبالحياء نقضي على كل مظاهر المعاكسات والتحرش الجنسي في شوارعنا ونوادينا وجامعاتنا ومراكزنا التجارية وأسواقنا.. وبالحياء نواجه كل مظاهر البلطجة التي أفسدت حياتنا حيث يعتقد كثير من الناس ـ وهم مخطئون ـ أنهم بالبجاحة والصوت العالي والتلفظ بما هو قبيح سيأخذون حقوقهم أو سيحصلون على ما يريدون.

واستعادة قيمة الحياء تبدأ من داخل البيت، فالتربية الإسلامية الصحيحة تغرس هذه القيمة في نفوس الأبناء وسلوكياتهم منذ نعومة أظفارهم.

[email protected]