د. غادة طنطاوي
لطالما كنت أجيد الهروب من أحزاني، والإنتصار على كل انكساراتي، فأنا بطبعي شخصية لا تليق بعالم الحزن وعقود الخيبات.
قالوا قديمًا بأن قلوب المحبين غير قادرة على جرح قلوب من أحبت.. وأنا أقول؛ لكل حبيبٍ وغالٍ بصمة على جدار قلبي آلمتني..!! حتى أتقنت قدرة التظاهر بعدم الإحساس وفن التجاهل.
خلقت لنفسي عالمًا افتراضيًا، لاتوجد فيه فصول غير الخريف والشتاء. سماؤه دائمًا غائمة وخريفه ممطر، فكم أعشق فصل الخريف..!! نهاية الأشياء الحزينة، فالأوراق تسقط بعد أن يمتنع الشجر عن توصيل الغذاء لها، لتموت وتحل محلها أوراقٌ جديدة، وكم تعجبني رائحة الأرض بعد أن تمطر، فالمطر في نظري كالحب..!! قبل أن يهطل بغزارة يسبقه هتان. سيلٌ من المشاعر يجري بعد تراكم قطرات المطر. ثم يأتي الشتاء، لنراه في تخثر قطرات الندى على النوافذ و يبرق ثلجه، عندما تنعكس عليه خيوط الشمس الباردة على الأبواب وأسطح المنازل.
ولأني أربعينية، فأنا في العقد الملكي من عمري..!! لا يزعجني انتقاد الآخرين، ولا تهمني الثرثرة الفارغة..!! لذا تعلمت أن أصنع عالمًا موازٍ ترقص فيه الأفراح دومًا، لا أرى فيه سوى وجوهًا مبتسمة، ولا تستقبل فيه سيالاتي العصبية سوى موجات السعادة.
مؤخرًا، أعلن مارك زوكربيرج عن بدء العمل على مشروع “الميتافيرسا”، أو العالم الإفتراضي..!! يبدو أن الحلم قد تحقق وسيتخذ حيزًا من الواقع في المستقبل القريب. في الماضي كان من الصعب على البعض خلق ملجأً لضعفٍ أصابهم، بعيدًا عن أعين المتطفلين، أما الآن وبفضل التقنية الحديثة وتوليف بعض الخوارزميات، سيصبح الجميع قادرًا على الإختلاء بنفسه ولو لبضع ساعات، يحسب فيها خساراته ويعيد حساباته ويتخلص من طاقته السلبية..!! لربما كان الميتافيرسا العلاج الأمثل لمن أصيبوا بالإكتئاب واليأس من تحقيق أحلامهم، فعلى أرض الخيال لك مطلق الحرية في تغيير مزاجك السئ عبر توجيه نوع معين من الموجات الكهرومغناطيسية للمخ، لتشعر بسعادة عارمة، تنسيك واقعك الذي أظلم بمن خان، أو بمن غاب ورحل..!!
لا أنكر أني من أشد المعجبين بالفكرة.. ولربما أكون من أول المتطوعين لتجربتها..!! لكن بداخلي خوف، وسؤال ماذا لو..؟؟ يعتريني بين فينةٍ وأخرى.. فماذا لو أحببت هذا الواقع الإفتراضي بشدة وأبيت الرجوع إلى واقعي الحقيقي..!! ماذا لو انجرفت مع تيار عزلة لا نهائي، ولم أعد أستطيع العودة للمجتمع..!! ماذا لو تسلقت قمة ايفريست كما كنت أحلم دائمًا ثم سقطت في هوةٍ سحيقة..!! والحقيقة أن جميع ماذكرت من أسباب، طرحها العلماء كنتائج سلبية لتلك التجربة..!!
تواجد العديد من الخيارات حولنا يعطينا شعورًا بالأمان المطلق.. لكنه في الوقت ذاته يفقدك الشعور بالمسؤولية لتحمل نتائج أخطائك..!! احساسٌ أحبه وآخر أهابه..!! وصدقًا لا أعلم إن كانت لدي القدرة على الهروب الدائم لعالمٍ افتراضي لا تعتريني فيه الأحزان.. لأن قناعاتي تخبرني بأن الإبتسامة دومًا تولد من رحم الدموع.. وبأنه لولا شعورنا بطعم الحزن لما قدرنا مفهوم السعادة، فماذا عنكم؟؟
اترك تعليق