هيرمس
    مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

إيـاد أبــو الحجــاج

رئيس التحرير

عبد النبي الشحـــات

نعم .. نحتاجُ فنًّا !

بقلم: عصام علي




قصَّ لي أخي - رعاه الله -  تأثر رجل بأغنية شعبية موضوعها الألم الذي يلاقيه المرء من أقاربه، وصور لي أن تأثره بلغ الغاية في التوجع والاندماج؛ مما جعله يترجل على ركبتيه مطوحا برقبته يمينا وشمالا, ولم تكفه هذه الأشياء بل راح يعلن ثورة الدموع التي لا تُخمَد، وظل على حاله هذه إلى أن انتهت الأغنية!

بدتْ في خاطري - لأول وهلة - فكرة أنه أراد الغياب عن الألم بإظهار مثل هذه الحركات، ولم تكن فكرة الغياب عن الألم هي الوحيدة التي تراءت لي - حينها- بل زاحمت خاطري - لحظتها- فكرة الاندماج والانصهار مع الحالة الفنية للأغنية بكامل مفرداتها الإبداعية، فأعلن تقبله لذاك الانصهار بطريقته الخاصة. 

كان أخي يروي الحادثة متندرا وكنتُ أنصت له باسما متعجبا! ومع إنصاتي وعجبي أسأل نفسي:
ألهذا الحد أُغْرِم الرجل بالأغنية؟!

ووجدت نفسي بعدها أقرر أن الفن تمكن من الرجل تمكنا جعله هو والحدث سواء؛ حيث رأى نفسه في مرآة الأغنية، فلم يشأ أن يترك من بصره حقيقته التي عثر عليها، فتماهى معها بوجدانه كاملا، ولا أظن أن الرجل طرب لصوت المغني فقط، ولا لتلك  الموسيقى المُنغمَة من أوتار قلبه الحزين، بل سلبه روح صدق هذا الفن الذي يحتاجه، فراح يأنس به في وحدته، ويطلب منه مشاركة آلامه..

لقد فعل الفن في قلب الرجل ما لا تسطيع مواعظ الدنيا فعله، بعد أن قذف في قلبه رحمة التسامح التي لو حدثته بعدها عن مؤلمه من أقاربه سيقول لك بلا تردد:
" سامحته " لأن الفن قلده بطولته الخالدة..

إن ما نحتاج إليه في هذا الزمان؛ لتنشئة جيل مدرك لحقيقته هو الفن السليم الذي يحتضن متلقيه؛ ليمنحه حياة تشبه حياته، ويعايشه آمالا وتطلعات لا تختلف عن آماله وتطلعاته، فن يمد يده لمتلقيه، فيربت على أحزانه، ويقدّر إنسانيته، يناقش أمامه القضية فلا يكاد يشعر إلا بوجوده في رحمها مجسدا أحد أركانها!
 
لقد بات الفن أهم آلية تتخذ في الدعوة إلى الله - تعالى - حيث عمومية الإجابة والانتشار، فهو متاح عبر كل التقنيات الحديثة التي سيطرت على حياتنا من جميع جوانبها.

ليكن الفن أساس انطلاقنا نحو سباق أحقية الحياة والظفر بالآخرة، وليكن في اعتبار من جمدّوا الحياة والفكر- وهم كثر- أني أدعو للفن السامي الذي يأخذ النفس إلى علياء الحق، وينتشلها من مدارك الباطل والزيف ..

لكل هؤلاء .. ولكَ  .. وللواقع من حولنا : نعم .. نحتاج فنا.

نحتاج إلى فن هادف يسلّط الضوء على معاني الإنسانية المفتقَدة، بحيث يراه الناس ويتخذونه مثالا يسيرون على دربه، وهذه الحاجة التي أحدثك عنها يفتقدها الجميع ويتوق إليها الجميع، فالبشر - على اختلاف مراتبهم في الحياة ودرجات وعيهم – يدركون الفن الذي يرقى بالإنسان مِن الذي يهبط به، فأذكر كلمة لأبي – أدامه الله ناطقا بالحق - أثناء حديثنا عن " جابر أبو حسين " ( أشهر شعراء السيرة الهلالية بصعيد مصر ) حيث قال :" جابر أبو حسين علّم الناس المرجلة " وبكل تأكيد لم يكن يقصد أن جابر - رحمه الله - علمهم ذلك من خلال التلقين والوعظ، ولكن من خلال فنه الذي أبدعه، فلقد كان يسلط الضوء على المعاني السامية كالنجدة ونصرة المظلوم وإغاثة المكروب والتسامي عن الرذيلة والفحش، يقدّم تلك المعاني من خلال أبطال قَصَصِه، فيبذر في قلوب مستمعيه نبات الاقتداء بهم والسير على دربهم، فمَن مِن مستمعيه بعد أن ينتهي من قصته لا يود أن يكون مثل " أبو زيد الهلالي " ؟! بالطبع الجميع يريد أن يكونه، وحتى يبلغه عليه التخلق بأخلاقه، تلك الأخلاق التي أجاد " جابر أبو حسين " في نحتها على جدار قلوب مستمعيه!
لقد رحل " جابر أبو حسين " لكن فنه باق، وسيبقى - مهما كرت الأيام وتعاقبت الدهور - لأنه فن يرتقي بالإنسان .
أما أغلب فن عصرنا - المرئي منه والمسموع - فهو فن بلا قيمة وبلا رؤية، الغاية منه جذب المتلقي بغض النظر عن الرسالة التي سيقدمها له. وقد سيطرت المادية على هذا الفن؛ لذا نراه يلجأ - دائما - إلى أساليب الإغراء والتجارة بلحوم البشر من أجل الحصول على مشاهدة أكثر، وللأسف وافق هذا طباع شريحة كبيرة من البشر، فراحوا يعبون عبا من هذا الفن الساقط، وانساق وراء هؤلاء كثرة ممن أطلقوا على أنفسهم ( نقاد الفن ) فأخذوا يضعون هذا الفن الساقط على طاولة النقاش والحكم؛ مما أدى إلى تصديق أرباب هذا الفن بقيمة ما يقدمون، فأوغلوا في الدعر والعربدة فلا تجدهم بعدها يجسدون إلا كل سيء في المجتمع، تجدهم يُبَشِّعون الحياة ولا يلتقطون منها إلا ما يؤكد لنا أن الحياة لم تعد بخير، وأن المبادئ والقيم عادات قديمة أكل عليها الدهر وشرب، ولم تعد مواكبة لعالمنا ..  أهذا فن نأمن فيه على أبنائنا مشاهدته؟! أم أننا نحتاج فنًّا ؟!





يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق