الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات
    مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

إيـاد أبــو الحجــاج

رئيس التحرير

عبد النبي الشحـــات

الثانوية العامة ومحنة العبور إلى الجامعة

بقلم أحمد هلال

كانت وستظل الثانوية العامة محنة كل البيوت المصرية و "أم المعارك" في طريق ملايين الطلاب نحو التعليم الجامعي ويظل ليوم إعلان النتيجة ذكرياته وطقوسه الخاصة في ذاكرتنا جميعا حين تستيقظ القلوب يكسوها القلق والخوف وتلتصق الآذان بالراديو في انتظار الفرحة ومن ينجح كأنه عبر خط بارليف وتنطلق الزغاريد من الشبابيك والبلكونات ويرددون بهيستريا مع عبد الحليم "وحياة قلبي وافراحه " باعتبارها النشيد الرسمي للناجحين،



 

أما في حالة الرسوب فإن الحزن و الحسرة يحتلان العيون وهكذا يظل اهل مصر ممن لهم أبناء في الثانوية العامة حائرين بين ميكروفون الإذاعة وميكروفون المدرسة وأرقام الجلوس تتردد هنا وهناك وتدور صواني الشربات والكوكاكولا على الأهل والجيران. بينما تعرف نتيجة " الساقط" من صمت البيوت ولا شك أن المشاهد في المدرسة كانت دائما أكثر دراماتيكية فالبعض يرقص من فرحة النجاح والبعض يبكي منهارا من ضعف المجموع وربما يسقط مغشيا عليه من شدة الصدمة. وفي 2003 تقريبا خفت حدة تلك الدراما مع بداية إعلان النتيجة ليلا عبر شبكة الانترنت قبل الإعلان الرسمي صباحا.

* ومنذ أطلق طه حسين صيحته "التعليم كالماء والهواء" صار البسطاء يتصارعون على حجز مقعد في الدرجة الاجتماعية الأعلى عن طريق تعليم أبنائهم ويظل التعليم الحكومي هو طوق النجاة والوسيلة الوحيدة المشروعة والقطار رخيص الثمن ينقل أبناء الفقراء من محطة الجهل والفقر لمحطة الحياة الكريمة .

** وفي عهد "الخديوي توفيق" وضع أول نظام للثانوية أو ما يسمى "التعليم التجهيزي" في ثلاث مدارس هي الخديوية والتوفيقية في القاهرة ورأس التين بالإسكندرية عبر امتحان تحريري في شهر يونيو من كل عام في 10 مواد وآخر شفوي احتفالي يحضره الخديوي وبعض أولياء أمور الطلاب وفي نهاية الامتحان تعلن النتيجة وتوزع الشهادات والجوائز، وبعد فترة وضع نظاما من 4 سنوات على قسمين: الأول مدته سنتين يمنح الناجح فيه شهادة الكفاءة وهي شهادة مستقلة، أما الثاني فاعتمد على تقسيم الدراسة إلى علمي وأدبي لأول مرة في تاريخ الثانوية ويحصل الناجح فيها على شهادة البكالوريا وفي عام 1951 تولى العميد طه حسين وزارة المعارف واستكمل مشروع مجانية التعليم حتى المرحلة الثانوية وأقر للطلاب تغذية كاملة، ويوما دراسيا كاملا وتم وضع نظام جديد للثانوي 5 سنوات بعد الابتدائية على مراحل الأولى مدتها سنتان يحصل الناجح فيها على شهادة متوسطة أي الإعدادية، والثانية مدتها سنتان ويحصل على شهادة الثقافة العامة والثالثة سنة واحدة وتنقسم إلى (علمي وأدبي) ومن يتخطاها يمتلك "شهادة التوجيهية".

كذلك تعاقد العميد مع أساتذة من فرنسا وانجلترا لتعليم الدارسين اللغتين الفرنسية والإنجليزية بمستوى رفيع. حتى جاء نظام ثورة يوليو يهدف لتكوين طبقة متوسطة وعريضة من أبناء الفلاحين وعمال المصانع لكنه النظام ذاته الذي أنتج أجيالا نشأت على الحفظ والتلقين عبر تعليم لامجال فيه لإعمال العقل والخيال، ضد الابتكار والابداع وربما تعليم لا يقبل الآخر، تعليم يتلخص في جملة واحدة هي (الإجابة النموذجية) حيث تلقي رحلة 12 عاما من التعليم الأساسي بالطلاب في جحيم الثانوية العامة التي تحدد مصيرهم ، وصارت الثانوية جسرا أو نفقا تصل بالطالب إلى أكذوبة كبرى وهي كليات القمة والقاع وانطلاقا من الثمانينات ومرورا بالتسعينيات ومع سياسة الانفتاح وهيمنة مفهوم "الفهلوة " تدهورت قيمة العلم والتعليم وطبق نظام " تحسين المجموع على مرحلتين الذي يجمع العامين الثاني والثالث الثانوي وإتاحة فرصة تحسين المجموع لأكثر من مرة ما زاد الطين بلة وفي ذلك الزمن سادت وانتشرت المدارس الخاصة ومعظمها عبارة عن مشروعات استثمارية هدفها الربح المادَي فقط ،وظهرت "سناتر" الدروس الخصوصية وعمل كل من هب ودب مدرسا في تلك السناتر التي غضت الدولة عنها الطرف لأنها رفعت عنها عبئا كبيرا فيما لم تراقب جودة التعليم فيها أما التعليم الحكومي فتدهور بشكل كارثي مع مطلع الألفية الجديدة إذ غابت بشكل كامل حصص التربية الفنية والموسيقية والتربية الرياضية ثم غاب الطلاب بوضع نظام" إلغاء القيد" وأصبحت المدارس خاوية على عروشها مما خلق أجيالا مشوشة فكريا ونفسيا وعند قيام ثورة 25 يناير لم يكن قد تبقى من التعليم وشهادة الثانوية العامة غير الفزع والاجراءات المشددة والرقابة الصارمة على الامتحانات دون مضمون حقيقي وفرض عصر السوشيال ميديا وانتشار الهكر وظهور صفحة" شاومينج" وتسريب الامتحانات وغيرها من الأزمات وصولا إلى "البوكلت" على الدولة وضع نظام تعليم ومقررات حديثة تعتمد على التابلت تحت إشراف الوزير طارق شوقي، منظومة متطورة تقوم على الفهم والإدراك وبناء عقلية نقدية واعية، ورغم التخبط في بعض القرارات فإن التجربة الجديدة تحتاج الصبر والتشجيع لأنها تقضي على تعليم قديم عفا عليه الزمان ..وتمضي السنون وتتغير السياسات وكان ومازال وسيظل المصريون يحرصون على تعليم أبنائهم ومرافقتهم صباح الامتحان وانتظارهم أمام باب المدرسة بالعصير والسندوتشات في ظاهرة مصرية حصرية ومثيرة للإندهاش آملين في حصول أبنائهم على الثانوية العامة في طريقهم للشهادة الجامعية امتثالا لمقولة عادل أمام الشهيرة في دور دسوقي افندي في مسرحية.. "انا وهو وهي" بلد بتاعة شهادات صحيح"

[email protected]





يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق