"ستكون زوجة لأخيها من أبيها وزوج الملك وصاحبة العرش… الا يكفي هذا يا سننموت؟!"
نظرت حتشبسوت اليه وكأنها تستجدي الموافقة. فنفرو رع ابنتها المفضلة بدأ يفرع عودها و تسلمتها أنوثة ناشئة رق معها صوتها واستدارت مفاتنها وبدا ان حسها هو الأخر قد أرهفه النضوج فما عادت تطرب باللعب مع اخواتها ببهو القصر. كانت تميل للعزلة وتتخذ لروحها فرص التطيب بالشعر والموسيقي والنقش علي البرديات.
كانت الصغيرة الجميلة وكأنها قطعة زبد علي عيش الباتاو تضيف للقصر حياة مغايرة لما يعيشه أقرانها.
تبدع وتبتسم للألحان وكأنها من العوام، تعرب عن مشاعرها الانسانية كما تفعل المحظيات غير أنها كان يشكل وعيها ذكاءاً لا تتمتعن به تلك الاناث. كانت تسأل وتتغذي علي فهم مكنونات أرواح كل الناس. كانت جميلة رفقها كسريان النيل الكسول ترق لها القلوب، لكنها كانت تعزف عن كل ما يربطها بعرش البلاد، فلا يستهويها الذهب ولا يوما طلبت التزين بالتاج الأحمر ولو علي سبيل اللهو.
رفع سننموت عينه ليتلقف نظرتها التائهة، نعم …. هو يعلم تلك النظرة تلك التي ختمت بها الملكة منذ أعوام قرارا شفهيا ساقه لوجود بتول الي جانبها مدي الحياة.
تذكر حين التقيا من اثني عشر سنه في نفس هذا البهو ويدها بشحمها ولحمها علي صدره الشبه عاري ترغبه وتمنعه في ذات الوقت و تخبره أنها حكمت علي كليهما بالبعد. قالت كلماتها وفي عينيها نفس تلك النظرة الحائرة المنقبة عن التصديق ممن لا يملك أن يعطيه…
وكانت مشيئتها ويومها جمع بردياته و أختامه وغادر القصر في جنح الليل وهو يعلم أن من يخرجه من كنفها ليس ان ضنت بحبها ولكنه العرش الطاغية. فلقد كبرت ملكة السماء والأراضين وهي لا تري غيره غاية وها هو الأن يحكم بدلا عنها ويشكل حياتها كيفما يريد.
اتسعت ابتسامته وهي يذكر انه لم تمر ساعات حتي أتي خادم القصر في طلبه من جديد وبأوامر الملكة الفرعون بالعودة للقصر قبل أن ينقضي الليل.
"ما هذا الخوف والفزع حين لم اجدك اذ ناديت،
الدنيا بدونك كريهة و جنباتها باردة بروده الأرض بعد أشهر الشتاء" جاءت كلماتها ولأول مرة كاشفة لإمرأة تفتح الباب للحب من خلف ذقن طمست بها معالمها.
الحق ان سننموت لم يكن قد شعر بعد بهذا البعد فقد كان التغيير المفاجيء لكل شيء في حياته كفيلا بأن يفتح أبوابا من التساؤلات ما كاد أن يفرغ منها حتي جاء النبأ علي لسان الخادم ليحله من محاولة الاجابة عنها.
"أنا هنا مولاتي وحتي حين لم أكن، كانت روحي تجوب كنفك"
رد سننموت وهو يتمني ان تريح كفها علي صدره من جديد فقد أضاع فرصة اولي في تلك الليلة أن يتجرأ فيحضن كفها بكفيه ليطمئنها و يهدئ من روعه هو الأخر. ولكن كفها لم يقترب منه هذه المرة.
بدلا عنه جاء ارتفاع صوتها من جديد…. "أنعمت عليك بلقب ملكي فأنت العم القريب وستكون الأب الروحي والمعلم لإبنتنا ووريثة العرش نفرو رع"
كسر رأسه في عرفان دلل عليه بجسده وان لم تحفل به روحه فأي لقب يعوض لمسة من اناملها
وهكذا كتب عليه أن يري قطعة من روحه هائمة في زي فرعون كل يوم وهو لا يستطيع أن يضمها ليعيدها الي صدره ولكن عزاؤه أنه يحمل بعضها علي حجره يربيها ويشكلها لتكون اكثر انفتاحا علي مواطن ضعفها من أمها الفرعون.
وها هي الآن تريد أن تتدخل في صنعه الجميل فتهيل عليه من جديد تراب ذلك العرش المقيت وما يأتي به من تنازلات. تريد أن تنصبه علي الجميلة نفرو رع فينصب لها مقصلة مثل تلك التي نصبتها لنفسها وله منذ اثني عشره عاما.
سرح خياله وهو يتصور تلك الجميلة اللينة وقد صارت زوجة لتحتمس الثالث الفارس المحارب الذي لا يتقن في حياته سوي فن المعارك… تصور تلك الجميلة وهي تحتاج لمن يضمها او من يسمع الحانها فلا تجد، تصورها تذبل مع كل يوم يمر حتي تكف عيونها عن السؤال ويسكنها الجمود.
ان كان لم يستطع في ذلك اليوم القاسي أن يرفع يديه فيحضن كفيها لربما صحيت بها مشاعر قد هاجرت،
قد يكون من العدل ألا يسكت الآن ليمنحها بصمته الموافقة التي تستجديها.
سننموت_حتشبسوت
بقلم - الدكتورة سمر عبد العظيم:
اترك تعليق