تبدو مسيرة الحزب الشيوعي الصيني خلال المائة عام المنقضية مثل نهر متدفق، تعبر مياهه الجنادل وتنساب عبر الضحاضح غير أنه لا يجف أبدا، وفي مواضع من مسيرته له معالم بارزة نحتتها أمواجه بينما صارت تلك المعالم منارات لسفنه.
الحزب الشيوعي الصيني، الذي تأسس سنة 1921 في مدينة شانغهاي، حزب له عقيدة سياسية ويتميز بقدرته على مواكبة التطورات الداخلية والخارجية في عالم يتغير بسرعة فائقة. فكيف استطاع هذا الحزب أن يظل مواكبا للعصر من دون أن يتخلى عن مبادئه الجوهرية؟
هذا له علاقة بالفكر الصيني بشكل عام، فعندما تبنت الصين النهج الشيوعي انتزعته من أصوله الأوروبية العُمالية وألبسته رداء ريفيا، وعندما اختارت طريق الإصلاح بدأته من المناطق الريفية وليس من المصانع. الفكر في الصين منهج وطريقة حياة، للدولة وللفرد. وباستعراض الفكر الصيني، يمكن أن نرصد عددا من الملاحظات: الأولى، سعي الفكر الصيني إلى تكريس الاستقرار، فالصيني يضع الاستقرار والأمن في مرتبة أعلى من أي شيء؛ الثانية هي أن الفكرة المسيطرة في الصين هي أنه من أجل فرض النظام يجب وجود سلطة أحادية. ولعل هذا أحد عوامل استمرار الحزب الشيوعي في قيادة الصين بدون منازع. غير أن هذا التمسك بالاستقرار والتأكيد على الولاء يقترن بتأكيد آخر يضمن أن لا يشط صاحب الولاء، وذلك من خلال تكريس فكرة صلاح الحاكم وعدله. الملاحظة الثانية هي محورية فكرة "التحول" أو التغير والتكيف في الفكر الصيني، فهناك تأكيد على المرونة والتحول، فحسب الفكر الصيني كل شيء في حالة تحول وتغير وكل شيء يتحول من الضد إلى الضد؛ الملاحظة الثالثة، هي وسطية الفكر الصيني، وهي الفكرة التي جعلت الصينيين يرون بلادهم "مركز" العالم وهي أيضا تفسر الموقف الوسطي للصين المعاصرة من القضايا العالمية.
لقد واجه الحزب الشيوعي الصيني منذ تأسيسه، وبعد أن وصل إلى السلطة سنة 1949، تحديات جمة استطاع أن يتغلب عليها ويطور فكره وأدواته في الحكم والإدارة ليظل الحزب الحاكم للدولة الأكثر سكانا في العالم منذ اثنتين وسبعين سنة. إن من أسباب حيوية الحزب الشيوعي الصيني على مدار المائة عام المنصرمة، وجود قيادات له تميزت برؤية واسعة وبعيدة المدى. فمن ماو تسي تونج إلى دنج شياو بينج، وصولا إلى الأمين العام الحالي للحزب شي جين بينج، استطاع هذا الحزب أن يتكيف مع التطورات وأن يتغلب على الصعوبات. تحت قيادة ماو تسي تونج، صمد الحزب الشيوعي الصيني أمام الضغط الدولي ووزع الأراضي الزراعية في الريف على القرويين وساهم في استقلال المرأة الصينية ونظم حملة للتثقيف الجماهيري وأنشأ الصناعة الثقيلة في الصين وبنى قدرة دفاعية قوية. هذه الإجراءات كلها ضمنت توفير سبل المحافظة على السيادة الوطنية وهيأت الظروف للخطوات المقبلة في الصين. وعندما جاء دنج شياو بينج إلى قيادة الحزب، أدرك التغيرات التي شهدها العالم، وأنه لكي تتبوأ الصين مكانتها اللائقة فلا بُدَّ أن تواكب تلك التغيرات، ولا سبيل إلى ذلك إلا بـ"تحرير الفكر". سمح الحزب الشيوعي الصيني بتطور أعمال اقتصادية غير مملوكة للدولة ولا للجماعة، وشجع رأس المال الخارجي على الاستثمار في الصين، واتخذ إجراءات عديدة هدفها في النهاية هو تحقيق مزيد من الانفتاح الاجتماعي، وتبني ما يسمى بـ"الاشتراكية ذات الخصائص الصينية". الأكثر من ذلك، أدرك السيد دنج أن دور النظام السياسي في التنمية الاقتصادية الصينية أعظم من دوره في الدول الغربية. تحت قيادة دنج شياو بينج، حولت الصين مركز ثقل أعمالها، لأن "التناقض الأساسي" لم يعد الصراع الطبقي بل الصراع ضد التخلف والفقر. ساهم هذا النهج الجديد بقوة في استقرار البلاد والحزب الشيوعي الصيني. وقد ثابر الجيل التالي من القادة؛ جيانج تسه مين وهو جين تاو، على طريق دنج شياو بينج، فتم تعزيز الاقتصاد وإرساء أسس التحسين المستمر لرفاه الشعب الصيني. وقد جلبت النجاحات الناتجة عن النمو السريع للصين تناقضات جديدة، وهي التي يتم التعاطي معها حاليا من قبل قيادة الرئيس شي جين بينج. منذ عام 2013، ظهرت تحديات جديدة مثل تشجيع نمط جديد من التحول الحضري وتحسين مستويات المعيشة في المناطق الريفية واتساع الفوارق في الدخل والآثار السلبية للتصنيع على البيئة وفخ الدخل المتوسط والحرب التجارية التي بدأتها الولايات المتحدة الأمريكية ضد الصين، ومؤخرا، جائحة كوفيد- 19، إلخ. إن ما يتمتع به الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني شي جين بينج، من حكمة ورؤية بعيدة المدى وإدراكه العميق لتطورات الأوضاع في الصين وفي العالم، تجعل الحزب الشيوعي الصيني يبدأ العقد الأول لمئويته الثانية واثقا من قدرته على مواصلة قيادة الصين على المسار الذي تم تحديده وفقا للأهداف البعيدة المدى حتى سنة 2035، أي تحقيق التحديثات الاشتراكية من حيث الأساس على أساس إنجاز بناء مجتمع الحياة الرغيدة على نحو شامل، ثم بناء الصين لتصبح دولة اشتراكية حديثة قوية ومزدهرة وديمقراطية ومتحضرة ومتناغمة وجميلة بحلول عام 2050.
هل يواجه الحزب الشيوعي الصيني تحديات ونحن في العقد الثالث للقرن الحادي والعشرين؟ الإجابة، نعم. هناك تحديات كثيرة، بعضها داخلي وبعضها خارجي، وهي ليست تحديات تخص الحزب وحده وإنما الصين كلها. المهم هو أن الحزب الشيوعي الصيني يدرك تلك التحديات ويتعامل معها، ولعل هذا هو السبب في احتفاظ هذا الحزب بحيوته ولياقته التي تمكنه من قيادة الصين في عالم متغير. سيظل مستقبل الحزب الشيوعي الصيني مرتبطا بقدرته على تطوير ذاته وآلياته ومواكبة التغيرات في داخل الصين وخارجها.
اترك تعليق