كانت أمي تدللني منذ صغري و تخبرني بأنني وسيم جدا وألف فتاة تتمنى نظرة من عيني...
بقلم احمد فهيم
حتى أختي الكبرى كانت دائما تؤكد لي بأنني أشبه "ابن العمدة" فكنت أغتبط جدا لهذا التشبيه العظيم ، مع أنني لا أعرف العمدة و لا ابنه ، و لم أرهما يوما ، لكنني كنت مقتنعا بأنني أشبهه تماما في كل ملامحه ، خاصة في اسلوب تصفيف الشعر ، و سحر الإبتسامة الهوليوودية.
ثم كبرت معي هذه الحقيقة في ذهني ، و أمي تصر على بث الروح فيها كلما تراخيت في تصديقها..
لكن لاحظت أن الفتيات لا تتهاوى تحت قدمي من نظرة عيني المدمرة ، و لم يحدث أن فتاة توسلت لي أن أرحمها من جاذبيتي المفرطة .. بل أن الفتيات لا يرونني أصلا ، كأني أضع طاقية الإخفاء فوق رأسي !.
أنظر للفتاة .. و أغذي النظرة بمزيد من الغرور بصفتي وسيما إستثنائيا ، فلا أراها تنظر لي ، بل أنها لا تشعر بوجودي من الأساس ، و كأنني هواء .. و إذا نظرت لي إحداهن مصادفة ، أري عيناها تقدح شررا و تتوعدني ، كأنني السبب في آخر خلاف بين أمها و أبوها ..
تقدمت لخمس فتيات و كلهن رفضنني لسبب لا أعرفة ، مع أنني وسيم جدا ، و ابتسامتي سينمائية التي تتفوق على ابتسامة عمر الشريف .. ذلك حسب رواية أمي الخالدة والموثقة متحفيا في ركن خواطرنا ..
كان الحل في اللجوء للشيخ (جاويش) ، أعلم أنه مجرد محتال ، يترزق على جهالة الناس ، و سعار تحقيق الأماني الذي يأكل جدار عقولهم ، لكن صويحبات أمي نصحنها بأن "سره باتع" ، و لا يصعب عليه أمرا ، فذهبنا له في غرزته ، أقصد مقر إحتياله ، أقصد مقر ( أعماله )...
_ في هذا المبني يقبع الشيخ (جاويش) ...هكذا أشار لنا أهل البلدة ، مبنى متهالك من طابقين ، أبوابه و نوافذه عملاقة ، يحيط به سور غير مرتفع تبدو من خلفه بعض أشجار الصنوبر و النخيل المهمل ، في الداخل ترقد في يأس سيارة بيضاء قديمة الطراز ، يعلوها التراب ، و أوراق الشجر الجافة ، مكتوب على زجاجها الأمامي بخط رديئ ( بحبك يا نوال) ، تستوطن أسفلها قطة رمادية تموء طوال الوقت بجوار صغارها الجوعى دائما.
مبني مقبض للنفس و موحش ، يبدو مأوى مثاليا للأشباح ، أو أثرا لقوم باتوا في معسكر الموتى منذ قرون..
استقبلنا "عوض" .. شاب ثلاثيني يشبه صبيان المقاهي الشعبية ، يرتدي جلبابا رصاصي اللون ، غير مهندم ، و صلع في بداية زحفه الوئيد إلى جانبي رأسه ، و عينين زائغتين .. طبعا هذا أكد لي أنني الأكثر وسامة و أناقة محليا على الأقل ، أما عالميا فمايزال صديقي "توم كروز" خصم عنيد المنافسة ، لكن تطلعاتي بدون سقف !.
أجلسنا "عوض" في الشرفة ، فوق مقاعد خشبية مهترئة ، بجوار بعض مريدي الشيخ و زبائنه .. جلست أمي بجوار سيدة طاعنة في السن مشرفة على الثمانين ، معها حفيدها ، تقصد الشيخ للتخلص من روماتيد العظام الذي أفقدها نضارتها و شغفها للحياة ، و حد من طموحاتها ...
وجاءت جلستي بجوار رجل بين قدميه سلة تعج بالطيور البلدي هدية للشيخ ، يلتمس وساطة لإبنه لإعفائه من أداء الخدمة العسكرية ، اصطحب معه زوجته التي تحمل إناء مليئ بالبيض ، تبحث عن عريس لإبنتها ( حمدية ) ذات البخت (المايل) و التى تخطت العشرون من عمرها و انقطع عنها طلابها ، مع أنها ست بيت (لهلوبة) !.
وأمامي أحدهم يضع قدمه في جبيرة من (الجبس) يستند على الحائط في إستكانة ، شاخصا بصره إلى لا شيئ !...
نسيت أن أخبركم أن هذا الوغد المدعو (جاويش) لديه منظومة متكاملة من النشاط الإجتماعي ، و الخدمات العابرة للحدود ، الوغد يلعب على كل الجبهات ، و بكل الأوراق وبحرفية متقنة . فلديه عقود عمل لجميع دول العالم ، خاصة الكتلة الإسكندنافية ، و له باع طويل في التخليص الجمركي و المعاملات الإدارية ، و قاعدة بيانات عنكبوتية وكروت الشحن و الشحن على الهواء !.
ثم جاء موعد دخولنا ....
الى اللقاء لنكمل الحكاية ان شاء الله ....
اترك تعليق