بقلم احمد فهيم
دائما ما يثير إعجابي المغرد خارج السرب ، يمتلك قراره وحريته ، يصبح أكثر إتساقا مع ذاته .
كل من يدور في فلك مركزية ما ، فإنه حتما تابع مسلوب الإرادة ، جزءا من قطيع ، ترسا في آلة ، يعمل عملها جبرا ، لا يمتلك خاصية الرفض !.
أنا هنا لا أدعو إلى الإعتزال والعزوف عن الناس ، لكن لو أن الإنغماس في السرب ينال من إستقلالية الإنسان ، تمسي العزلة عن السرب واجبا حتميا ..
ولهذه العزلة مثال في مستواها الباهر .. مشاهد عايشتها بنفسي لأكثر من ثلاثين عاما ...
في مقامه الهادئ .. بعيدا عن صخب الناس إصطفى إقامته عما يقارب الأربعين عاما ، حتى لقي الله مسترخيا راضيا مكتفيا من الدنيا بما أصابه من إقلال ، دونما تنال من صفو نفسه وسلامة صدره و براءة بدنه وعفة لسانه وابتسامته التى لا تخطئ طريق القلوب .
إنزوى عن الدنيا ، ففرت منه مهابة ويأسا ..
ترك دنيا الناس للناس ، لم ينل منها إلا ما يحفظ عليه عافيته ووجوده ...
على أن هذه الحياة البسيطة لم تصنع منه إنسانا ساذجا ، بل حالة إنسانية مختلفة ، بكل ثرائها و عنفوانها . ..
كان لا يشغل أوقاته بمهاترات ، لا يخوض فيما يخوض فيه الناس ، لا يوغل في أحد ، يترك الجميع وشأنه ، لا يبالي بمن غدا أو راح ، إذا أردنا أن نري قول النبي صلى الله عليه وسلم : " من حسن إسلام المرء ترك ما لا يعنيه" ...
إذا أردناه محققا في رجل ، ففي هذا الرجل تحديدا..
كان مما يلفت انتباهي ، عنايته بالمكان ، وحرصه أن يضع الأشياء موضعها دون تراخ ، وهو الذى تجاوز السبعين ببضع سنين ، كأنه مخرج سينمائي قدير ، يعرف زاوية التصوير ، يهتم بأدق تفاصيل الكادر ، يولي عناية فائقة بالديكور ، ليخرج العمل في أبهى صورة .. لا يمكن أن ترى شيئا يشذ عن مكانه ، كل شئ على النسق الذي أراده ، ذواق لكل مباهج الحياة بلا إسراف ، كان أبعد ما يكون عن الغلو ،
عفي ، متوازن الجسد ، مقتصد في طعامه وكلامه ومنامه ،
طويل الصمت والفكرة ، عميق التأمل والعبرة ، خصيم الجدال و المشاحنة ، عامر العقل متوقده ، يعرف كيف يروض نفسه ومتطلباتها ، فهو يمتلك إرادته كاملة .
لا يستوحش غنيا ، و لا يخشى فقرا ..
شخصية من نسيج متفرد ، لا يستقم معها و دلا يصلحها سوى الخلوة . و لا يتوهج إلا في العزلة .
رحم الله الراعي الرسمي لأكاديمية الجمال والانسانية ورحم الله والدينا وكل ام واب فى رضوان الله ورحابه..
اترك تعليق