قال الله تعالى:(إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثۡنَا عَشَرَ شَهۡرࣰا فِی كِتَـٰبِ ٱللَّهِ یَوۡمَ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ مِنۡهَاۤ أَرۡبَعَةٌ حُرُمࣱۚ ذَ ٰلِكَ ٱلدِّینُ ٱلۡقَیِّمُۚ فَلَا تَظۡلِمُوا۟ فِیهِنَّ أَنفُسَكُمۡۚ وَقَـٰتِلُوا۟ ٱلۡمُشۡرِكِینَ كَاۤفَّةࣰ كَمَا یُقَـٰتِلُونَكُمۡ كَاۤفَّةࣰۚ وَٱعۡلَمُوۤا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِینَ﴾ [التوبة ٣٦]
وهذه الأشهر الحرم هي: ثلاث منها متتاليات متتابعات وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وواحد فرد وهو شهر رجب، والعمل في هذه الاشهر الحرم يجب أن يسير وفق منهج التخلية قبل التحلية حتى نمتثل لأمر الله في الآية (فلا تظلموا فيهن أنفسكم...) فيبدأ بالبعد عن المعاصي والإقبال على الطاعات، فالبعد عن المعاصي يبدأ بترك الكلام الفاحش والبذيء واللغو وكل آفات اللسان وترك موبقات اليد والأذى الذي يبدأ بالايماء السيء وينتهي بالقتل وسفك الدماء فكل هذا وزره مضاعف حتى أن الفقهاء قديما ضاعفوا الدية على القتل في الأشهر الحرم.
كما ينبغي أن نُتبع التخلية بالتحلية فالطاعة في هذه الأشهر والعمل الصالح وحسن المعاملة مع الناس فيها أكثر ثوابا والدعاء فيها أكثر إجابة وإذا كان فيها كل هذا الخير فإن نسيانها والخروج منها بلا عمل وبدون طلب ودعاء هو ظلم للنفس عظيم بل يكون الظلم أكبر إذا كان العمل فيها خطايا وذنوب ومعاصي وعدوان لذا قال الله تعالى: ﴿فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾، فإن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئةً ووِزْرًا، من الظلم فيما سواها،
وإن كان الظلم على كل حال عظيمًا، ولكن الله يعظِّم من أمره ما شاء.
ولذلك عظم هذه الأشهر وهذا من سنن الله في خلقه فإن الله اصطفى صَفَايا من خلقه، اصطفى من الملائكة رسُلا ومن الناس رسلا واصطفى من الكلام ذكرَه، واصطفى من الأرض المساجد، واصطفى من الشهور رمضانَ، ومن الأشهر الأشهر الحرم، واصطفى من الأيام يوم الجمعة، واصطفى من الليالي ليلةَ القدر، فعظِّموا ما عظم الله، فإنما تعظم الأمور بما عظَّمها الله عند أهل الفهم وأهل العقل.
وهناك من يتساءل: إن كان الأمر على ما جاء في الآيات فلا تظلموا فيهن أنفسكم فقد يجب أن يكون مباحًا لنا ظُلْم أنفسنا في غيرهن من سائر شهور السنة؟ وقد رد الإمام الرازي في تفسيره للآية بقوله: ليس ذلك كذلك، بل ذلك حرام علينا في كل وقتٍ وزمانٍ، ولكن الله عظَّم حرمة هؤلاء الأشهر وشرَّفهن على سائر شهور السنة، فخصّ الذنب فيهن بالتعظيم، كما خصّهن بالتشريف، وذلك نظير قوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [سورة البقرة: ٢٣٨] ، ولاشك أن الله قد أمرنا بالمحافظة على الصلوات المفروضات كلها بقوله: ﴿حافظوا على الصلوات﴾ ، ولم يبح ترك المحافظة عليهن، بأمره بالمحافظة على الصلاة الوسطى، ولكنه تعالى ذكره زادَها تعظيمًا، وعلى المحافظة عليها توكيدًا وفي تضييعها تشديدًا. فكذلك ذلك في قوله: ﴿منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾
وأما قوله: ﴿واعلموا أن الله مع المتقين﴾، فإن معناه: واعلموا، أيها المؤمنون بالله، أنكم إن اتقيتم الله فأطعتموه فيما أمركم ونهاكم، ولم تخالفوا أمره فتعصوه، كان الله معكم على عدوكم وعدوه من المشركين، ومن كان الله معه لم يغلبه شيء، لأن الله مع من اتقاه فخافه وأطاعه فيما كلفه من أمره ونهيه، فعظِّموا ما عظم الله، فإنما تعظم الأمور بما عظَّمها الله عند أهل الفهم وأهل العقل.
وهذه الأشهر الحرم إذا عظمنا أمرها واتبعنا قول الله فيها فستكون سببا لقوامة الناس وذلك لأن الله تعالى قال: "جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ۚ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97)المائدة
فقوام المعيشة هنا للكعبة البيت الحرام بكثرة المنافع وبدفع المضار ، وبحصول الجاه والرياسة، وبحصول الدين. المنافع والدين وتتمثل في أداء الطاعات ورفع الدرجات وكثرة الكرامات، اما دفع المضار فيتمثل في حط الخطيئات والبعد عن السيئات والموبقات المهلكات فيثبت بذلك أن الكعبة سببًا لقوام الناس وكذلك الأشهر الحرم، فإن الناس كانوا يقتتلون ويُغير بعضهم على بعض، فإذا دخل الشهر الحرام زال الخوف وخرجوا للسفر والتجارة وصاروا آمنين على أموالهم وأنفسهم فكان الشهر الحرام سببًا لقوام معيشتهم في الدنيا ثم عاد الأصل الذي جعله الله لأجله حرامًا وهو اكتساب الثواب العظيم في هذه الأشهر وخاصة بتأدية مناسك الحج
ففيه تُفعل الخيرات من الهدي وتوزيع اللحوم على الفقراء فيطعمون ويدخرون كما أن الاغنياء يعملون ويدخرون فيحصل الأمن والأمان والخير للجميع فسبحان من أفعاله محكمة متقنة وتشريعاته لمصالح الخلق.
اترك تعليق