تجديد الخطاب الدينى مرهون بإنهاء الكيانات الموازية للمؤسسة الرسمية
المجتمع المدنى ركيزة أساسية لبناء الدولة القوية
المبادرات الرئاسية أنقذت الناس من براثن البؤس والشقاء
العين السخنة- مصطفى ياسين:
شهد اليوم الأول من فعاليات منتدى حوار الحضارات بالهيئة القبطية الإنجيلية، والذى يُعقد حاليا بأحد فنادق الجلالة- مناقشات ثرية لعدد من القضايا المهمة فى إطار الملتقى الفكرى الذى يحمل عنوان "دور المجتمع المدني في بناء الوعي المصري" برئاسة القس د. أندريه زكى- رئيس الطائفة الإنجيلية، مدير عام الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية- بدأت بقول سميرة لوقا- رئيس أول وحدة الحوار بالهيئة، فى الجلسة الافتتاحية-: إن المنتدى الذى يحتفل بمرور 30 عاما على إنشائه يهتم بترسيخ مفهوم الحوار وقضايا الوطن وإعطاء مساحة كبيرة للتسامح والتعمق فيه وفهم وقبول الآخر، واستكمالا لهذا المبدأ نسعى لبناء الوعى المصرى.
المبادرات الرئاسية
من جانبه أكد د. أندريه زكي أن الهيئة تشارك في كل المبادرات الرئاسية التي تُعتبر هامة وفعالة، وتلعب دورا هاما في تغيير واقع بعض الفئات التي عانت كثيرا سواء من العشوائيات او غيرها، مشيرا الي ان مساهمات الهيئة متواجدة في جميع ربوع مصر، وأن تحديات اللحظة الراهنة هى أن المجتمع المدني يلعب دورا قويا، ويستمد قوته من قوة الدولة، واننا بحاجة لمجتمع مدني فاعل، يؤمن بقضية التفويض، وحرية التعبير، والديمقراطية، ليخلق جيلا قادرا على القيادة والتغيير، فالمجتمع المدني القوى هو الذي يؤمن بالعمل الجماعي، ويدرك قيمة الوقت، بجانب ايمانه بالوسطية والاعتدال، لذلك من الضروري ان يساهم المجتمع المدنى كأحد القوى الفاعلة في بناء الوعي بالمجتمع المصري، بناء فكرة التعددية القائمة على قبول الاختلاف، مع تشجيع المؤسسات الدينية بالتفسير المعتدل للنصوص، لأن التراجع يعود للتفسيرات المتشددة، وهذا هو التحدى الخطير فى المرحلة المقبلة، مطالبا بأن يقوم المجتمع المدني بدور جديد في بناء الوعي، وتبني قضايا جديدة تسهم في بناء المجتمع، وضرورة إيجاد أنساق ثقافية لممارستها حتى لا تكون حبرا على ورق!
وأشار د. أندريه زكي إلى عودة نشاط المؤتمرات بعد توقف 16 شهرا، منذ فبراير ٢٠٢٠ بالتزامن مع انتشار فيروس كورونا واقتصاره على اللقاءات الافتراضية "اونلاين"، ورغم ذلك كان للهيئة دور مؤثر في خدمة المجتمع في فترة انتشار فيروس كورونا ؛من خلال ٨٠٠ موظف يعملون بالهيئة- حوالى 25% منهم أُصيب بالفيروس، وأنا وأسرتى منهم- و٥٠٠٠ متطوع يبذلون جهودا كبيرة لخدمة 3 ملايين مواطن من برامج التنمية المتنوعة وخاصة فى الصعيد والريف والمناطق العشوائية، ووجّه رسالة إلى قيادات الدولة قائلا: "نشكر الدولة المصرية وقياداتها على جهودها في مواجهة انتشار فيروس كورونا المستجد؛ وكان لدينا مشاركة ملحوظة في كافة محافظات مصر من خلال الهيئة الانجيلية في هذا الشأن، وندعوا الله ان تكون الموجة الثالثة نهاية انتشار فيروس كورونا بعد تلقي اللقاح وتعود الحياة إلي طبيعتها بدون ماسكات او أقنعة "
وركّز د. أندريه على مسألة "الوسطية والاعتدال" باعتبارها واحدة من التحديات الكبرى مستقبلا، ونتمنى أن نلعب دورا لإقراره للمساهمة كأحد القوى الفاعلة فى المجتمع.
بناء الوعى
ثم انتقل المؤتمر لجلسته الأولى بعنوان "المجتمع المدني وبناء الوعي"، برئاسة د. نيفين مسعد- أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بالقاهرة- التى أكدت أن الدولة القوية يلزمها مجتمع مدنى قوى، لكن إذا قوى أكثر من الدولة تلاشت الدولة لحسابه! وهنا مكمن الخطورة كما حدث فى الصومال مثالا.
وأكد د. عبدالمنعم سعيد- عضو مجلس الشيوخ ورئيس مجلس إدارة صحيفة المصري اليوم- أن المجتمع المدني له دور في بناء الوعى، وحين نتحدث عن مصر فهي دولة- للأسف- تقع في عدة تقارير دولية باعتبارها غير متقدمة.
أضاف: نستطيع القول بأن هناك حالة من الإخفاق المصري على مدى 200 سنة مضت والتأخر عن تيار التقدم، ونتيجة هذا الإخفاق أن تكونت العديد من الإشكاليات مثل إشكالية الغرب، رغم أن الغرب هو المهيمن على الحضارة المعاصرة، والغرب له ذاكرة استعمارية، فى المقابل لدينا إحساس بأننا خير ناس على الأرض أو العكس أننا ضحايا، وهي إشكاليات حاولت المجتمعات أن تتعامل معه، ولذا فنحن نحتاج للوسطية والاعتدال لأن مقابلها التشدد والتطرف، والوسطية جاءت تحت عنوان تجديد الفكر الديني، لكننى أرى أن القضية الأساسية هي تجديد الفكر المدني في المجتمع.
ووصف د. عبدالمنعم سعيد، مسلسل الاختيار، بأنه رسخ فكرة تضحية شخص من أجل وطنه، لكن هناك مسلسلات أخرى تحدثت عن بطولات المخابرات المصرية، بجانب مسلسل كوفيد 25 الذي تحدث عن عملية انتشار العدوى، وهي عملية علمية، لأن العلم لابد أن يدخل في كل مناطق حياتنا.
واعتبر أن لدينا لعنة هي نظرية المؤامرة، وهي مستحكمة بشكل جبار، سواء عند الشخص العلماني أو غيره، وهذا أمر يجعلنا أمام تحدي كبير للمجتمع المدني، وقضيتنا هي أن نعي أن العالم ينمو خطوة بخطوة.
الوعى الصحيح
وأكد د. أسامة العبد- وكيل اللجنة الدينية بمجلس النواب، رئيس جامعة الأزهر سابقا- أن الوعي قضية مهمة لتفادي الوقوع في الأخطاء التي لا يمكن إصلاحها، مشيرا إلى أن القرآن الكريم حث على الوعي والإدراك فى قوله تعالى: " وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" سورة النحل (78)، وقوله: "لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ" سورة الحاقة (12)، مؤكدا أن هذه الحواس ذُكرت لبناء الوعي، أى من له سمع صحيح وعقل رجيح عن فهم ووعى، وهذا بخلاف أهل الإعراض والغفلة والبلادة وعدم الفطنة فليس لهم انتفاع بآيات الله المنظورة، فالوعى بالمنظور يحتاج لإعمال العقل الذى كرَّم الله به الإنسان للتمييز بين الخير والشر، الحق والباطل
وكذلك فى السنة النبوية المشرفة نجد النبي- صلى الله عليه وسلم- يحثَّ علي الوعي والفهم والادراك ،فيقول: "نضَّر الله عبدا سمع مقالتى ووعاها وبلَّغها لمن لم يسمع" فالإنسان الواعى هو الذى يفكر ويفسِّر الأحداث وينظر لها بمنظور خاص لا يخلو من العمق لمواجهة التحديات التى تعترض الأمة والعالم، فصحة الفهم من أعظم نعم الله على عباده، و يجب أن نحافط على التكافل أيضا ، ودفع المفاسد، والاضرار المادية والمعنوية، لأن الوعي هو حالة من الادراك التي تجمع بين العقل والمشاعر.
وأكد د. العبد أن الوعى هو بداية النور الحقيقي للأمة لأن أعداء الأًمَّة يحاربونها في وعيها وأبنائها فيوجّهونهم للتفاهات والإضرار بالمجتمع، خاصة وأن الوعى بقيمة الوطن وحقوقه يجعل الإنسان يقف كحائط صد لمن يحاول أن يهدم او يخرِّب في جنبات الوطن، وبلدنا جديرة بكل حب وانتماء لأنها تحمل أعمق وأعرق حضارة، ولا تنسوا أن "مصر جميلة" فعلا.
تساؤلات مشروعة
من جانبه أشار د. مسعد رضوان- أستاذ الإدارة العامة والمحلية واستشارى التنمية- إلى أن الوعى مسألة تُبنى عبر فترات زمنية طويلة نسبيا، فهو وضع منظومة قيمية وجعل الفرد لديه إمكانات إدراك ما حوله للاختيار المناسب وليس توجيهه نحو قضية بعينها فى وقت معين.
وطرح د. مسعد لأربعة تساؤلات للنقاش والتحاور حولها، هى: إلى أى مدى تدرك منظمات المجتمع المدنى وتعى القضايا قبل مطالبة المجتمع بإدراكها؟ مدى جاهزيتها للقيام بهذا الدور؟ مدى ثقة المجتمع فيها؟ مدى تحديث طُرقها وآلياتها لبناء الوعى؟
تفاعل الحضور
وتفاعل الحضور مع كلمات العلماء والخبراء، فزادوا المناقشات ثراء وحيوية، خاصة مع التنوع الثقافى والفكرى بحضور شخصيات بارزة منهم: د. أبو زيد الأمير- نائب رئيس جامعة الأزهر- د. شحاته غريب- نائب رئيس جامعة أسيوط- ونخبة من قادة فكر المجتمع المصري، من أعضاء مجلس الشيوخ والنواب وتنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، ورجال الدين الإسلامي والمسيحي، وقيادات الإعلام، وممثلي المجتمع المدنى.
حيث طالبت الصيدلانية كريمة الحفناوى بالاهتمام بالأسرة والتعليم والإعلام والفن باعتبارهم ركائز أساسية للبناء الوعى، والحرص على تعليم المرأة وإعمال العقل وتوسيع مناخ الحريات وحرية إتاحة وتداول المعلومات.
ودعا د. حسن السعدى- أستاذ الحضارة القديمة بالأسكندرية- لاستشراف المستقبل وتحديد الخطوط الفاصلة بين الخاص والعام فى بنيوية بناء الوعى.
وحذر الشيخ جابر طايع- وكيل الوزارة، رئيس القطاع الدينى بوزارة الأوقاف- من اختراق بعض منظمات وجمعيات المجتمع الدنى للمؤسسة الدينية وخلق وضع مقابل ومغاير للمؤسسة الدينية الرسمية، كما يحدث باستعانتها ببعض رجال الأزهر والأوقاف للانضواء تحت عباءتها بعد عمل "برمجة" لفكرهم وعقولهم، وهذه الجمعيات تتستّر زورا وبهتانا بهذا الوشاح الدينى مع أنها مجرد جمعيات أهلية وليست دعوية، مما يتطلب وقفة حاسمة وحازمة معها، فلا يمكن "أن نُحاسِب على مشاريب غيرنا!" وبفضل الله نجحت وزارة الأوقاف فى تجفيف هذه المنابع، لكن لابد أن ينتفض المجتمع المدنى لمساعدتنا.
المجتمع الموازى!
وخُتم اللقاء بتأكيد حلمى النمنم- وزير الثقافة السابق- أن الوعى مسألة نسبية ومتطورة، والمجتمع المدنى فى هذه المرحلة ينبغى أن يكون له دور اجتماعى ووطنى وللدولة، وليس دورا موازيا أو مضادا، فللأسف الشديد الجماعات التى تنتمى للمجتمع المدنى هى التى نشرت التطرف والتشدد والإرهاب، مثل أنصار السنة المحمدية التى خرجت دعاة ومفتين ووزراء أوقاف موازين للرسميين، وهم غير مؤهّلين علميا ولا دعويا، فقط مجرد حضور دورات فى معاهدها، كما هو حاليا مع خريجيها السلفيين الذين يُحاكمون بتحريض الشباب على الإرهاب والتطرف، ولن ينجح تجديد الخطاب الدينى طالما ظلت هذه الجمعيات.
وتساءل "النمنم" مستنكرا: كيف نظل نلف وندور فى مناقشة قضايا سبق وأن طُرحت منذ 200 سنة ولم ننجز منها شيئا حتى الآن مثل: محاربة الأُميّة، الختان، الزيادة الشكانية، وهى التى طُرحت منذ الخديوى إسماعيل وكتبها رفاعة الطهطاوى ود. طه حسين وغيرهما؟!
تواصل الفعاليات
هذا، وتتواصل فعاليات المؤتمر مع الجلسة الثانية بعنوان "المواطنة ووحدة المجتمع- قضية سد النهضة نموذجًا"، وفي الجلسة الثالثة بعنوان "الفن ودوره في بناء الوعي"، كما تأتي الجلسة الرابعة تحت عنوان "الإعلام وصناعة الوعي"، ليتحدث فيها د. عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، د. أماني الطويل، مدير البرنامج الإفريقي بمركز الأهرام للدراسات، د. شحاتة غريب، نائب رئيس جامعة أسيوط، رامي جلال، الكاتب الصحفي وعضو مجلس الشيوخ، د. علي بدر، عضو مجلس النواب، مدير البرنامج الأفريقي بمركز الأهرام للدراسات السياسية، الكاتب والشاعر مدحت العدل، محمود مسلم، رئيس لجنة الثقافة والإعلام بمجلس الشيوخ، رئيس تحرير جريدة الوطن"، ومن المقرر في نهاية المؤتمر عرض خلاصات وتوجهات مستقبلية في الجلسة الختامية.
اترك تعليق