د. عبدالراضى عبدالمحسن عميد دار العلوم لـ« عقيدتي"

تجديد الخطاب الدينى ضرورة وفقا لمتطلبات العصر
د. عبدالراضى عبدالمحسن مع عقيدتي
د. عبدالراضى عبدالمحسن مع عقيدتي

تصويب التراث الإسلامى قاصر على اجتهادات الفقهاء و المفكرين

الدين لايمكن أن يتسبب فى أى عملية ضد التنوير

تيارات العنف والإرهاب مسؤولة

 عن الصورة الذهنية للإسلام فى الغرب


طالب الدكتور عبدالراضى عبدالمحسن عميد كلية دار العلوم واستاذ الفلسفة الإسلامية ومقارنة الأديان بجامعة القاهرة بضرورة تقديم شهادة فى اللغة العربية تعادل « التويفل « فى اللغة الإنجليزية لأى شخص يتولى أى وظيفة رسمية فى الجهاز الإدارى أو العلمى أو التعليمى فى الدولة ، وذلك حتى ننهض بلغتنا التى تمثل هويتنا الحضارية والدينية .. مطالبا  بالمحافظة على اللغة الفصحى فى وسائل الإعلام وفى البيانات والأحاديث الرسمية .

وأكد – خلال حواره لـ» عقيدتى « أن التراث الإسلامى الذى يتمثل فى اجتهادات الفقهاء وأراء المفكرين والفلاسفة والفتاوى هو نتاج عقل بشرى نستطيع تجديده وتصويبه وفقا لمتطلبات العصر .. أما القرآن الكريم والسنة النبوية ، فهما أصول مقدسة وليسوا تراثا اسلاميا ولايمكن أن يخضعا للتغيير أو التصويب .

وأوضح أن تجديد الخطاب الدينى ضرورة دينية وحضارية ، لأن هذا الدين جاء لكل زمان ومكان .. مشددا على أن الاحتياجات والمشكلات التى تنشأ فى كل عصر تحتاج إلى رؤية وتكييف فقهى ودينى حتى يستطيع الناس أن يعيشوا ظروف عصرهم وفق مقتضيات وثوابت دينهم . . وفيما يلى نص الحوار :

> منذ أكثر من عام تقريبا .. طرحت كلية دار العلوم مبادرة « أفريقيا تتكلم عربى « لتعليم الأفارقة اللغة العربية .. كيف كانت هذه المبادرة ، وما هى النتائج المثمرة لها .. وما هى الجهود المبذولة من الكلية فى نشر اللغة العربية على مستوى العالم كله وليس أفريقيا فقط ؟

>> مبادرة  « أفريقيا تتكلم عربى « التى طرحتها دار العلوم جاءت فى وقتها بمناسبة رئاسة مصر للاتحاد الأفريقى ، حيث رأت الكلية أن أفضل دعم يمكن  تقديمه لهذا الأمر هو مبادرة يتم من خلالها تعليم 1000 أفريقى اللغة العربية ، لأن تعليم اللغة العربية يأتى دائما مصاحبا لتعليم الثقافة ونقلها لخلق روح التعايش والتسامح والتواصل ما بين الأمم والحضارات والثقافات ، وبناء على هذا تم طرح هذه المبادرة لتحقيق هذا الهدف السامى .

تعليم اللغة يأتى مصاحبا لعملية نقل اللغة ومعها جزء من الثقافة ولغة التعايش والتسامح لإعادة ما كان من دور مصر كقوة ناعمة لها فى أفريقيا بخلق نمط جديد من العلاقات الإجتماعية والإنسانية والفكرية ، لأن الذى سيتعلم اللغة الآن سيكون بعد ذلك موفدا من قبل حكومته إلى جمهورية مصر العربية سواء فى المجال الاقتصادى أو الصناعى أوالتعليمى أو التجارى ، أوالعسكرى ، ومن ثم فإن أول بادرة تأتى إلى ذهنه عندما يكون هناك مشروعات للتعاون أو مجالات للتبادل الثقافى أو للتبادل العلمى ، سيخطر على باله أنه يقدم هذا التعاون إلى البلد الذى أحسن إليه  وتعلم لغتها .. وبالفعل حققت المبادرة نجاحاً كبيراً جدا ، حيث كان لدينا متدربون من 26 دولة أفريقية منهم (7) هيئات دبلوماسية لـ (7) سفارات أفريقية من بينها سفارة أثيوبيا التى كان يدرسون هنا .. المبادرة نجحت إلى حد أنهم أصبحوا يسألون عن كيفية التواصل والاستمرار فى هذه المبادرة ، ولولا أحداث الكورونا ما كنا قد توقفنا .. وكلية دار العلوم فى مجال اهتمامها فى نشر اللغة العربية والثقافة المصاحبة لها لم تتوقف عند هذه المبادرة .. لدينا عدة اتفاقيات مع دول أسيوية مثل الهند وماليزيا وبنجلاديش وأندونيسا لتعليمهم اللغة العربية ، بل إن لدينا اتفاقيات تبادل علمى فى جامعات غربية مثل مركز الدرسات الإسلامية بجامعة مونستر ، ومركز الدراسات الاسلامية بجامعة أوسنا بروك .. نحن نريد استعادة روح دار العلوم المتمثلة فى الأصالة والمعاصرة .

تهميش اللغة

> تتعرض اللغة العربية للتهميش حاليا من خلال عدد من المحاولات ، من بينها طغيان مدارس اللغات التى تحاول أن تجعل من اللغة العربية لغة هامشية ، وأيضا كتابة اللغة العربية بحروف لاتينية على وسائل التواصل الاجتماعى فيما يسمى « لغة الفرانكو أراب « .. ما تفسيركم لهذه المحاولات ، وكيف يمكن مواجهتها ؟

>> بالفعل اللغة العربية تعانى من بعض هذه التحديات التى تمثل ضغطا عليها ، ولكن هذه التحديات يجب مواجهتها من قبل المجتمع وليس الدولة فقط ، لأنه لايمكن لأى سياسة أن تنجح مالم تكن مدعومة بقناعة اجتماعية ، لأن أمر اللغة يتعلق بالهوية التى هى مرتكز أساسى من مرتكزات نجاح الإنسان فى حياته وتحقيق طموحاته وتحقيق مشاريعه وبناء حضارة وبناء دولة قوية متوقف على الهوية .. واللغة العربية هى الأساس لهويتنا ، لأن اللغة العربية تكاد تنفرد من بين لغات العالم بأنها اللغة التى يجتمع حولها المنتسب إليها كعنصر جوهرى من عناصر الهوية شعوب مختلفة فى قارات مختلفة تبدا من المغرب العربى على شواطئ المحيط  الأطلسى إلى أقصى الخليج العربى ، فتمر بقارة أفريقيا وقارة آسيا شعوب مختلفة وقبائل مختلفة وأعراق مختلفة وجنسيات مختلفة ودول مختلفة ، لكن يجمعها الرابط الوحيد المتعلق بالهوية وهو رابط اللغة العربية .. هذه اللغة التى اختارها الله تبارك وتعالى لوحيه الخاتم والمنزل لتنال هذا النوع لتلك اللغة التى أصبح الانتماء إليها يتمثل فى الجمع بين الهوية وبين شرف دينى شعار دينى ، وبالتالى يجب أن تكون لها هذه المكانة .. أما مهددات لهذه الهوية المتمثل فى مدارس اللغات ، فهى بكل تأكيد تمثل خطرا عظيما ، وهذه مشكلة تكاد تنفرد بها دولنا  العربية ، لاتوجد دولة أخرى تعلم الناس بلغة غير أبنائها ، لأن اللغة مع العقل والإبداع يكونوا دائما يسيرات فى خطوط متوازية .. فأنت لن تستطيع أن تبدع وتجدد  مالم تكن تفكر بنفس اللغة التى تتقنها.. أما عملية الازدواجية فى اللغة والصراع الذى يكون فى العقل ما بين لغة أجنبية لا يفكر بها الانسان يفكر بها ، ويفكر بلغة أخرى غيرها ، هنا يتراجع الإبداع !!

أما لغة « الفرانكو أراب « فهذه من المهددات القديمة ، لأن اللغة العامية أصلا تعتبر تهديدا للغة الفصحى ، ولكن هذا أيضا نستطيع التغلب عليه من خلال الحرص على الاعتزاز بهذه اللغة والحديث بها..  وعلى أى مسؤول يتصدى لحديث أو لحوار أو يلقى بيان أو يتحدث بشكل رسمى مطالب بأن يتحدث باللغة الفصحى ، كما يجب المحافظة على اللغة الفصحى فى وسائل الإعلام ، ولهذا نحن دائما ونكرر فى كل عام بمناسبة اليوم العالمى للغة العربية بأن يكون هناك شهادة تعادل « التويفل « باللغة الإنجليزية لأى شخص سوف يتولى أى وظيفة رسمية فى الجهاز الإدارى فى الدولة المصرية أو الجهاز العلمى أو التعليمى أو البحثى للدولة المصرية .

صورة مشوشة

>  أيضا يتعرض الدين الإسلامى لهجوم كبير من قبل الغرب وإعلامه تحت ادعاء حرية الرأى والتعبير .. ما هى رؤيتكم لهذه القضية ؟

>> هناك صورة ذهنية للإسلام فى الغرب .. هذه الصورة جزء منها مشوش ومغلوط نتيجة لأمرين ، إما لعملية الصراع السياسى الحضارى ما بين الشرق والغرب ، حيث يتخذ فيه الغرب أدواته ووسائله لتحقيق الانتصار ، فيتم التشويش للرموز المهمة فى مكونات العنصر الحضارى للشرق .. وإما لجزء آخر متعلق بنا نحن أبناء هذا العالم بما نقدمه من فعل غير سوى متمثل فى أفعال تيارات العنف والإرهاب التى تقدم نفسها على أنها الممثل الحقيقى لحضارتنا وديانتنا ، مع أن حضارتنا وديانتنا قائمة على عنصر التسامح ، ومن الكليات الخمس التى أمرنا بحفظها والدفاع عنها النفس والدين والمال والعرض ، وبالتالى عصمت الدماء والأموال و الأعراض ، فلايجوز استباحة أى شئ منها إلا بموجباته من تعدى لحدود أخرى مثلها ، لكن هذه التيارات التى تمارس عمليات القتل على أساس الهوية وبشكل فظيع أمام عدسات التليفزيونات والكاميرات وتقوم بتنفيذ عمليات الاغتيال التى يتم تسويقها فى الغرب على أنها الصورة النمطية لهذه الحضارة ولهؤلاء الناس المتوحشون الذين يمارسون القتل على الهوية بلا أى احساس بدون رحمة أو انسانية ، وبالتالى تم تشكيل هذه الصورة الذهنية بناء على هذين الأمرين أو أحدهما أو كليهما ، ومن هنا ينشأ فريق أيضا من المتعصبين فى الغرب يعمل على هذا الأمر من خلال وسائل التواصل الاجتماعى أو من خلال بعض الصحف والمجلات الصفراء .

> ولكن بعض رؤساء الدول تدخلوا فى هذا الأمر وقاموا بالسير فى موجة الهجوم والطعن فى الإسلام وفى رسوله صلى الله عليه وسلم ؟؟

>> بعض رؤساء الدول عندما يتدخلوا فى هذا الأمر فهم يحاكون مثل هذه الثقافة ، لأنه فى المقابل ما ثبت لى يقينا من خلال دراسة متخصصة فى هذا الشأن فى كتاب لى اسمه « الرسول الأعظم فى بلاد الغرب « وهوصادر باللغتين العربية والإنجليزية ، من خلال دراسة لما كتبه الغرب عن نبى الإسلام فى الإنجليزية والفرنسية والألمانية والأسبانية والإيطالية ، تبين أن خلاصة رأى المفكرين الغربيين والعلماء الغربيين الذين درسوا دراسة علمية حقيقية قادتهم أن النبى صلى الله عليه وسلم ليس مجرد بشر عادى مثل البشر ولكنه رجل متميز جدا وهذا التميز لا يقف به عند حدود التميز الإنسانى العادى ، ولكنه نبى ونبى متميز ، وهذا النبى المتميز درجته أنه أفضل شخصية فى تاريخ البشرية ، فهو الشخص الأعظم فى تاريخ البشرية .. وقد ظهر كتاب بسيط جدا للرجل الأمريكى مايكل هارت « العظماء مائة أعظمهم محمد « .. لكن هذا من أبسط الكتب وآخرها ، لكن تمتد أمامنا سلسلة طويلة تبدأ من فولتير الفيسلوف الكبير الذى بدأ حياته مهاجما للنبى عليه الصلاة والسلام ثم عندما عرف حقيقته من خلال دراسة علمية انتهى إلى أنه رجل عظيم له قدرة عظيمة على التأثير ، امتد الأمر أيضا إلى الشاعر الألمانى جوتة قال « إن محمد صلى الله عليه وسلم مثل النهر الكبير العظيم الذى يندفع كسيل عال من العلو إلى المنخفضات لكى يجتث أمامه ويزيح أمامه كل المخلفات والقاذروات انه رجل عظيم جدا « .. فهذه هى رؤية المحققين ورؤية العلماء الأثبات فى النبى صلى الله عليه وسلم .

سلاح دعائي

> البعض يرى أن مقاطعة منتجات الدول التى تهاجم الاسلام ورسوله هى الحل الأمثل للرد على هذا الهجوم خاصة وأنه يأتى بثماره فى الضغط على شعوب هذه الدول وحكوماتها.. فهل تؤيد مثل هذه الحلول التى يمكن أن تؤثر اقتصاديا على هذه الدول وبالتالى تتراجع عن عدائها للإسلام والمسلمين ؟

>> سلاح المقاطعة ، سلاح اعلامى دعائى .. من يقاطع من ؟ أنت فى العالم العربى والإسلامى الذى تحتاج إلى أن يطعموك وأن يكسوك وأن يعلموك وأن يعالجوك عندما تتعرض للمرض .. كيف ستقاطعهم وأنت الأكثر احتياجا لهم ، كما أن حجم الانتاج العربى والدول الإسلامية  كم نسبته لحجم الانتاج فى الدول الغربية وأمريكا؟ .. لامجال للمقارنة أو المجابهة الاقتصادية ، نحن الأضعف والأكثر فقرا ، والأكثر احتياجا .. نحن الأكثر أمية بالنسبة لهؤلاء .. وإذا دخلت فى هذه المجابهة سوف تخسر .. كما أن هذه الأمور لاتأتى على هذا النحو أبدا وإنما ستوجد مزيدا من حالات العصبية وحالات الالتفاف حول هذا الكلام الذى ربما كثيرون من الغربيين لم يلتفتوا إليه ولم يعرفوه عندما أطلق من صحف صفراء أو تصريحات أو غيرها ، ولاتنسى أن لك وجودا اسلاميا كبيرا فى الدول الغربية .. فماذا فى رأيك إذا قاطعتهم اقتصاديا وأعادوا إليك كل الموجودين هناك ؟!  .. من الرابح ؟ .. أنت المحتاج إليهم وليسوا هم المحتاجين إليك .. بل إنه من خلال هذه العناصر الموجودة هناك تستطيع أن تقدم المثال .

> هناك مايسمى فى الغرب  بــ» الإسلاموفوبيا « .. رغم وجود العديد من مؤتمرات  « حوار الأديان « بين الغرب والشرق .. فلماذا لم تنجح مثل هذه الحوارات فى تغيير الصورة النمطية عن الإسلام فى الغرب ؟

>> هذه المؤتمرات ، كان لها بعض النتائج فى أنها تعرف المتحاورين بالإسلام ، ولكن دائرة المعرفة هنا قليلة حيث تقتصر على المشاركين فى هذه المؤتمرات ، بينما أنت تحتاج لكى تقضى على « الإسلاموفوبيا « أن تعمم وتنشر المعرفة الصحيحة وتصحيح الصورة الذهنية ، وكذلك التخلص من المفاهيم الخاطئة حول الإسلام والعرب والمسلمين.. وهذا يقتضى جهد أكبر على المستويات الشعبية والمستويات العلمية من خلال الجامعات والمدارس والصحف والكتب ، وقبل هذا وفوقه السلوك .. سلوك المسلم أو سلوك العربى عندما يسافر فى أوروبا والسلوك الذى يسوق من خلال وسائل الاعلام ، لابد أن يكون سلوكنا خاصة فى مسألة التسامح والتعايش مع الآخر سلوكا بارزا لكى نستطيع أن نصحح هذه الصورة الذهنية .

التراث المقصود

> تثار حاليا « قضية التراث الإسلامي» الذى شهدت نوعا من الخلاف بين العلماء .. ما هى رؤيتكم فى هذه القضية المثارة ؟ 

>> يجب أولا أن نحدد مصطلح « التراث الاسلامى « .. إن كان المقصود بالتراث الاسلامى القرآن الكريم والسنة النبوية والآراء الفقهية وآراء المفسرين والمتكلمين والمفكرين .. فهذا توصيف خاطئ للتراث الإسلامى ، يجب أن نخرج من التراث الاسلامى القرآن الكريم والسنة النبوية ، فهذان المصدران ليسا تراثا ، هذه أصول مقدسة نسير على هديها .. أما إذا كان المقصود بالتراث الإسلامى ما أنتجه العقل المسلم من خلال النظر فى هذه الأصول ، فأنتج لنا تفسيرا ، وفقها ، وأنتج لنا رؤى كلامية وأيدلوجية من خلال علم الكلام .. فأهلا وسهلا فى إعادة النظر فى هذه الأراء الفقهية والفكرية والكلامية والفلسفية وهذه الفتاوى.. هذا هو ما يجب أن نتوجه إليه فى الفحص وبالدرس وبالتوجيه وبالتوقف عنده ، لأن هذا نتاج عقل بشرى نستطيع أن نصوبه ، نستطيع أن نستبعد الخطأ منه ونضيف إليه .. أما القرآن الكريم والسنة والنبوية ، فهذه أصول مقدسة نأخذ علومنا من خلال النظر فيها .. على سبيل المثال السنة النبوية ، هل نحن أول من سينظر إليها ، بالطبع لا .. فالسنة النبوية تم تصنيفها إلى أحاديث متواترة ، وأحاديث صحيحة ، وأحاديث ضعيفة ، وأحاديث موضوعة .. إذا لسنا نحن أول من نظر فيها ، وإنما هناك متخصصون قد سبقونا إليها وصنفوها . . أما بالنسبة لكتب الفقه فهذه أراء واجتهادات من حقنا أن ننظر فيها مثلما نظروا فيها من قبل ، ونأخذ منها ما يناسبنا ونغير مالايناسب ظروفنا فى ضوء مراعاة الثوابت والأصول التى لاتتغير .

> هذا يسحبنا إلى قضية « الخطاب الدينى « .. الذى يحمله البعض المسؤولية فى انتشار ظاهرة التطرف رغم وجود العديد من الخطابات الأخرى مثل الخطاب الثقافى والإعلامى وغيرهما ..  من وجهة نظركم كيف يتم توجيه الخطاب الدينى ؟

>> أيضا مصطلح « الخطاب الدينى « من المصطلحات التى تحتاج إلى تحديد .. مسألة التجديد التى يسارع الكثيرون فى الحديث فيها بحسن نية وبسوء نية .. التجديد ضرورة دينية وفكرية وحضارية .. التجديد له أصل شرعى فى الحديث الوارد فى مسند الإمام أحمد « إن الله يبعث إلى هذه الأمة على رأس كل مائة من يجدد له دينها « ، فالتجديد ضرورة دينية وحضارية ، لأن هذا الدين جاء لكل زمان ومكان ، أى أن الضرورات والاحتياجات والمشكلات التى تنشأ فى كل عصر من العصور تحتاج رؤية وتكييف فقهى ودينى لكى يستطيع الناس أن يعيشوا ظروف عصرهم وفق مقتضيات وثوابت دينهم ، وبالتالى هذا يلزمنى بضرورة النظر المتجدد فى هذه الأمور. . إذا التجديد مطلب وضرورة ، ولكن القضية ما هو التجديد المطلوب وكيفيته ؟ .. البعض مفهومه للتجديد أن تهدم الثوابت السابقة وتبدأ ببناء شئ جديد ، وهذا لم يقل به أحد من الأثبات ، فكيف نهدم حديثا صحيحا للرسول صلى الله عليه وسلم أو نستبعده ؟!.. هذا غير متصور .. هذا غير حدود الثوابت التى يجب مراعتها .. البعض الآخر يرى أن عملية التجديد عملية متكاملة ، تشتمل تجديد منهجية التفكير، التى يجب أن تراعى بين العقل والنقل فى النظر فى أى نص من النصوص أو فى أى قضية من القضايا .. هذا التوافق الذى لايجعل جانبا لايتغلب على الجانب الآخر ، إذا هى قضية منهج فى المقام الأول .. القضية الثانية قضية تنقية التراث من المسائل التى نسميها قضايا زائفة فرضت علينا من خلال أجندات أخرى خارج أجندة المجتمع ، مثل قضية « خلق القرآن « التى فرضت على المجتمع المسلم وقتها ولاطائل من وراء هذه القضية ، أو بعض الأحكام الخاطئة التى أحيانا لاتتوافق مع العقل وأحيانا لاتتوافق مع النص نفسه أو صريح النص أو مقاصد الدين بكامله ، ويتمسك بها الناس ويقفون عندها ثم يتبين لهم أن مقاصد الشرع أوسع وأعلى من هذا وبالتالى يجب أن يغيروا رأيهم .

 الجانب الثالث من عملية التجديد بيان الرأى الصحيح فى القضايا المستحدثة التى يعيشها المجتمع فى ضوء هذه المنهجية الجديدة واستنادا إلى الأصول المتفق عليها فى كامل القرآن الكريم وما ثبتت صحته من السنة النبوية .

> بعض العلمانيين يرون أن التمسك بتعاليم وقيم الأديان وأهمها الدين الإسلامى  مناقض للتنوير وحرية التعبير.. ما رأيكم فى ذلك ؟

>> القيم التى هى عبارة عن معايير وأحكام تحكم وتوجه أخلاقياتنا وتصرفاتنا السلوكية التى من خلالها نتعايش مع الناس.. هذه القيم كانت محل عناية الفلسفة منذ القدم .. هذه القيم محل عناية الدين ، لأن الدين جاء يستهدف سعادة الإنسان فى الدنيا والآخرة، كما أن الفلسفة تستهدف سعادة الإنسان .. الدين جاء نعمة هبة من الله ، وكذلك العقل الذى هو أداة الفلسفة هبة من الله .. فإذا الدين والفلسفة يتفقوا فى أن المصدر فى كلا منهما من الله ، وهو العقل( الآلة فى الفلسفة ) والوحى ( فى الدين ) .. الغاية كذلك متحدة ، سعادة الإنسان فى الدارين ، هذا الأمر الذى لخصه ابن حزم تلخيص جيد فى أنه « إذا كانت غاية الفلسفة تحقيقى السعادة فى المعاش وتحقيق السعادة الأخروية وكذلك الشريعة وكذلك الدين .. إذا لايمكن أن يكون هناك تعارض بين هذين الأمرين ، ولايمكن أن يتسبب الدين فى أى عملية ضد التنوير، لأن لايوجد أبدا تعارض بين نص صحيح وعقل صريح .. فالعقل والنقل الصحيح دائما يسيران متجاورين ، لأن الخطاب الإقناعى فى النصوى فى القرآن والسنة يعتمد على العقل حتى فى الأمور الغيبية « . 

> البعض يرى أن هناك أزمة تدين فى عالمنا العربي، وأننا أصبحنا نهتم بمظاهر التدين الظاهرى من دون أن يكون هناك التزام حقيقى بالدين . . ما هو تفسيركم لذلك ؟

>> للأسف هذه الطقوسية الظاهراتية .. حرصنا عليها لكى نحقق من ورائها مكتسبات ، مسألة قديمة جدا ، وقد نبأ القرآن الكريهم عليها « يا أيها الذين آمنوا لما تقولون ما لاتفعلون « .. فالأمر قديم ، وهناك أناس قد يتصاعد عندهم أمر النفاق العقدى أيضا .. الآن أصبحت مسألة التمسك بمسألة الشكليات دون جوهر الدين القائم على التسامح وعلى التعايش وعلى المحبة وعلى التجويد والإخلاص فى العمل ، من منا يطبق مقولاته الدينية على عمله ؟! .. لو أخلصنا فى أعمالنا وطبقنا مقولاتنا التى نتشدق بها على صفحات الفيس بوك فى أعمالنا ما كان هذا حالنا ، أن نكون فى ذيل الأمم !!

مسؤولية الإرهاب

> ولكن ما هو تفسيركم أيضا لموجة « الإلحاد « التى انتشرت خلال الآونة الأخيرة بين الشباب  .. هل هى ناتجة عن جهل بحقيقة الدين أم أنها « موضة «  ينتهجها هؤلاء الشباب حاليا ؟

>> موضوع الإلحاد .. فيه جزء منه مسؤول عنه تيارات الإرهاب والتطرف ، لأنها قد أوجدت صدمة عقلية وحضارية وانسانية ودينية لدى الناس بما أظهرته من ازدواجية فى السلوك وفى الفكر وحولت هذا الدين من دين رحمة ومحبة وتسامح .. هذا الدين الذى جعلت فى المحبة شرطا أساسيا لتحقق الإيمان كما أخبرنا النبى صلى الله عليه وسلم « لن تؤمنوا حتى تحابوا « .. أوجدوا هذا التيار من القسوة والعنف فى المعاملة مع الآخر وانتهاك عرض الآخر ، أو موجة القتل التى تمثلت فى التفجيرات أو فى حوادث الاغتيالات الفردية والشخصية لرموز المجتمع .. فالشباب أحس بأن هذا الدين غير قادر على قيادة البشرية ، لأن دعاة الدين الذين يقولون أننا نحن أكثر الناس حرصا على الدين يمارسون ممارسات لا أخلاقية ولا إنسانية ضد هذا الدين .. الجزء الثانى أن هذه – مثلما قلت - موضة تظهر وتخبو مثل الفقاعة ، وعلاجها بيان حقيقة هذا الدين ، لأن هذا الدين لاينتصر إلا ببيان حقيقته ، ، لأنه فى داخله من الإمكانات والموارد والطاقات والحجج والبراهين ما تجعله ينتصر فى أى عملية صراع فكرى .





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق