واصل فضيلة الإمام الأكبر د. أحمد الطيب شيخ الأزهر الحديث عن القَضايا التي خضَعَتْ للتوصيفِ الشرعيِّ. والاجتهادِ الفقهيِّ في أروقةِ الأزهرِ الشريف. وقال إن المرأةِ كان لها نصيبُ الأسد من مَكاسِبها. حيث دُرِست مُعظمُ قضاياها إمَّا بحُسبانِها فردًا مُستَقِلًّا. أو عُضوًا في الأسرة والمجتمع.
أضاف في برنامجه التليفزيوني "الإمام الطيب" أنه معلومى أنَّ سفَرَ المرأة في تُراثِنا الفقهيِّ مشروطى -عندَ أغلبِ الفقهاءِ-بمُرافقةِ الزوجِ. أو أي مَحرَمي من مَحارِمها؛ لأنَّ سَفَرَها بمُفردِها في تلك العُصورِ-بدون مَحرَمي-كان أمرًا صادمًا للمُروءةِ والشرفِ. بل كان طعنًا في رُجولةِ أفرادِ الأسرةِ؛ نظرًا لما تتعرَّضُ له المرأةُ -آنذاك-من سَبْيي واختطافي واغتصابي. في الصحاري والفَيافي المُظلِمةِ ليلًا. وقد كان من عادةِ العربِ السَّفَرُ ليلًا. والكُمُونُ نهارًا. وحين قال النبيُّ: ""لاَ يَحِلُّ لِامْرَأَةي تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمي وَلَيْلَةي لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةى" -أي مَحرَمي-فإنَّه. وهو النبيُّ العربيُّ الذي بُعِثَ ليُتمِّمَ مكارمَ الأخلاقِ. كان يَحمي حَقًّا أصيلًا للمرأةِ علي أُسرتِها.
أوضح الإمام الأكبر أنه في ظل تغيُّر نظامُ الأسفارِ خلال عصرِنا الحديثِ. وتبدّل المخاطرُ التي كانت تُصاحبُه إلي ما يُشبِهُ الأمانَ. وتوفُّر الرفقةِ المأمونةِ من الرجالِ والنساءِ. ولم يَعُد السفر يَستَغرِقُ لياليَ وأيامًا. فإنَّ الاجتهادَ الشرعيَّ في هذه المسألة لا مَفَرَّ له من تطويرِ الحكمِ من منعِ السَّفرِ إلي الجوازِ. بشرطِ الرفقةِ المأمونةِ كما هو الحالُ في الحج والعمرة والرحلات وغيرِها. وإنْ كان المذهبُ المالكيُّ. ومنذُ العصر الأوَّلِ للإسلامِ أباحَ للمرأة الخروجَ إلي الحج -بدون مَحرَمي-إذا كان معها رفقةى مأمونة. وقد انتهي رأيُ العلماء في هذه القضيَّةِ إلي تَبنِّي فقهِ الإمام مالكي -رضي الله عنه-في جوازِ سفرِ المرأةِ -اليوم-بدون محرمي متي كان سفَرُها آمِنًا. بصُحبةي تُرافِقُها. أو وسيلةي من وسائلِ السفر تمنعُ تَعرُّضَها لما تكرَهُ.
أشار إلي اتِّفاقُ علماءِ مؤتمر الأزهر العالمي للتجديد في الفكر الإسلامي علي أنَّه يجوزُ للمرأة شرعًا أن تتقلَّدَ الوظائفِ التي تُناسبها كافَّةَ بما فيها وظائفُ الدولةِ العليا ووظائفُ القضاءِ والإفتاءِ. وأنَّه لا يجوزُ الالتفافُ حولَ حقِّها لمصادرتِه أو وضع العقبات أو التعقيدات الإداريَّةِ ممَّن يستكبرون أن تجلسَ المرأةُ إلي جوارهم. ويَحولُون بينَها وبينَ حقِّها المقرَّرِ لها شرعًا ودستورًا وقانونًا. وكلُّ محاولةي من هذا القَبِيلِ هي إثمى كبيرى. يَتَحمَّلُ صاحبُه عواقبَه يومَ القيامة.
أشار إلي أنه فيما يَتعلَّقُ بأمر فَوْضَي الطلاقِ قرَّر العلماء. وربما لأول مَرَّةي. أنَّ الطلاق التعسفي. بغير سببي مُعتَبري شرعًا. حرام وجريمة أخلاقية يُؤاخَذ عليها مُرتكبُها يومَ القيامة. سواء كان ذلك برغبةي من الزوجِ أو الزوجةِ. وذلك للضررِ الذي يَلحَقُ أُسرةَ كلّي منهما. خاصَّةي:الأطفال. وقد تَعجَبُون لو قلتُ:إنَّني. وأثناءَ بحثي في فقهنا القديم. عن حكم الطلاق. وكيف يكونُ مباحًا مع الأضرارِ المترتبةِ عليه. وجدتُ من كبار الفقهاءِ الأجلاءِ مَن يقولُ:إنَّ الأصلَ في الطلاقِ الحرمةُ. وإنَّه لا يَصِيرُ مباحًا إلا للضرورة. وكادوا يحصرون الضرورةَ في نُشُوزِ الزوجة علي زوجِها. والنشوزُ هو التعالي والتكبر علي الزوج واحتقاره وإشعاره بأنَّه في منزلةي أدني من منزلةِ الزوجة.. فهاهنا يكونُ الطلاقُ "مباحًا". وأُكرِّر:"مباحًا" وليس واجبًا ولا سنةً ولا مستحبًّا. ثم يقولُ هذا الفريقُ منالعلماء: وهذا هو الطلاقُ المباحُ الذي وُصِفَ في الحديثِ الشريفِ بأنَّه أبغض الحلال إلي الله. وليس كما تَفهَمُ غالبيَّةُ الأمَّةِ بأنَّ الطلاق حلالى مطلقًا وإنْ أبغَضَه الله تعالي.
أكد أن مؤتمر الأزهر العالمي للتجديد في الفكر الإسلامي عالَجَ مسألةً مهمة كثيرًا ما يَضطِربُ فيها أمرُ الأُسَرِ. وهي:ما يَتعلَّقُ بالشبكةِ التي يُقدِّمُها الخاطبُ لمخطوبتِه؛ هل هي جزءى من المهر فيجبُ رَدُّها معه إذا لم يَتِمَّ الزواج. أو ليس جُزءًا فلا يجبُ ردُّه؟ وقد انتهي رأيُ العلماء إلي أنَّه إذا كان فسخُ الخطوبةِ بسببِ المخطوبةِ فللخاطبِ حَقُّ استردادِها. وإذا كان هو السببَ فلها الاحتفاظُ بكلِّ ما قدمه لها كشبكةي. وفي كلِّ الأحوال لا تُعَدُّ من المهر. إلا إذا اتُّفِقَ علي ذلك. أو جَرَي العُرْفُ به. وكذلك لا يُعَدُّ مجرَّدُ العدولِ عن الخطوبة ضررًا يُوجِبُ تعويضًا. لكنْ إذا ترتَّب عليه -فعلًا-ضررى أدبيّى أو ماديّى أو كلاهما. وبخاصَّةي للمخطوبةِ. فللمُتضرِّر حقُّ طلبِ التعويض.
قال إن مؤتمر الأزهر راعَي النظر في بعض العادات المؤسفة التي تَلجَأُ إليها بعض الأسر. مثل:تعنُّت ولي أمر البنت وحرمانها من رغبتها في الزواج بشابّي مُناسب؛ انتظارًا لشابّي ثريّي أو من أسرةي ثريَّةي. أو من نفس عائلةِ البنت. كما يحدثُ في بلادِنا بالصعيد وفي دول أخري. وقد انتهي الرأيُ في هذا الموضوعِ إلي أنَّه: "لا يحقُّ للوليِّ منعُ تزويجِ المرأة برجلي كفءي ترضاه. إذا لم يكن للمنعِ سببى مقبولى. وللقاضي إذا رُفع إليه أمرُها أن يُزوِّجَها".
اترك تعليق