44 جنيها وحقيبة رمضانية وخضروات وفواكه ومجمدات وخبز حصيلة التجربة في عدة دقائق!
غياب العقوبات الرادعة.. وتنوع أساليب المتسولين وراء الظاهرة
د. عبدالوهاب فكري : يجب تحري مستحقي الزكاة والصدقات
د. السيد عوض : جريمة اجتماعية تتطلب تكثيف التوعية للحد من انتشارها
مع شهر رمضان ينتشر المتسولون بصورة كبيرة ومكثفة في أغلب المناطق بأساليب وحيل متنوعة وجديدة ، من أجل استعطاف الناس في هذه الأيام المباركة التي يحرص المصريون فيها على إخراج الصدقات وتقديم المساعدات تقربا لله تعالى.. في دراسة خاصة صدرت مؤخرا عن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية ،صنفت التسول إلى أنواع منها ما يسمي التسوّل الموسمي والذي يرتبط بمواسم محددة ينشط المتسولون خلالها، ويعتبر شهر رمضان أهم هذه المواسم ، حيث استغلال مشاعر وتدين المصريين وعطفهم ، ويمارس المتسولون أساليبهم وحيلهم في استعطاف الآخرين واستجداء كرمهم للحصول على المال أو الطعام، أو الملابس أو أي شيء مادي آخر.
من هنا تأتي اهمية هذا التحقيق الميداني الذي تكشف عقيدتي خلاله مكاسب المتسولين غير المستحقين للزكوات والصدقات .
في تجربة سريعة لمحرر "عقيدتي" لم تزد مدها عن ساعة ونصف، كانت حصيلتها ٤٤ جنيها، وحقيبة إفطار صائم تضم مواد تموينية و٣ كيلو خضروات وفواكه منوعة، إضافة إلى لحوم مجمدة وخبز.
بدأت التجربة في الثامنة صباحا ،حيث اتخذ محرر "عقيدتي" جانبا من أحد الشوارع الحيوية بأحد المناطق الشعبية، ليجلس بجوار الحائط، متخذا من قفص من الجريد وضع عليه بعضا من علب المناديل الورقية وعلب الكبريت اشتراها من سوبر ماركت مجاور بعشرة جنيهات.
بدأ محرر "عقيدتي" بسؤال المارة ، فكانت المحاولة الأولي فاشلة، بعد أن طلب المساعدة من أحد المارة الذي لم يتفاعل معه، ويبدو أنه موظف حكومي في عجلة من أمره للحاق بعمله، بعد طلبه توك توك للذهاب لوجهته التي يريدها.
لم تمر دقائق علي المحاولة الأولي ، فكان النجاح في المحاولة الثانية حينما طلب المساعدة من بعض الطالبات المتوجهات إلى مدرستهن، اللاتي استجبن له، فكانت أول ثلاث جنيهات، وتوالى تقديم الأموال للمتسول ما بين من يأخذ علبة مناديل أو علبة كبريت بسعر يفوق سعرها للضعف، وما بين من كان يترك جنيها أو نصف الجنيه دون أن يأخذ شيئا ، إلى أن وصل إجمالي المبلغ ٣٦ جنيها في أقل من ساعة، وكان المحرر يكشف بسرعة عن هويته ويرد الأموال لهم.
تبين من التجربة أن السيدات كن أكثر استجابة، حيث كان المبلغ الذي دفعته السيدات قد بلغ ٢٦ جنيها من إجمالي ٣٦ جنيها حصيلة تلك الساعة من تجربة التسول.
شنطة رمضان
انتقل محرر "عقيدتي" إلى شارع آخر مجاور حيث التقي احدي السيدات طالبا المساعدة فلم تستجب، إلا أن هذه السيدة عادت بعد عشر دقائق حاملة حقيبة رمضانية تضم مواد تموينية متنوعة وأعطتها المتسول، وبسرعة كشف محرر عقيدتي عن هويته، سائلا السيدة عن هذه الحقيبة، حيث أكدت أن زوجها تلقي عددا من الحقائب توزعها الشركة التي يعمل بها كل رمضان، فقررت توزيع بعضها على المحتاجين.
خضروات وفواكه
وفي جولة داخل أحد الأسواق التي لا تبعد أمتارا من المكان الذي كان يجلس به محرر "عقيدتي" ، كانت التجربة الثانية، حيث طلب خلالها مندوب الجريدة المساعدة في توفير إفطار لأسرته؛ مدعيا انه فقد عمله بسبب كورونا، فكانت الاستجابة سريعة من عدد من البائعين وأصحاب المحال التجارية ، فتنوعت الحصيلة ما بين الفاكهة والخضروات والمجمدات وجنيهات قليلة بلغت سبع جنيهات، وبعد أن كشف محرر عقيدتي عن هويته ليرد له ما أخذه، فقال أحد الباعة :"خلاص خرجت من ذمتي ومش راجعة !!"
كرم قبطي
كشفت جولة "عقيدتي" عن تلاحم بين أبناءً الشعب المصري أقباطها ومسلميها، حيث طلب محرر عقيدتي المتنكر خلال جولته المساعدة من أبو أمجد أحد الأخوة الأقباط الذي يملك محلا للمجمدات، مكررا عليه ظروفه بفقدانه عمله بسبب كرونا، بسرعة قام أبو أمجد بتجهيز حقيبة بها لحوم مجمدة وزبدة ولحم مفروم مجمدة وأعطاها للمتسول المتنكر!!.
وحينما كشف محرر "عقيدتي" عن هويته ليسأل أبو امجد عن سبب استجابته السريعة ،فكانت الإجابة السريعة قائلا: فقدت عملي بأحد الشركات الخاصة منذ سنوات بسبب الأزمة المالية العالمية السابقة التي أثرت على الكثير في العالم وليس في مصر فقط، وأشعر دائما بمعاناة من فقد عمله، ودائما ما استجيب لأي سائل، ولا يهمني من يطلب مني المساعدة سواء كان مسلما أو مسيحيا.
طفل المخبز
علي بعد أمتار قليلة من محل اللحوم المجمدة وقف المتسول أمام أحد المخابز الصغيرة التي تصنع وتبيع الخبز الشامي والرقاق والكنافة والقطايف، طالبا المساعدة ممن يعملون هناك، وفي سرعة غير متوقعة قبل أن ينتهي من قصته، قام أحد الأطفال لم يتجاوز عمره السبع سنوات ويعمل بالمخبز ، بإعطاء المتسول كيسا يحتوي على ثلاثة أرغفة تباع بخمسة جنيهات، دون أن يتلقي أمرًا أو إشارة من أحد الكبار في المخبز ، حيث قال الطفل بعد أن كشف له محرر عقيدتي عن هويته وأخبره بأنه صحفي،" كل سنة وأنت طيب يا حاج، أحنا بنطلع كل يوم ٢٠ رغيفا لوجه الله"
رفض مباشر
رغم أنه في الجولة داخل السوق كانت استجابة سريعة من البائعين البسطاء وأصحاب المحال متوسطي الحال، إلا أن التجربة الأخيرة مع أحد أصحاب محال تأجير وبيع السيارات لحساب الغير كانت غير متوقعة، حيث رفض دون نقاش مساعدة المتسول، والذي قال بعد أن كشف محرر "عقيدتي" عن هويته: يمر علينا يوميا عشرات المتسولين في هيئات مختلفة ،وأنا اعلم أن الكثير منهم من محترفي التسول وغير محتاجين، وأنا أعرف حالات خاصة ويتعففون من طلب المساعدة، فأتكفل أنا وبعض الأصدقاء بمساعدتهم.
تدني الوعي
علق د. السيد عوض، أستاذ علم الاجتماع والانثربولوجيا الثقافية بجامعة جنوب الوادي، على استجابة وتفاعل الجماهير مع محرر "عقيدتي" عند طلبه المساعدة، مؤكدا أن تفاعل الناس أمر طبيعي نظرا لتدنى وعيهم وثقافتهم لأن التسول جريمة اجتماعية وقانونية، والتبرع لمحترفي التسول غباء، حيث يعتمد المتسول على العاطفة الدينية غير الرشيدة للمتدينين الأغبياء، خاصة في شهر رمضان الذي يعتبر من أكثر الشهور يقوم خلالها الناس بإخراج الصدقات ،ولهذا لابد من توعية الناس بأن التسول ليس إلا سرقة المال برضا المجني عليه.
عقوبات غير رادعة
مع تأكيده لحاجتنا إلى عقوبات أكثر ردعا وتشديد العقوبات على المتسولين أو من يقوم بتشغيلهم ، يقول مصطفي صالح، المحامي :ظاهرة التسول باتت موجودة وبشكل يومي أمام عدد من الأماكن الهامة بالدولة، حتى أصبح البعض يمتهن التسول على مرأى ومسمع من الجميع، وهو أمر يستحق التوقف، وضرورة مواجهة هذه الظاهرة بالقانون، من خلال عقوبات مغلظة، وبحسب نصوص القانون يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز سنة كل شخص صحيح البنية ذكرًا كان أم أنثى يبلغ عمره خمس عشرة سنة أو أكثر وجد متسولاً في الطريق العام أو المحال العمومية، ولو ادعى أو تظاهر بأداء خدمة للغير أو عرض ألعابا أو بيع أي شيء، كما يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز 6 أشهر كل شخص غير صحيح البنية وجد في الظروف المبينة في المادة السابقة متسولاً في مدينة أو قرية لها ملاجئ وكان التحاقه بها ممكنًا ومن يستغل جروحا أو عاهة في التسول يتضح الإصابة بجروح أو عاهات أو يستعمل أية وسيلة أخرى من وسائل الغش لاكتساب عطف الجمهور
أضاف : ينص القانون بالحبس لمدة عام كل متسول وجدت معه أشياء تزيد قيمتها على خمسمائة جنيه ولا يستطيع إثبات مصدرها ،كما يُعاقب بالحبس لمدة تتراوح من عامين لخمسة أعوام كل من أغرى الأحداث الذين تقل سنهم عن خمس عشرة سنة على التسول
مرفوضة شرعا
في توصيف شرعي لظاهرة التسول يقول د. عبدالوهاب فكري، أستاذ الفقه المقارن ووكيل كلية البنات الأزهرية بالأقصر : التسول ظاهرة خطيرة باتت تهدد أمن المجتمع وسلامته، كما انه يعد مظهرا غير حضاري ومزعج لذلك لابد من علاج هذه الظاهرة َوالحد من انتشارها، والتي تكثر في مواسم مختلفة أبرزها شهر رمضان ، وقد حرم الإسلام التسول لأنها ظاهرة قبيحة مذمومة وتتضمن المذلة والمهانة، وقد حذر النبي من هذه الظاهرة ونفر منها ، لأن صاحبها يفقد كرامته في الدنيا ويسيء إلى آخرته، حيث قال صلي الله عليه وسلم (ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم)، فالإنسان الذي يسأل الناس من غير فقر وفاقة، وإنما يسأل الناس تكثرا أو بذل نفسه ويمتهن كرامته التي أوجب الله عليه صيانتها، يغضب الله عليه فيذله ويهينه يوم القيامة كما أذل نفسه في الدنيا ويفضحه علي رؤوس الأشهاد فيسلخ له وجهه كله حتى يأتي أمام الناس وليس في وجهه قطعة لحم جزاء وفاقا لما فعله في الدنيا من إراقة ماء وجهه.
وعن حكم إعطاء المتسولين الأموال وكيف يتحرى المسلم مستحقي الزكاة َالصدقات، أوضح د. عبد الوهاب فكري أن الإسلام نهى عن المسألة غير حاجة وأعتبر طلب المال من الآخرين ودونما وجه حق من عمل أو حاجة كفقر معدم أو تحمل دين أو أصابته جائحة اجتاحت ماله سببا للمهانة والذل في الدنيا والعذاب في الآخرة .
وأشار إلى أن المتسول لا يعطي من الزكاة المفروضة إلا إذا ثبت انه من أحد مصارف الزكاة والواردة في قول الله تعالى: "إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ"، ويمكن إعطاء المتسول من صدقة التطوع ما يسد حاجته، إلا إذا علم كذبه وانه يمتهن التسول فلا يعطي حتى لا يعان على أكل أموال الناس بغير حق، وإذا لم يعلم فقره من غناه، وصدقه من كذبه فله أن يعطيه وله أن يمنعه.
وأنهى د. عبد الوهاب كلامه بالتأكيد على ضرورة أن يتحري الناس لمن يعطي الزكاة والتي لها مصارفها الشرعية، خاصة مع انتشار من يمتهنون التسول أمام المساجد والطرقات والشوارع خلال هذا الشهر الفضيل، يسألون الناس الصدقة وهم لا يستحقون، ونهى النبي عن المسألة من غير حاجة فقال :( لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة حطب على ظهره فيبيعها، فيكف الله به وجهه، خيرا له من أن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه). لذلك يجب أن نتحرى أحقية هذا الشخص للزكاة أو الصدقة، وعلي الأرجح من يحتاج إلى الزكاة أو الصدقة يستعفف في طلبها، خاصة مع انتشار من يتخذَون من التسول مهنة وهم ليسوا في حاجة إلى المساعدة.
اترك تعليق