بعد أن وصلت تكاليفها 2 مليار جنيه:

الإعلانات العارية والمستفزة.. تنافس المسلسلات في ضياع أجر الصائمين!
اعلانات رمضان
اعلانات رمضان

تروّج لمنتجات بالملايين.. وأخرى تدعو للتبرع للأعمال الخير!

الأعلى للإعلام يطالب بالحد منها.. مطلوب ميثاق شرف وتشريعات حازمة


استنكر علماء الإسلام وأساتذة الإعلام وخبراء الاجتماع فوضي الإعلانات على القنوات الفضائية والتي باتت تنافس المسلسلات من خلال مضمون سطحي وخادع والعري، محذرين من أن كل ما يخالف تعاليم الشريعة وعادات وتقاليد المجتمع، يتسبب حتما في ضياع ثواب الشهر الفضيل.

أكدوا أن الإعلانات في شهر رمضان هذا العام تجاوزت تكاليف إنتاجها نحو ٢ مليار جنيه، وركّزت على مخاطبة احتياجات المستهلك وغرائزه، دون مراعاة لمشاعر الصائمين. وانتقدوا إنفاق المليارات على هذه الإعلانات، في مقابل إعلانات تدعو إلى التبرع لأعمال الخير!

من هنا تأتي أهمية هذا التحقيق حول خطورة الإعلانات على قيم وعادات المجتمع وتأثيرها على المشاهد.

 في البداية تؤكد التقارير أن القنوات الفضائية تشهد خلال هذا الشهر كثافة إعلانية طغت على المادة الإعلامية، الأمر الذي دفع المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام دعوة القنوات على ضرورة ضبط فترات الإعلانات التي تذاع أثناء المسلسلات، والتوقف عن الإسراف والتطويل الذي يفسد حق الجمهور في المشاهدة والاستمتاع بالأعمال الدرامية، وذلك وفق اختصاصات المجلس بحسب المادة 70 من قانون المجلس رقم 180 لسنة 2018، تعطى الحق في تحديد حد أقصى للمادة الإعلانية إلى المادة الإعلامية والصحفية في جميع وسائل الإعلام

وكان المجلس قد تلقى شكاوى كثيرة بشأن عدم تنظيم الإعلانات واعتدائها على حق الجمهور، ودخول كل القنوات في ماراثون إعلاني لا يخدم الأعمال الدرامية ولا الهدف من إنتاجها! وهذا ما دفع المجلس للوعد بأنه سيتدخل لحماية للمشاهدين، إذا لم تلتزم القنوات من تلقاء نفسها بتقليص المساحات الإعلانية.

إعلانات مُمِلَّة

يوضح د. محمد أحمد خليفة- أستاذ الإعلام بجامعة المنيا- أهمية الإعلانات في توفير التمويل اللازم لتشغيل القنوات والإنفاق عليها، وخاصة خلال شهر رمضان الذي يعد من أهم الأوقات التي تتنافس فيها الشركات المعلنة حيث تزداد فيه كثافة المشاهدة واستهلاك من الجمهور فيه ويعتبر موسما للإعلانات، لبقاء أفراد الأسرة فترة طويلة أمام شاشات التليفزيون، وبدون النشاط الإعلاني المدفوع الأجر لا يمكن أن توفّر المؤسسات الإعلامية التمويل المادي الكافي لاستمرارها، لذلك تتنافس الشركات المعلنة في تلك الفترة.

وأشار إلى أن الإعلان يهدف إلي زيادة إقناع الجمهور لشراء السلعة أو المنتج والخدمة، كما يعتبر الإعلان من وظائف الإعلام والتي يأتي دورها في مرتبة لاحقة للتثقيف والوعي للجمهور، ولكن من الملحوظ في الوقت الحالى زيادة المساحة الإعلانية التي تقدَّم بين البرامج والمسلسلات في رمضان بدرجة علي المساحة الإعلامية والدور الرئيسي للإعلام وهو تنمية الوعي والرقي بفكر المشاهد، ولكن عندما تطغي المساحة الإعلانية علي هذه الوظيفة قد يتسبب ذلك في عزوف الجمهور والمشاهدين عن متابعة البرامج وحتى تلك الإعلانات ،ومن هنا فقد الإعلام دوره وفقد المعلن الجمهور المتابع للسلعة والخدمة والمنتج، ومن والملفت أن الجمهور يتابع الإعلان من أجل شخصية أو ممثل أو فنان أو سلعة يبحث عنها ولكن عند تكرار الإعلان بشكل أكثر من اللازم وعندما يستخدم الإعلان بعض المشاهد أو الألفاظ التي تخدش حياء المشاهد في ذلك الشهر فقد يؤدي ذلك أيضا لعزوف المشاهد عن متابعته.

وتعجب د. خليفة من انتشار إعلانات التبرع لأعمال الخير ،والغريب في الأمر أن العديد من الجمعيات التي تطلب التبرعات تنفق الملايين أجور للفنانين والمعلنين عن تلك الأماكن لقبول التبرعات! وهذا الأمر أيضا يدعو للحيرة والكثير من التساؤلات في أذهان جمهور المتبرعين قبل اتخاذ القرار في المشاركة في تمويل تلك الجمعيات أو المستشفيات التي تنفق كل تلك الأموال علي الإعلانات! ومن هنا فإن الإعلان يفقد مشاهديه بسبب المحتوي الخادش للحياء، أو لعدم المصداقية في الخدمة، أو بسبب ملل التكرار وطغيان المساحة بشكل كبير حتى أن المسلسل الذي تستغرق مدته 45 دقيقة أو أقل فإن مدة مشاهدته بالإعلانات قد تستغرق ساعتين وهذا إهدار لوقت الصائم والذي من الممكن أن ينتفع به الصائم في أمور يتطلبها هذا الشهر الكريم من صلاة وعبادة وقراءة للقرآن.

إعلانات استفزازية

ويؤكد د. محمود يوسف- أستاذ العلاقات العامة والإعلام بجامعة القاهرة- عدم الالتزام بأخلاقيات الإعلام وقيم المجتمع في بعض الإعلانات الرمضانية التي تركز علي سلع ومنتجات وخدمات استفزازية (منتجعات وقري سياحية وسلع مستفزة)، في مقابل إعلانات أخرى تركّز علي التبرع لكل شئ، وكأن الدولة غائبة تماما، نحن نكلّف المسلسل ملايين "ونشحت علي المستشفي"!

وينتقد د. يوسف عدم تفعيل التشريعات والقوانين المنظمة للعمل الإعلاني قائلا: توجد تشريعات غير مفعّلة أو يتم تطبيقها حسب الهوى!

مليارا جنيه

أشار د. عبدالرحيم درويش- أستاذ الإعلام بجامعة بني سويف- إلى أن حجم الإنفاق الإعلاني خلال شهر رمضان هذا وصل 2 مليار جنيه، وهذا الرقم مبالغ فيه للغاية ويمثّل سفهاً وإنفاقا غير طبيعي، خاصة أن أغلب الإعلانات تخص منتجات استهلاكية وشركات خدمية عجزت هذه الشركات عن تحسين خدماتها التي تقدّمها للجمهور، تدّعي أنها تقدّم عروضا للمستهلك بمناسبة هذا الشهر من خلال هذه الإعلانات التي أنفقت على إنتاجها عشرات الملايين تضاف لتكلفتها في النهاية على المستهلك!

ويحذر د. درويش من طغيان الإعلان على المادة الإعلامية، وهذا الأمر يترك اتجاهات سلبية لدي الجمهور، ويدفعه إلى الانصراف عن هذه القنوات والاتجاه إلى وسائل إعلام أخري، حيث بدأ الكثير من الجمهور تفضيل متابعة المسلسلات والبرامج عبر وسائل إعلامية أخرى، مثل مواقع التواصل الاجتماعي وشبكات الإعلام الأخري حيث المضمون والمحتوي الإعلامي أو الدرامي بدون فواصل إعلانية.

وأشار إلى أنه أطلق هذه التحذيرات منذ أكثر من ربع قرن خلال دراسة علمية حول اتجاهات الجمهور نحو الإعلانات ،والتي أكد خلالها أن الإعلانات أمر كارثي يودي إلى انصراف الجمهور، لكن للأسف لم يؤخذ بنتائج هذه الدراسة، فما يقدم حاليا "إعلانات يتخللها فاصل إعلامي!"، وللأسف، لا المضمون ولا الشكل يناسبان هذا الشهر الفضيل!، فما يقدم فيه يخالف العقيدة وتقاليد المجتمع!

ويطالب د. درويش، وزارة الإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والهيئة والوطنية للإعلام وجهاز حماية المستهلك بالتصدي لهذا الخطر ووضع تشريعات وضوابط تحد من الإسفاف والسفه الإعلاني الذي بات يهدد المجتمع، وكذلك عدم الرضا عما تقدمه القنوات المصرية من مواد إعلامية مستفزة بصورة مكثفة وطويلة جداً تخالف في شكلها ومضمونها أخلاقيات العمل الإعلامي، ونحذر من خسارة الجمهور علي المستوي البعيد والذي بدأ في الانصراف عن هذه القنوات باتجاه وسائل العالمية أخرى في وقت نمرّ فيه بأزمات اقتصادية ومشكلات اجتماعية.

وأنهى د. درويش كلامه مطالبا الشركات بإعادة النظر في التوسع الإعلاني، والاتجاه إلى تحسين الخدمات، حتى لا تتسبب فيما يطلق عليه إخفاقات التطلعات ،وهناك بعض الإعلانات المستفزة الخاصة بشركات الاستثمار العقاري على سبيل المثال تصل تكلفتها عشرات الملايين، ويشارك في تقديمها مشاهير الفن ونجوم المجتمع، في مقابل إعلانات تطالب المواطن العادي بالتبرع لأعمال الخير لأن هذا قد يخلق حقداً طبقياً وتطلعات مريضة بين فئات أفراد المجتمع، ونحن في أمسّ الحاجة إلى تكاتف أفراد المجتمع في ظل ما تمر به البلاد من تحديات.

مأساة كبيرة

يشير د. وليد عناني- مدرس علم الاجتماع الاقتصادي- إلى أنه في ظل تكدس الإعلانات في هذا الشهر سواء إعلانات منتجات أو خدمات مقدمة، إلا أنه يترتب عليها العديد من السلبيات التي تصيب الجمهور المتابع لهذه الإعلانات، ومنها توجيه الناس نحو أنماط استهلاكية لم تكن موجودة من قبل مثل الاستهلاك الترفيهي ‏والسعي لشراء الكماليات على حساب الأساسيات بعيدا عن ‏أن كان يحتاجه أم لا، كما أصبحت تشكل هذه الإعلانات عبئا على الأسر ذات الدخول البسيطة، فالأبناء يريدون شراء ما يعرض في الإعلانات حبًّا في التجريب وتقليد زملائهم مما يجعل ‏‏الأسرة تتحمل قدرا أكبر من المسئولية لإقناعهم بعكس ذلك أو شراء ما يريدون على حساب أنفسهم، كذلك تعمل الإعلانات على زيادة الاستهلاك لدى الأفراد وغرس القيم المادية غير المرغوبة لدى المشاهدين، بالإضافة إلى تدعيم التنافس في الاستهلاك ‏بصوره المختلفة لدى الناس بحيث تعمل تلك الإعلانات على تعميق صور التنافس من خلال إظهار التفاخر والتباهي بشراء سلع معينة، وكذلك من خلال تكاليف الزواج الباهظة والمنافسة في شراء المنتجات وخاصة الأعلى في السعر، كما تعمل هذه الإعلانات على تدعيم الشعور بالتفاوت ‏الطبقي ‏بين الأفراد حيث يشعر بعض ‏أفراد المجتمع أنها تخاطب الطبقات ميسورة الحال أو التي تمتلك القدرة على شراء الشئ المعلن عنه بينما الطبقات الفقيرة لا تستطيع الحصول على هذا الشئ مما قد يشعرهم بالحرمان وعدم المساواة، وبالتالي فهذا يؤكد على أن الرسالة الإعلانية تقوم بدور كبير في حدوث الشعور بالتفاوت ‏الطبقي ‏وغيرها من السلبيات العديدة.

  ويختتم د. عناني حديثه بطرح الحلول لتحجيم الآثار السلبية للإعلانات على أساس ثلاثة مستويات من المواجهة: أولا: على مستوى ‏الأسرة: من خلال التربية ‏السليمة للأبناء عن طريق تربيتهم على الرضا والقناعة وعدم النظر للآخرين فيما يملكون، والتقرب ‏من الأبناء ومحاولة التعرف على مشكلاتهم ومتطلباتهم ومحاولة حلها وتلبيتها إضافة إلى الرقابة ‏الشديدة من الوالدين على الأبناء وعلى ما يشاهدون وتحذيرهم من أصدقاء السوء.

أما الثاني فهو على مستوى المجتمع من ترسيخ القيم الحميدة من خلال المناهج الدراسية ودور العبادة، وإبراز دور القدوة الحسنة من الشخصيات المؤثرة في كل المجالات، مع ضرورة المناقشة والحوار بين الأفراد، وكذلك توافر ‏التوعية المستمرة لتوازن العادات والسلوكيات.

أما المستوي الثالث: فهو مستوى المؤسسة الإعلامية والإعلانية وذلك بإيجاد الطرق المناسبة والقوانين الملزمة من جهة العاملين والمسئولين في مجال الإعلام والإعلان للسيطرة على ما يعرض من إعلانات وخاصة تلك التي تتعارض مع القيم الأخلاقية، وتنفيذ إعلانات تعمل على بث الأمل والتفاؤل بالإضافة للإعلانات التي تشعر المواطن بالعدالة والمساواة، مع محاولة التركيز في عرض الإعلانات على القيم الإيجابية وذلك لغرسها في الجمهور، إضافة حظر الإعلانات غير المناسبة والمنافية للآداب وإيقاف عرضها، وكذلك الرقابة ‏على المادة الإعلانية والجمل والعبارات التي يتم ذكرها داخل الإعلان.

إفساد الذوق

ويحذر الشيخ عادل أبو العباس- عضو لجنة الفتوى بالأزهر- من خطر هذه الإعلانات على قيم المجتمع وتسببها في ضياع الثواب في هذا الشهر الذي جعله الله تعالى موسماً لزيادة الطاعات والخيرات ومناسبة للعطاء والجود ذكرا لله وقراءة لكتابه المعجز الذي أُنزل في هذا الشهر وحذرنا فيه من الانغماس في الشهوات والنظر إلي المحرّمات من مسلسلات وإعلانات تنشر الرذيلة وتثير الغريزة وتفسد أخلاق الشباب والفتيات وتعبث بقيم المجتمع وتسلب أموال المواطنين بمنتجات يعلن عنها علي خلاف الحقيقة.

أضاف أبوالعباس: أصبحنا نسمع عن ملايين ومليارات تُنفق علي مثل هذا العبث بينما نجد مطالبة الفقراء بالتبرع ولو بجنيه مما يجعلنا نضحك، وشر البلية ما يُضحك!! هذا هو صراع بين الفضيلة والرذيلة، بين الحق الذي يجذبنا الله إليه والباطل الذي يجرّنا إليه أصحاب هذه الإعلانات مفسدة، حيث يقول الله سبحانه "وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا".

ويطالب الشيخ أبوالعباس بتطبيق فقه الأولويات ليوضع كل شئ في موضعه حتى لا تحدث التُخمة في أموال الأغنياء ويزداد أهل الفقر فقرا، لأن رمضان دعوة لتنمية الفضيلة وازدراء الرذيلة ،الحل يكمن في تطوير الخطاب في وسائل الإعلام الملتزمة لتعمل على ما يهم واقع الناس وتسهم في تقوية الوازع الديني في قلوب الأبناء، وتنبيههم إلى مراقبة الله تعالى لأعمالهم، وزرع القيم الأخلاقية في النفوس.

وأنهى أبو العباس كلامه موجها نداء إلي أصحاب المنتجات التجارية التي تستخدم هذا الأسلوب، وننصحهم بالابتعاد عن معصية الله والتفقّه في الدين، وأن يعلموا الحلال والحرام، ويدركوا أن الذنب الواحد يحرم الرزق، وأن البركة تمحق بالمعصية وقد قال صلى الله عليه وسلم: "يا معشر التجار، أنتم الفجار، إلا من برَّ وصدق".





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق