من عظمة هذا الشهر الكريم أنه ليس شهر الصيام والتهذيب والتأديب وقراءة القرآن فحسب، بل هو شهر الانتصارات وإعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى في الأرض، حيث كانت الأمة الإسلامية عبر تاريخها الطويل، على موعد مع الفتوحات والانتصارات في هذا الشهر المبارك، ففي شهر رمضان وقعت أهم أحداث التاريخ الإسلامي الظافر وأروع الانتصارات، وارتفعت فيه رايات المسلمين عالية خفاقة، ففي هذا الشهر أكرم الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين الصادقين في كل معركة خاضتها أمّتنا الإسلامية قديماً وحديثاً، منذ عصر النبوة وإلى عصرنا الحاضر، فما مِنْ معركة من المعارك، وما من غزوة من الغزوات التي خاضها المسلمون في هذا الشهر المبارك إلا ونصرهم الله على أعدائهم، ولعلّ في هذا بياناً لأمّتنا الإسلامية لقيمة هذا الشهر ومنزلته العظيمة عند الله.
ولنبدأ بغزوة بدر الكبرى التي وقعت في السابع عشر من رمضان، السنة الثانية للهجرة، والتي أطلق عليها القرآن “يوم الفرقان”، وهي أولى المعارك المهمة في التاريخ الإسلامي، حيث كان عدد المسلمين قليلا جدا مقارنة بعدد المشركين ولكن كانت معهم القوة الإلهية، والمعيّة الربانية التي لا تغلبها أية قوة في الأرض، وفي ذلك يقول تعالى: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ}، فكان النصر للمسلمين، وكانت هذه الغزوة أول انتصار حاسم للإسلام على قوى الشرك والباطل، قال تعالى: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى}، وبعث الله الملائكة الكرام لتشهد المعركة تثبيتاً للمؤمنين، وسحقاً للكافرين، فقال: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ}، فكان يوم الفرقان يوماً صنعه الله ليخزي الكافرين وينصر المؤمنين.
وفي العشرين من رمضان المبارك في السنة الثامنة للهجرة كان فتح مكة الذي دخل الناس في أعقابه دين الله أفواجا، بعدما نقضت قريش صلح الحديبية مما دفع الرسول لتأديبهم فخرج ومعه عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار والقبائل الأخرى، حيث أنعم الله على رسوله وعلى المؤمنين بفتح مكة، وحرص- عليه الصلاة والسلام- على دخول مكة دون قتال يُذكر، فدخلها دخول الشاكرين لله، دخلها وهو راكب على ناقته وكادت جبهته أن تمس عنق ناقته شكراً وخضوعاً لله، دخلها وهو يردد قول الله: {وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا}.
كما أن معركة عين جالوت والتي وقعت في الخامس والعشرين من رمضان 658 هـ، وتعتبر من الصفحات المشرقة في التاريخ الإسلامي، حيث استطاع الجيش المسلم بقيادة قطز ومساعده بيبرس أن يهزم الجيش المغولي “التتار”، الذي قتل ودمّر عبر طريقه الطويل من منغوليا حتى فلسطين بقيادة كتبغا- نائب هولاكو- ولما حمي وطيس المعركة صرخ قطز صرخته المشهورة "وا إسلاماه"، التي حرّكت المسلمين ودفعتهم دفعاً إلى الشهادة، والانتصار على التتار الذي كان يستهدف القضاء الشامل على العالم الإسلامي.
وأخيرا وفـي العاشر من رمضان 1393هـ (6 أكتوبر 1973م) عبـر جنودنا البواسل قناة السويس وحطّم الجيش المصري خط بارليف وألحق الهزيمة بالجيش الإسرائيلي، وقضى على أسطورة الجيش الذي لا يُقهر في يوم من الأيام الخالدة التي سطّرها التاريخ في أنصع صفحاته بأحرف من نور؛ ففي هذا اليوم وقف التاريخ يسجّل مواقف أبطال حرب العاشر من رمضان الذين تدفّقوا كالسيل العَرِم يستردّوا أراضيهم، ويستعيدوا كرامتهم ومجدهم؛ فهم الذين دافعوا عن أرضهم وكافحوا في سبيل تطهيرها وإعزازها فضربوا بدمائهم المثل، وحفظوا لأنفسهم ذِكراً حسناً لا ينقطع، وأثراً مجيداً لا يُمحى، وبإرادة صلبة قوية وإيمان قوي عظيم، وبخطّة دقيقة محكمة فاجأت مصرُ إسرائيلَ والعالم كلّه الساعة الثانية بعد الظهر، وانطلقت أكثر من 220 طائرة تدك خط بارليف الحصين ومطارات العدو ومراكز سيطرته، وفي الوقت نفسه سقطت أكثر من عشرة آلاف وخمسمائة طلقة مدفعية، وتعالت صيحات: الله أكبر، وتم عبور القناة واقتحام حصون العدو وتحطيمها واندحر العدو وهُزِم شرّ هزيمة، ورجعت أرض سيناء كاملة بعد ذلك نتيجة لهذه الحرب المجيدة، في هذا الشهر العظيم.
إن كل الإنتصارات التي تحقّقت خلال رمضان، بقدر ما كانت نتيجة للأجواء الروحانية التي يصنعها رمضان بفيوضاته ورحماته وجوائزه ومآثره التي يغدقها المولى عزَّ وجلَّ فيه على عباده المؤمنين الصائمين، مما يهيّئ لهم أسباب النصر لينتصروا، فإنها محصِّلة كذلك لكمِّ الإنتصارات التي يحدثها وينجزها العبد المؤمن على مستواه الفردي والجماعي في شهر الصيام كما قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}.
فمدرسة الصيام محطّة مهمة ليجعل العبد المؤمن لنفسه فيها برنامجا عمليا لتحقيق الإنتصارات بمفهومها الشامل والتي سنتحدث عنها باستفاضة إن شاء الله طوال الشهر الكريم.
اترك تعليق