دراسة علمية تكشف صفحة منسية من تاريخ الحركة العلمية بمصر وإفريقية
الدكتور إبراهيم عبد المنعم سلامة
الدكتور إبراهيم عبد المنعم سلامة

يذخر تاريخ الإسلام بشيوخ كبار أجلاء برزوا في العلوم الدينية (الشرعية)، كالفقه، وعلوم القرآن الكريم، والحديث، وصَنّفُوا مصنفات قيمة في ذلك المجال، وكانت جهودهم وإسهاماتهم في تلك العلوم إنجازًا إسلاميًا صرفًا. وقد تحلق حولهم جموع من طلاب العلم من أبناء بلدانهم، وغيرهم من طلاب العلم الذين تقاطروا عليهم من الآفاق، ونهل الجميع من فيض علمهم. بيد أن الباحثين المحدثين في مجال التاريخ العلمي الإسلامي - رغم ما قدموه من بحوث كثيرة قيمة - لم ينتبهوا إلى بعض هؤلاء العلماء، وغفلوا عن تناول سيرهم وتسليط الضوء على آثارهم، فصار بعضهم من العلماء المنسيين، رغم ما قدموه للتراث الإنساني من خدمات جليلة.


وفي دراسة مهمة  أعدها الاستاذ الدكتور إبراهيم عبد المنعم سلامة أبو العلا أستاذ التاريخ  الإسلامى والحضارة الإسلامية رئيس قسم التاريخ والآثار المصرية والإسلامية كلية الآداب بجامعة الإسكندرية  انصفت أحد أهم هـولاء العلماء المنسيون وهو الحافظ ابن سَنْجَر الجُرجاني .

 وقد نشرت هذه الدراسة بالمجلد الثالث بدورية علوم المخطوط،  الصادرة عن مركز المخطوطات بمكتبة الإسكندرية وهي دورية علمية سنوية محكمة.

 وبحسب الدراسة فإن الحافظ ابن سَنْجَر الجُرجاني نزيل مصر الذي توفي  ودفن بها سنة 258هـ/872م)، من شيوخ الحديث الثقات الذين نُقل عنهم العلم في القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي، وقد ارتحل إليه بقُطابة بصعيد مصر كثير من طلاب العلم. وقد ساهم ابن سَنْجَر في التكوين العلمي لتلاميذه المصريين، والوافدين عليه من إفريقية، والأندلس، ونيسابور، وسمرقند، وغيرها، فصار بعضهم من شيوخ الحديث ببلدانهم، وقد نقل هؤلاء العلماء المصنفات الحديثية والفقهية لشيخهم ابن سَنْجَر إلى بلادهم، وحدّثوا بها، وهى: المُسْنَد، ومُسْنَد علي، والعين، وتفسير محمد بن سنجر، فانتشرت بين طلاب العلم حتى نهاية القرن السابع الهجري. غير أن تلك المصنفات قد ضُرب عليها بمرور الزمن.

و سلطت الدراسة الضوء على سيرة ابن سَنْجَر وتراثه العلمي، فقد كان هذا التراث مصدرًا مُهمًا للمعرفة استند عليه بعض العلماء بمصر وإفريقية والأندلس. كما ألقت الدراسة أيضًا أضواء جديدة على انتقال مصنفات ابن سَنْجَر إلى إفريقية والأندلس، وستكشف عن رواتها في تلك البلاد، ومنهم: عيسى بن مسكين الإفريقي وأخيه محمد، وأحمد بن عمرور بن منصور الإلبيري الأندلسي، وستكشف أيضًا عن صفحة منسية من تاريخ الحركة العلمية بمصر وإفريقية والأندلس في العصر الإسلامي المبكر.

وقد انصفت الدراسة ابن سَنْجَر الجُرجاني  بالتأكيد على أنه من شيوخ الحديث الثقات الذين نُقل عنهم العلم بمصر في القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي، وقد ارتحل إليه بصعيد مصر حيث نزل، لعلمه الغزير، كثير من طلاب العلم، وتكبد بعضهم فى الرحلة إليه مشاق جمة.

وقد كشفت الدراسة أن ابن سَنْجَر من العلماء الذين أهملهم التاريخ ولم ينصفهم، فلم ينل قدره من الاهتمام الذي يتناسب وقيمته العلمية وأثره في الحياة العلمية بمصر، والمغرب، والأندلس، وربما كان السبب فى ذلك، أن الكُتاب القدامى والمحدثين كانوا يهتمون بذكر مشاهير شيوخ الحديث بمراكز الثقافة الإسلامية البارزة، بالحجاز، واليمن، وبلاد فارس، والعراق، والشام، ومصر، والمغرب، والأندلس.

وأشارت الدراسة إلى  ابن سَنْجَر  قد ساهم في التكوين العلمي لتلاميذه المصريين، والوافدين عليه بمصر من إفريقية، والأندلس، ونيسابور، وسمرقند، وغيرها، فصار بعضهم من شيوخ الحديث ببلدانهم، وقد نقل هؤلاء العلماء المصنفات الحديثية والفقهية لشيخهم ابن سَنْجَر إلى بلادهم، وحدّثوا بها، فانتشرت بين طلاب العلم حتى نهاية القرن السابع الهجري. غير أن تلك المصنفات قد ضُرب عليها بمرور الزمن، فلم تكن مشهورة ومتداولة بين شيوخ الحديث وطلابه في القرنين الثامن والتاسع الهجريين، فعند ترجمة الإمام الذهبي (ت748هـ/1374م)، لابن سَنْجَر، قال عنه: " ويعز وقوع حديثه لنا " ، وأُخبر الإمام ابن حجر العسقلاني (ت852هـ/1448م)، بمُسْنَد ابن سَنْجَر مشافهة .

و تأتى أهمية الدراسة لإلقاء الضوء على سيرة ابن سَنْجَر، وآثاره العلمية التي خلفّها ومصيرها، ولأنها كانت مصدرًا مُهمًا للمعرفة استند عليه بعض العلماء بمصر وإفريقية والأندلس، ولإبراز دور ابن سَنْجَر المهم في تاريخ الحركة العلمية الإسلامية. وتتضح أهمية الدراسة أيضًا أنها ستلقي أضواء جديدة لم تدرس من قبل على انتقال مصنفات ابن سَنْجَر إلى إفريقية والأندلس، وستكشف الدراسة عن رواتها في تلك البلاد. وكشفت الدراسة عن صفحة منسية من تاريخ الحركة العلمية بمصر وإفريقية والأندلس في العصر الإسلامي المبكر؛ فقد أغفل الباحثون المتخصصون في دراسة العلاقات الفكرية بين تلك البلاد أثر ابن سَنْجَر في تشكيل ثقافة شيوخ المغرب والأندلس الذين تتلمذوا على يديه في مصر، فلم يُشر إليه محمود علي مكي في دراسته القيمة عن التيارات الحضارية المشرقية في الأندلس، رغم أنه ذكر أعلام طلاب العلم الأندلسيين الذين درسوا على يد شيوخ الحديث في مصر في القرن الثالث الهجري ، وأشار بعض المتخصصين في الحياة العلمية بإفريقية والقيروان إلى رحلة عيسى بن مسكين إلى مصر وتتلمذه على أيدي شيوخها، غير أنهم لم يذكروا ابن سَنْجَر من بينهم .

ونلتمس بعض العذر لهؤلاء الباحثين؛ فبعض المصادر المغربية لم تترجم لابن مسكين، وأغفلت بعض المصادر التي ترجمت له الإشارة إلى لقائه بابن سَنْجَر وسماعه منه، رغم أنها ذكرت رحلته إلى مصر وكشفت عن شيوخه الذين تتلمذ عليهم هناك.

وبينت الدراسة أن الإمام الحافظ ابن سَنْجَر الجُرجاني كان من العلماء الرّحالين في الآفاق لطلب العلم، وأنه طاف بكثير من مراكز الثقافة الإسلامية المشرقية، كالعراق، والحجاز، واليمن، والشام، فلقى ألف شيخ وأخذ منهم، وانتهى به المقام في مصر فاستوطن قرية قُطابة بالصعيد فنسب إليها ومات ودفن بها، وكان قد جمع كتابة وسماعًا وصنف، وتبحر في رواية الحديث؛ فصنف عدة كتب قيمة في الفقه والحديث، وهى: المُسْنَد، ومُسْنَد علي، والعين، وتفسير محمد بن سنجر. ورجحت الدراسة أن الزمان قد مضى عليها ففُقدت؛ فهي غير موجودة في الوقت الحاضر، وغير متاحة أمام الباحثين. وكشفت الدراسة بجلاء عن اهتمام ابن سَنْجَر بتقييد العلم، وإظهار مقدرته العلمية في التصنيف والجمع والترتيب خدمة للحديث النبوي، وحرصه على الاقتداء بشيوخه أصحاب المسانيد، وكشفت أيضًا عن منهجه في رواية الحديث باعتماده على الرواية، واجتهاده أن تكون الأحاديث محتجًا بها، وعرّفت بالمصادر المكتوبة والمسموعة التي استقى منها موارد مصنفاته.

 وبينت الدراسة أن طلاب العلم القيروانيين الذين رحلوا إلى ابن سَنْجَر ولازموه بقطابة قد أخذوا عنه تلك المصنفات سماعًا وكتابة، عدا كتابه مُسْنَد علي، وبينت الدراسة أن هذا الكتاب لم يصل إلى إفريقية والأندلس رغم شهرته بمصر وإقبال شيوح الحديث وطلابه على سماعه من ابن سَنْجَر، ورجحت الدراسة أن يكون للصراع المذهبي بين السنة والشيعة في المغرب والأندلس أثره في ذلك، فأهل القيروان والأندلس كانوا يعتنقون المذهب المالكي ويتشيعون له، في مواجهة تشيع الفاطميين في بلاد المغرب.

وكشفت الدراسة أيضًا عن أن بعض طلاب العلم الأندلسيين قد سمعوا مُسْنَد ابن سَنْجَر منه بقطابة، ثم نقلوه إلى بلادهم فذاع هناك بين علماء الحديث، وقد حدّث به علماء الحديث الأندلسيين تلاميذهم، فعملوا على نشره بين طلاب العلم ببلادهم. وبينت الدراسة أن بعض طلاب العلم الأندلسيين سمعوا مُسْنَد ابن سَنْجَر عن أصحاب عيسى بن مسكين بإفريقية، ونقلوه إلى الأندلس، وقاموا بروايته لطلابهم هناك. وأثبتت الدراسة أن مُسْنَد ابن سَنْجَر كان أكثر كتبه انتشارًا في المغرب والأندلس، ونظرًا للقيمة العلمية لهذا الكتاب فقد اعتبره مشاهير علماء الأندلس من الكتب الأَوْلَى بالتعظيم في بلادهم. وأخيرًا فقد كان ذلك المُسْنَد ،كما بينت الدراسة، مصدرًا مُهمًا للمعرفة استند عليه بعض العلماء بمصر وإفريقية والأندلس في م من كتبهم.

    وكانت  الدراسة قد ارتكزت  على المنهج التاريخي القائم على الوصف، والتحليل، والاستقراء. وقد حرصتُ على توثيق كل رواية، وتحليل، واجتهاد، انطلاقًا من الأصول التي اتسمت بالكثافة والتنوع. وحرصتُ أيضًا على تخريج الأحاديث النبوية من مظانها الأصلية، وتناولتها بالجرح والتعديل، قصد التحقق من صحتها. وقد اهتممت بالاستشهاد بأكبر قدر ممكن من النصوص التاريخية، والدينية، والأدبية، والجغرافية، وتوظيفها بإحكام ودقة، والاستشهاد بها فى استنباط كثير من التخريجات، فلم أدّخر وسعًا في التنقيب في ثنايا أرشيفات الكتب التراثية .





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق