بعد غد تحتفل مصر كلها بعيد الأم. و"المساء" كما عودت قراءها تحتفل بالأمهات المثاليات الشقيانات. اللاتي يسعين علي الرزق وتربية أبنائهن بالحلال مهما كلفهن ذلك من مجهود وتعب. ويكون المجهود إذا كان الزوج متوفي فتصبح هي الأم والأب مما يضاعف الحمل عليها. لكنها تتحمل بصبر وحب وثقة في كرم الله وتوفيقه لها في نجاح رسالتها والوصول بأبنائها إلي بر الأمان حتي يتزوجوا أو يلتحقوا بالتعليم الجامعي.
بعد غد تحتفل مصر كلها بعيد الأم. و"المساء" كما عودت قراءها تحتفل بالأمهات المثاليات الشقيانات. اللاتي يسعين علي الرزق وتربية أبنائهن بالحلال مهما كلفهن ذلك من مجهود وتعب. ويكون المجهود إذا كان الزوج متوفي فتصبح هي الأم والأب مما يضاعف الحمل عليها. لكنها تتحمل بصبر وحب وثقة في كرم الله وتوفيقه لها في نجاح رسالتها والوصول بأبنائها إلي بر الأمان حتي يتزوجوا أو يلتحقوا بالتعليم الجامعي.
التقيت بعدد من هؤلاء الأمهات اللاتي ترضي بقليله. وتحمد ربنا علي فضله. وكل أمنياتهن من الدنيا الستر والصحة وراحة البال. تجولت في الأسواق والشوارع في عدة مناطق والتقيت بنماذج تمثل شريحة كبيرة من أمهاتنا المكافحات اللائي يستحققن لقب "الأم المثالية".
ـ "أم عبير" نموذج للأم المثالية بكفاحها وصبرها علي ظروف الحياة الصعبة. فهي من الفيوم وتصحو كل يوم خميس قبل الفجر وتركب "ميكروباص" من الفيوم ومعها كميات من البيض البلدي والجبن القريش والجبن القديمة و"المش" الذي تصنعه بنفسها. وتحضر إلي هذا السوق لبيع ما لديها وتظل فيه حتي تنتهي من بيع كل ما لديها وقد تستمر حتي بعد أذان المغرب ثم تعود إلي الفيوم في وقت متأخر من اليوم. بعد العشاء.
قبل ضياع النظر
تقول "أم عبير ــ 55 سنة": توفي زوجي منذ عشرين سنة وأعيش علي هذه التجارة من وقتها حتي تمكنت بفضل الله من تزويج ابنتي الاثنتين. وأعاني من تعب شديد في النظر حيث أجريت عمليتين وجراحتين في الشبكية وفشلتا. حتي اقترب نظري من الضياع.
وعندما سألناها عن أمنية تتمناها قالت:" عاوزة النور لعيني وبس".
ــ رغم أنها كانت تجلس أمام فرشتها التي تبيع عليها الفاكهة ولم يقترب منها أي زبون للشراء لفترة طويلة إلا أنها كانت تبتسم ولم تمتعض وتؤكد: رزقي هييجي لي في وقته مهما اتأخر.. "أم أحمد" بائعة الفاكهة من بني سويف "43 سنة" تقول: لدي ثلاثة أبناء. بنت تزوجت وولد حصل علي دبلوم التجارة ويبحث عن وظيفة لمساعدتنا في النفقات وبنت في الشهادة الاعدادية وعلي الرغم من انني أعمل في بيع الفاكهة بكميات قليلة منذ 15 سنة إلا أن الدخل والحمد لله "يادوب" يكفي احتياجاتنا ويحقق لنا الستر.
سألتها: تتمني إيه؟ قالت: الستر والصحة.
الشغل مش عيب
ــ كثيراً ما يلفت انتباهنا سيدة تمسك بيدها "مقشة" وتقوم بكنس الشارع. وجمع القمامة. ولكن هذه السيدة علي الرغم من نحافة جسمها إلا أنها كانت تعمل بهمة ونشاط في كنس احد الشوارع الرئيسية بالتجمع الخامس. اقتربت منها. وناديت عليها. ورأيت ملامح الطيبة وحنية أمهات الزمن الجميل علي وجهها. فهي من الأشخاص الذين ترتاح إليهم من أول نظرة.
نادية إبراهيم "50 سنة" من محافظة الشرقية تعمل ضمن فريق النظافة بادارة البلدية بجهاز القاهرة الجديدة في التجمع الخامس منذ 15 سنة. تقول: الشغل مش عيب حتي لو كان في نظافة الشوارع. فأنا احضر من بلدتي كل يوم من الساعة السادسة صباحاً وأعمل حتي الساعة الثانية عصراً. وعندي أربعة ابناء جميعهم في التعليم والحمد لله. وبعد وفاة زوجي منذ 15 سنة كافحت لتربيتهم وحرصت علي أن يتعلموا جميعاً ليكون التعليم سلاحهم في الحياة. وأمنية حياتي أن أزوجهم كلهم وأطمئن عليهم قبل وفاتي. وأن يكرمني الله سبحانه وتعالي بالحج إلي بيته الحرام ليكون حسن الخاتمة.
ربنا بيرزق
ــ حسنية مقلد علي "70 سنة" من بني سويف تقول: توفي زوجي منذ 30 سنة وأعمل علي ماكينة لخياطة الشنط الجلد في الشارع ويأيتني رزقي حسب إرادة ربنا واحصل علي أجر حسب كل طلب. فمن الممكن أن آخذ 3 جنيهات أو خمسة في خياطة الشنطة المدرسية أو شنطة اليد أو أي شنط أخري. والحمد لله ربنا بيرزق من ولاد الحلال.
اضافت: عندي 3 بنات وولدان. كلهم تزوجوا والحمد لله. وأحرص كل يوم خميس علي أن أجمع ابنائي وأولادهم في بيت ابنتي التي توفي زوجها. وأعزمهم جميعاً علي الغذاء. ولكن عندي مشكلة أنني تركت الشقة الصغيرة التي كنا نقيم فيها لابني ليتزوج فيها وصاحب البيت عاوز يطرد ابني منها ويقول أن عقد الايجار لا يمتد للأبناء. واصبحت اقيم في مكان ردئ تحت سلم احد البيوت. وكل أمنيتي أن أجد غرفة صغيرة لها باب يسترني حتي يأتي الأجل. وأن ربنا يهدي صاحب البيت لابني ولا يطرده من الشقة. فأين يذهب ومن أين يأتي بثمن شقة جديدة ليحمي أسرته من التشريد؟!.
تقول الحاجة حسنية: كنت قد اصبت من فترة واجريت عملية جراحية وتم تركيب شرائح ومسامير ولا استطيع ركوب أي مواصلة. لذلك اضطر للسير لمسافة طويلة جداً كل يوم حتي أحضر لمكان عملي مما يصيبني بالتعب قبل أن أبدأ العمل. وأهل الخير لا ينسونني وفي نهاية اليوم أترك ماكينة الخياطة في مدخل أحد البيوت بعد استئذان صاحبه حتي أعود في اليوم التالي.
وحيدة مع الدموع
ـ "أم محمد" استوقفني في أحد الشوارع. كانت تمشي ببطء تحمل بعض علب أعواد البخور والمناديل الورقية وتكاد دموعها تسبقها. ويبدو عليها أنها ليست من معتادي البيع في الشوارع. ولا حتي البيع أصلاً. فبمجرد النظر إليها تشعر وكأنك أمام أم لشخصيات ذات شان في المجتمع. فملابسها نظيفة. ووجهها يشع منه النور وكأنها انتهت من أداء الصلاة حالاً. اقتربت منها.قالت: بلاش اسمي عشان ولادي ما يزعلوش مني. أنا أم محمد. زوجي توفي منذ عشر سنوات. وعندي ثلاثة أبناء. ولدان وبنت كلهم متزوجون ويشغلون وظائف جيدة ودخولهم تكفيهم وتفيض. وكلما ذهبت لأحدهم أشعر بعد مرور اليوم الأول بأنني ثقيلة عليهم فأضطر لمغادرة المنزل والعودة لمنزلي لأعيش بمفردي. ونظراً لأن معاشي قليل لا يكفيني أنتظر شهرية من ابنائي لاصرف منها. ولكن مع مرور الوقت انقطعت هذه الشهرية فاضطررت للنزول للعمل. وكثيراً ماتتساقط دموعي اثناء بيع المناديل لأنني اشعر وكأنني اتسول. ولو تمكنت ولو ثلاثين جنيهاً من عائد البيع أعود لمنزلي فوراً وأغلق بابي علي نفسي وتكون الدموع هي رفيقي في وحدتي.
أم مثالية
ــ نموذج آخر مشرف للأم المثالية توفي زوجها منذ عشرين عاماً ولديها ثلاثة أبناء ولدان وبنت. تأتي كل صباح من العمرانية إلي منطقة السيدة زينب للسعي وراء لقمة العيش والرزق الحلال.
تقول: أبيع الخضار منذ 40 عاماً واستيقظ بعد صلاة الفجر لشراء البضاعة من المنيب يومياً واتوجه إلي منطقة السيدة زينب "فهو مكان أكل عيشي اللي اتعودت عليه واتعرفت فيه من سنين" وأقوم بتنظيف جميع أنواع الخضروات للموظفات وتعبئتها في اطباق مغلفة كنوع من التسهيل عليهن بعد يوم عملهن الشاق وانهي يوم عملي في الساعة الرابعة والنصف عصراً. وكل أملي من الدنيا زواج ابنتي "نعمة" فأنا أحاول تجهيزها لكن "العين بصيرة. واليد قصيرة". "الأسعار بتزيد". لكن ابنائي الاثنين تخرجا في كلية التجارة ويعملان في شركة خاصة ويساعداني قدر استطاعتهما.
تضيف: كنت مصرة علي تعليم ابنائي الثلاثة رغم ظروفي القاسية حتي وصلوا إلي الجامعة وكنت وحدي بعد وفاة زوجي الذي تعذب طوال فترة مرضه بالفشل الكلوي لمدة 6 سنوات إلي أن توفي وترك لي ابنائي الذين أفتخر بهم وأتمني لهم السعادة والستر وراحة البال.
اترك تعليق