بشائر فرحة بدأت تكسو أوجه الأبنية الأثرية القديمة بشارعي " الخيامية" و" تحت الربع" بالقاهرة ، ابتهاجا بقرب شهر رمضان الكريم ، فها هي الفوانيس مختلفة الأحجام والألوان تشع أنوارها الحمراء والخضراء و تعكسها على جوه المارة فتزيدهم بهجة وسرورا .
وأيضا على الجدران القديمة وتدلى الفوانيس فتدب فيها الحياة وتتراقص فرحا بعودة الشهر الكريم ....
" الجمهورية اونلاين" عايشت يوما كاملا داخل شارعى " تحت الربع و الخيامية " أشهر أماكن تصنيع وبيع فوانيس رمضان ، وأشغال الخيامية " في مصر والعالم أجمع .... بدأنا رحلتنا الممتعة بشارع " تحت الربع " ، على صوت " عبد المطلب " الذي تعالى بـ" أهلا رمضان" ، تقع عيناك على كل ما يحرك في نفسك الحنين إلى " زمان " ، حيث يناديك نجم الشارع " فانوس رمضان " وقصة عشق الطفولة العالقة في الأذهان حتى اليوم
تحت الربع .. مملكة ( الصاج ) و( أبو شمعة)
3 أجيال تجهز للشهر الكريم .. والاسعار من من 60 لـ750 جنيها
أصحاب المحلات :
المشكلة فى ارتفاع اسعار الخامات .. ونتمنى مد فتح ساعات العمل الى الساعة 12
( شق البطيخة) و( المكرش) و(أبو ولاد) .. الأقدم في التاريخ
( البرج ) و ( النجوم ) و(اللوتس) و(شويبس ) و ( الشمامة ) .. الأشهر
كانت البداية بشارع " تحت الربع" وأول ما تخطو بدخله فماهي إلا ثوان معدودة لتنفصل عن عالمك وتؤخذ لا شعوريإ إلى الوراء مالا يقل عن مائة عام ، وهنا وعلى يسار الشارع يقف " عم أحمد أحمد" البالغ من العمر 62 ، على أبواب فرشته الخاصة بـ" فوانيس رمضان الصاج وأبو شمعة " هو وأبنه حمادة وحفيده عبد الرحمن ، وتراه في حالة عشق وهو يقوم برص وتعليق كل فانوس على حدا ، ولا نستطيع أن نأخذه منها إلا ثواني متقطعة ليقول : ( دي مهنتي أبا عن جد .. بحبها وبنتظر موسم رمضان زي الطفل الصغير وبفرح بالشغل وانا بصنع الفانوس ) ... عرفنا عم أحمد بكل أنواع الفوانيس الصاج المعروضة بفرشته من أول الفانوس الميدالية حتى فانوس " البرج" صاحب أرتفاع الـ 2,5 وتلاتة أمتار قال عم احمد : عندي الفانوس "البرج ، والنجوم ، بولاد ، اللوتس، شويبس ، الشمامة ، الشمعة " وكلها يوجد منها جميع الألوان .. أحمر واخضر وازرق وجميع المقاسات والأسعار من 60 لـ750 جنيها .... وعندي أبو شمعة الصغير القديم بيحبه الأطفال .
وأما أحمد أبنه خريج التجارة الذي ورث عن والده حب المهنة فلم يستطيع أن يعمل بغيرها رغم تعليمه العالي فقال : ( تصنيع الفوانيس الصاج بيستهلك كثير من الوقت ، العام الماضي كان الموسم مضروب بسبب كورونا والحظر ، وعدت على خير وأما هذا الموسم فهو أحسن والحمد لله )
وأما الحفيد عبد الرحمن الذي أنهى امتحاناته بنصف العام للصف الأول الإعدادي ، فكان يمنى نفسه بالحضور من الصباح الباكر ليقف مع جده ووالده لمشاركتهم رص الفوانيس وتلميعها وإحضار المزيد منها من المخزن وتوصيل الزبون بها إلى السيارة وكأنه صاحب أكبر مهمة على الفرشة ، وها هو " جده "يظل يشجعه ويردد عليه جدع يا " عبده" بس خلي بالك بردو الشهادة الأول .
أقدم 3 فوانيس في التاريخ
وعلى بعد خطوات بذات الشارع تواجدت أقدم ورش ومحلات تصنيع وبيع " الفانوس " الصاج أبو شمعة ، وييدو أنها الأصل، أن يجمع المكان ثلاثة أجيال متعاقبة فهذا الحاج مصطفى أبو العدب وحوله أبناءه وأحفاده وأبناء أشقائه ، يقول : منذ 120عاما ونحن نصنع ونبيع " فانوس رمضان الصاج أبو شمعة " .. لان الفانوس الصاج أبو شمعة " روح رمضان " ، عندي أقدم ثلاث فوانيس في التاريخ " شق البطيخة ، المكرش ، أبو ولاد " وفي سنة 62 بعت الفانوس الصاج الكبير بسعر 80 قرشا واليوم وصل سعره لـ600 جنيه وهنا وجد الحاج مصطفى الفرصة للشكوى من استغلال موردي الخامات ، فقال : أن الموردين زادوا من سعر كيلو القصدير اللازم للحام فرفعوه من 600 إلى 1100 جنيه والواح الصاج من 15إلى 25 جنيها ، طن الزجاج من 2000 لـ 4500 جنيه .. استغلوا "كورونا" اللي دمرت الموسم السنة اللي فاتت بس الموسم ده هيكون خير إن شاء الله .
الصيت والسمعة
وها نحن مازلنا نترجل بشارع " تحت الربع " ليقابلنا " فرشة " أخرى لفانوس رمضان الشعبي الأصيل ، وإذ بإبراهيم مجدي الشاب الذي يتعدى الثلاثين عاما بقليل ينظر لنا والفرحة مرسومة على وجه وهو يقوم برص مزيد من الفوانيس أمام فرشته لأن هناك إقبالا على الشراء منه بصفة خاصة ، اقتربنا منه لنعلم السر فقال : ( ده رزق بتاع ربنا ، احنا زبائنا معروفة وبتجيلنا على الأسم والسمعة فرشتنا من سنين السنين .. وصيتنا مسمع والناس بتعاملنا في الجملة والقطاعي وفي اللي جاي من الصعيد ياخد كمية وفي اللي جاي من البلاد العربية .. والسر بقى إننا في أسعارنا ملناش منافس )
وسألناه " إبراهيم " عن معوقات مهنة صناعة وبيع الفوانيس الشعبية التقليدية وهل من مشاكل تقابلهم فقال : ( والله الحمد لله .. احنا بنتأقلم وبنمشي الدنيا عشان العجلة تشتغل شكوتنا في ارتفاع أسعار الخامات ، بس مش هنقف ياريت ترخص شوية عشان نحافظ على سعر مناسب للزبون وكمان ياريت الحي يمد لنا ساعات العمل لـ12 مساء بدلا من 10 ، عشان احنا في موسم وربنا يراضينا كلنا بإذن الله )
فانوس الخيامية .. يخطف القلب
جولة فى ( تحت الربع ) و( الخيامية ) .. لرصد الجديد والتعرف على الاسعار
يمر ب 21 مرحلة .. والصين ( متعرفش تعمل أخوه )
حرفة موسمية .. والجديد صناعة الشاسيه من الصاج بدلا من السلك
التجار :
كسوة الكعبة كانت تخرج من هنا .. ونصدر انتاجنا لامريكا والسعودية والاردن لدينا كل ما يخص رمضان .. فروع الزينة والاضاءة الهلال وفوانيس كبيرة وصغيرة بأسعار تنافسية.
ومع اقتربنا من بوابة المتولي تأخذنا اقدامنا مباشرة لنستكمل رحلتنا في الزمن القديم وندخل شارع الخيامية الذي لا يزيد عرضه عن ثلاثة أمتار وبضع سنتيمترات ويمتد طوله حتى منطقة المغربلين ، فتهل علينا البشائر ورائحة الشهر الكريم ، فها هي أفرع الأنوار الحمراء والخضراء قد شدت أعلى " الدكاكين " التي يزيد مرور الزمن عليها أصالة وعبقا خاصا ، وزينت إضاءتها جدران مبانيها العتيقة وتراصت الفوانيس الخيامية وتلألت مفارشها وستائرها المنقوشة بروح الشهر الكريم ، وأفرع الزينة ، وما زادوا عليه وابتكروه من هدايا أطفال كطبلة المسحراتي وعروسة" بوجي وطمم " والصغير " بكار " وهنا تجد الأب يمسك صغيره وتمسك الأم بالبنوتة ولا يخرجون من الشارع إلا وهم محملين بالفرحة .. فلا نقاش في حتمية وضرورة شراء "فانوس رمضان" وطبلة المسحراتي لكليهما وما زاد عليه من زينة للبيت والشارع و فروع الأنوار التي ستزين لمة العيلة على مائدة الإفطار .
زوايا صاج بدلا من السلك
" فانوس الخيامية " حدثنا عنه العم مصطفى أحمد 60 سنة ، الذي شرح لنا مراحل صنعه منذ تجهيز خاماته من " قماش وسلك نحاسي ، زوايا صاج ، فرنشات التزيين " فقال : يمر فانوس الخيامية بـ21 مرحلة ليخرج في كامل هيئته ويخطف قلوب المارة صغار وكبار ، ولأن كل سنة لابد من التغير والتطوير في شكل الفانوس الخيامية فقررت صنع الشاسيه من الزوي الصاج وليس من السلك النحاس لأن الصاج يعطي ثقل للفانوس ويجعله ثابت ولايتطاير بسهولة من الهواء
تابع العم مصطفى ، بأن مصنعهم الكائن بمنطقة الدرب الأحمر يكون خلية نحل قبيل بدء موسم الشهر الكريم ولديه من العمال الكثير ويحاسبهم باليومية ، ومنهم من ينتج 50 فانوسا.. ومنهم من ينتج 100 في اليوم ، و" كل صنايعي وشطارته " وتابع حديثه أن مصنعه يقوم بالتصدير إلى الدول العربية مثل الأردن والسعودية وحتى أمريكا ، لكن مع غلق المطارات وتوقف حركة السفر تعطل الحال ولكنها ماشية وكفاية بركة الشهر الكريم ، فقط عاتب العم مصطفى مهنته بعتاب واحد وهي أنها موسمية ، مشيدا بالصانع المصري الذي لا يوجد له مثيل في أي دولة في العالم قائلا حتى " الصين " متعرفش تعمل " الفانوس " بتاعنا .
كسوة الكعبة .. من هنا
ويتوسط شارع الخيامية دكاكين " أولاد الشيخ" صاحبة التاريخ الطويل في تصنيع وشغل كسوة الكعبة التي كانت تخرج من مصر قديما ، ويقف بداخلها هاني الشيخ 48 سنة واحد من أحفاد الجد " الشيخ " الكبير ، ليقول كسوة الكعبة كنا بشغلها على أيدينا مع أبي وجدي الأكبر .. و" خيم حجاج عرفات " كانت من عندنا ، وكنا نسافر إلى بلاد الحرمين لتركيب ونصب الخيام ، وحتى الأن مستمرون في توريدها .
وأما عن ما يعرضه لموسم رمضان فيقول : ( عندما كل حاجة تخص رمضان " فروع الزينة ، فوانيس كبيرة وصغيرة ، فروع الأضاءة الهلال ، والمفارش المشمع، والقماش الخيامية ، وستائر التابلوهات التي تحمل رسومات الشهر الكريم ، وكلها رخيصة يبدأ سعرها من 10 جنيهات .
حفر ليزر .. وكله مصرى
أما أحمد عبدالله خريج التجارة وشقيقته فقد وقفا في" دكان " والدهما لبيع فانوس الخشب الحفر بالليزر قائلا ": كل مكوناته مصري ، مافيش حاجة مستوردة كله من جوة ، بلدنا عمرانة بالخير ، الأسعار حسب الأحجام من 35 جنيها لمقاس20 سم لـ150جنيها لمقاس 50 سم وكله بيغني وينور ، وبجانب الفوانيس نزلنا شخصيات كرتون فنانييس و عروسة بوجي وطمطم .
( ايكيا ) .. ب 6 نوافذ
أما "الفانوس أيكيا" فعرضته فايزة محمد ، طالبة جامعية وقفت بجوار والدها الذي انهمك في توضيب بضاعته على جانبي المحل لتحدثنا عن مكوناته وتقول هو فانوس معدن له 6 نوافذ زجاجية ويوجد منه 12 لونا.. أجملها البينك، النيلي ، وعليه إقبال خاصة المخطوبين .
الأجانب بيقولوا علينا ( فنانين )
وداخل أحد ' دكاكين " الخيامية جلس عم "أحمد كتكت "60 سنة ، ورفيقه محمود الحريري 51 سنة ، وهما يمسكان بالخيط والإبرة لصنع مفرش خيامية شغل يدوي ، قالا احنا شغلتنا الأبرة والخيط وممكن نخلص الحتة في 5 أيام أو شهر على حسب مساحة القطعة ، وقالا أيضا هذا عملنا طوال العام نحن تخصص يدوي وباقي المحلات طباعة ، ونبيع شغل" الترك " أي قماش صوان مناسبات العزاء والأفراح للفراشين وبالطبع تأثرت الحالة بظروف البلد وتابعات أزمة كورونا خاصة بعد منع إقامة الأفراح والمأتم ، لكنا نعتمد على الشغل بالطلب، ونعرض ما ننتهي منه للمصريين .. والأجانب وبيقولوا علينا فنانين ، وبدخول موسم رمضان نشتغل الستارة والمفرش الخيامية برسومات زهرة اللوتس والنقش الإسلامي ، لحد 2011 كان الشغل كويس بعدها الحال وقف عشان مافيش سياحة ولما الدنيا بدأت تشتغل جت " كورونا" وقفت الحال .
فراشة الأفراح والعزاء ( نامت) .. بسبب كورونا
ولاتزال دكاكين الخيامية تعج بالزبائن منهم من يشتري بالجملة وآخرين بالقطعة ، حيث وقف أحمد جمعة 44 سنة ، وسط دكانه الضيق والمتكدس ببضاعة رمضان و ها هو يعرض كل ما يخطر على بال الزبون ، من فوانيس و مفارش خيامية و مجسمات حديثة لشخصيات كارتون فاننيس ، كفرات علب المناديل وجميعها مصنوع من أقمشة الخيامية ، لكنه يقول : شغلنا الأساسي هو " الترك" اي أقمشة صوان العزاء والأفراح الخيامية ولكن الجديد فيها هو طباعة الأشكال عليها حسب طلب الفراشين الذين يأتون من كل المحافظات لشراءه ، في حين أن فترة " كورونا" ، وقفت حال البيع والشراء ، لكنها ماشية والحمد لله ، ورغم ذلك لم يفكر هو وأقران المهنة في هجرها والبحث عن أخرى فهي تجري في الدم مجرى العروق قائلا " ومين يهجر مهنة أبوه وجده "
اترك تعليق