كثير من الناس يتحدثون عن تنظيم النسل ويظنون أنه لم يرد الحديث عنه في القرآن الكريم، وأن كل ما ورد بصدده هو حديث العزل فقط الذي يقول فيه جابر بن عبدالله: "كنا نَعْزِلُ على عهدِ رسولِ اللهِ والقرآنُ ينزلُ"، وما يتضح فيه من إشارةٌ إلى إقرارِه- صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- للعزْلِ، وأنَّ اللهَ لم يُنزِلْ فيه قُرآنًا يُحرِّمُه، وفي روايةِ مُسلمٍ: "فبلَغَ ذلك النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فلم يَنْهَنا"، وفي حديث عن أبي سعيد الخدري في شأن العزل أيضا ما يفيد أن وجود النفس يرجع إلى مشيئة الله وليس للعزل أو وسائل منع الحمل إلا انها مجرد سبب.
ولذا فقد نبّه رسول الله إلى أن اتخاذ الوسائل لا يؤثر في مشيئة الله في خلقه فقال في حديث العزل أيضا: "... ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة" (رواه البخاري ومسلم)، هذا في السنة النبوية. أما القرآن الكريم فقد ورد في عدة مواضع ما يشير الى الحثّ على تنظيم النسل، ففي قوله تعالى: "وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ..." البقرة ٢٣٣، حثّ على تنظيم النسل وإعطاء الطفل حقه في الرعاية وكذلك الأم فترة لاستعادة صحّتها.
ذلك أنه كان معروفا عند العرب أن المرأة إذا أرضعت طفلها فإنها غالبا لا تحمل في الأشهر الستة الأولى وقد لا تحمل طوال فترة الرضاع، ولذا كانت بعض النساء تتخذ الرضاعة وسيلة طبيعية لمنع الحمل فتظل ترضع طفلها الى ثلاث سنوات، وفي الآية إشارة الى حق النفقة للأم المرضع والذي يليه حق الطفل في النفقة والرعاية والتربية السليمة.
وقد جعل الله من شروط الزواج القدرة على النفقة، ففي قول الله تعالى: "وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ" [النور:33] حثّ لمن لا يقدرون على النفقة الزوجية الاستعفاف والصبر على النفس حتى يستطيع القيام بحق الزوجة والأولاد، وقد رد القرآن على من يعتقد أن التعدد وإنجاب العيال باب مفتوح بلا شروط فقال الله "وَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تُقۡسِطُوا۟ فِی ٱلۡیَتَـٰمَىٰ فَٱنكِحُوا۟ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَاۤءِ مَثۡنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَۖ فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تَعۡدِلُوا۟ فَوَ ٰحِدَةً أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَیۡمَـٰنُكُمۡۚ ذَ ٰلِكَ أَدۡنَىٰۤ أَلَّا تَعُولُوا۟﴾ [النساء ٣]، ففي الطبري عند تفسير (ذلك ادنى ألا تَعُولُوا۟) معناه ذلك أقل لنفقتك، الواحدة أقل من ثنتين، وثلاث وأربع، وجاريتُك أهون نفقة من حُرة "أن لا تعولوا"، أهون عليك في العيال.
أما الفخر الرازي فقد ورد عنده من أوجه تفسير "ألا تعولوا": المُرادُ أنْ لا تَفْتَقِرُوا، يُقالُ: رَجُلٌ عائِلٌ أيْ فَقِيرٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا قَلَّ عِيالُهُ قَلَّتْ نَفَقاتُهُ، وإذا قَلَّتْ نَفَقاتُهُ لَمْ يَفْتَقِرْ. ومن افضل ما قيل في ذلك ما نُقِلَ عَنِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿ذَلِكَ أدْنى ألّا تَعُولُوا﴾ بمعنى تُعيلوا قال الشافعي ومَعْناهُ: ذَلِكَ أدْنى أنْ لا تَكْثُرَ عِيالُكم. ومِنَ المَشْهُورِ أنَّ طاوُسًا كانَ يَقْرَأُ: ”ذَلِكَ أدْنى أنْ لا تُعِيلُوا“ بمعنى تكثر عيالكم.
والمراد أن الرجل عليه أن ينظر أولا لحاله ومن تجب عليه نفقتهم ورعايتهم فإن لم يكن قادرا على النفقة فلا يتزوّج أصلا فإن قدر على الزواج تزوّج ولم يُكثِر من الأولاد الذين تجب نفقتهم عليه فإذا كانت الزوجة الواحدة أفضل من الزوجتين فمن باب اولى الطفل افضل من الاثنين، والاثنان أفضل من الثلاثة، وهكذا، والمهم هو القدرة على الإنفاق عليهم ورعايتهم وتربيتهم التربية الصحيحة التي تجعل النبي يفاخر بنا الأمم يوم القيامة وليس مجرد الإنجاب فتكون كثرة المسلمين كغثاء السيل تضر ولا تنفع.
أما حديث النبي: "النكاح من سنّتي، فمن لم يعمل بسنّتي فليس مني"، و"تزوّجوا؛ فإني مكاثر بكم الأمم"، و"من كان ذا طول فلينكح، ومن لم يجد فعليه بالصيام، فإن الصوم له وجاء". رواه ابن ماجه. فقد كان في الحث للرجل الغني على الزواج وترغيبه في أن يتّبع سنّة النبي في الزواج والإنجاب ولو طفل واحد وليس المراد منه تكثير النسل بلا قدرة على رعايتهم ونفقتهم، ولذا قال: "ومن كان ذا طول فلينكح" أي من كان ذا قدرة مادية فليتزوّج
اترك تعليق