منتجات الحرير كنز مصري أصيل. عرف طريقه إلي قلوب أبناء النيل منذ آلاف السنين. ليجسد ملحمة تاريخية ورصيداً فكرياً من العطاء والتنمية أبدع في صناعتها الأجداد وأتقن فنون تطويرها الأبناء والوافدون جيلاً بعد جيل. ومع مرور الوقت أصبحت خيوط دودة القز الحريرية سلعة أساسية تضاهي قيمة معدن الذهب الخالص كحلية يرتديها الأغنياء وتهفو إليها قلوب الفقراء لتعتلي بعدها قمة هرم المنسوجات الأغلي في الأسواق العالمية والمحلية.
وفي تجربة جادة وفريدة يقودها أبناء الصحراء الغربية بمتابعة رئيس الجمهورية ورعاية رئيس الوزراء تستهدف إحياء كبري الصناعات المهمة علي الصعيد العالمي بعد تراجع معدلات إنتاجها في مصر لسنوات عديدة. من خلال تنفيذ مبادرة "جنة الحرير" كنواة لأول مشروع قومي يشهد انطلاقة حقيقية علي أسس علمية وتخطيط جيد لإنتاج وتصنيع منسوجات الحرير الطبيعية من يرقات ديدان القز علي مساحة 2500 فدان تشمل مزارع شجرية ومعامل تربية خاصة تستمد طاقتها من أشعة الشمس والري الحديث في سابقة هي الأول من نوعها بقري مراكز الداخلة وبلاط والخارجة بمحافظة الوادي الجديد.
"المساء" التقت أصحاب مزارع أشجار التوت ومعامل تربية ديدان القز. بعد نجاح التجربة وإنتاج باكورة أول خيوط حريرية علي مساحات شاسعة في ثلاثة مراكز إدارية. جري تخصيصها بامتيازات لتشجيع الاستثمار وتوفير فرص عمل للشباب بدعم محافظ الإقليم ورعاية مجلس الوزراء بالتعاون بين وزارتي الزراعة والري أمام تذليل العقبات ومتابعة مستوي الأداء لتحقيق الجودة وسلامة المنتج النهائي. تمهيداً لتصديره إلي الخارج.
يقول محمد فرج أحمد من أبناء مركز بلاط بمحافظة الوادي الجديد صاحب شركة لإنتاج الحرير بقرية تنيدة: إن دودة القز هي يرقة مستأنسة. وحشرة عملية ذات أهمية اقتصادية تمتلك وحدة تصنيع طبيعية كالنحل مع العسل. تبدأ بالتغذية علي أوراق التوت وتنتهي بخروج أنسجة دقيقة لخام الحرير الناعم. الذي يعتمد إنتاج وثبات جودة خيوطها علي العامل البشري والتخطيط الجيد. كما هو الحال في مزرعته المقامة علي مساحة 2500 فدان. تستهدف زراعة مليون فصيلة من أصناف التوت الهندي بواقع أربع آلاف شجرة لكل فدان بجانب زراعات أخري تعمل جميعها بالطاقة الشمسية والري الحديث. من بينها 300 فدان جري استصلاحها كنواة لإنتاج الحرير. ومن المقرر إنشاء مجمع يضم عشرة معامل فنية مجهزة بمكيفات هوائية تعمل علي ضبط درجات الحرارة وتنظيم نسبة الرطوبة بما يتناسب مع طبيعة المناخ وظروف تربية الحشرة مستقبلاً.
أوراق التوت
وفي قرية المعصرة علي مساحة فدان ونصف بمركز الداخلة. أشار محمد عبدربه موظف بالتربية والتعليم صاحب المشروع. إلي أن ديدان الحرير في مزرعته تتميز بثبات معدلات تناولها أوراق التوت علي مدار ساعات متصلة إلي أن تكتمل مراحل النمو. لتتوقف دودة الحرير عن الأكل استعداداً لنسج الغلاف الخارجي للشرنقة لتصبع الدودة يرقة منتجة. موضحاً أنه في حالة بقاء اليرقة علي قيد الحياة خلال فترة تحولها إلي فراشة تقوم بخرق الشرنقة وتقطيع الخيوط الحريرية الطويلة إلي قطع قصيرة عشوائياً. وهو الأمر الذي يدفع منتجي الحرير بالسماح لنسبة قليل من اليرقات بالتحول إلي فراشات تشكل قاعدة إنشاء مزارع الأمهات لوضع المجموعة القادمة من البيض.
يؤكد محمد صالح كساب صاحب أول تجربة لإنتاج الحرير علي مساحة 50 فداناً بقرية أسمنت في الوادي الجديد. أن فكرة مشروعه بدأت بعرض دراسة جدوي من قبل أحد المهندسين الشباب بمركز الداخلة. وتمت الموافقة علي تنفيذها رغم نقص الخبرات. إلا أننا قبلنا التحدي بدعم وتشجيع اللواء محمد سالمان الزملوط محافظ الوادي الجديد الذي قدم لنا وافر التسهيلات. وأزال جميع المعوقات أمام استكمال كافة إجراءات العمل في يناير 2019. أبرزها تخفيض القيمة الإيجارية للفدان بواقع 500 جنيه سنوياً. لنبدأ بعدها وضع خطة طموحة تعتمد علي توفير مقومات إنتاج الحرير وأهمهما أشجار التوت البلدي والرومي المتوفر بكثرة في مصر. إلي جانب الاستعانة ببعض شتلات الهندي القزمي كثيف الأوراق داخل مزرعة تستوعب 40 ألف شجرة.
أضاف نريد المزيد من الدعم في ظل وجود بعض المعوقات التي قد تؤثر في استمرارية الإنتاج أبرزها توصيل شبكة الكهرباء. لعدم كفاية القدرة التشغيلية من ناتج توليد محطة الطاقة الشمسية وأعطال البطاريات المتكررة طوال ساعات الليل.
أسلوب علمي
أحمد عبدالله المدير التنفيذي لمشروع مزارع الوادي الجديد لإنتاج الحرير. أضاف أن نجاح عملية حل الشرانق يكمن في اتباع أسلوب علمي ودقيق يعتمد علي مهارة وخبرات إذابة الطبقة الصمغية الطبيعية التي تغطي شرانق القز للحصول علي أول طرف الخيط وتجميعه من عدة شرانق حسب سمك الخيط المطلوب والمعروفة بالطبخ علي جهاز يدوي أو آلي يسمي "دولاب حل الحرير" التقليدي. مؤكداً أنها عملية تحتاج صبراً وتدريباً جيداً للقيام بها علي الوجه الأكمل وتقليل الفاقد والتالف من التشغيل. علماً بأن جودة الحرير المنتج تعتمد علي سلامة الشرانق بنسبة 70% ومهارة القائم علي الحل بنسبة 30%.
دورات تدريبية
قالت سهير كامل عبدالعزيز مدير مركز الإرشاد الزراعي بمدينة موط: إن هناك أهدافاً ثانوية من التوسع في مشروعات زراعة أشجار التوت باختلاف أنواعها ومساحتها المستغلة حتي الآن بقري مركز الداخلة. منها نشر الوعي الفكري والمعرفي للعائد علي المواطن والمجتمع بشكل عام من خلال تنظيم دورات تدريبية وندوات إرشادية مكثفة بمشاركة كبار المتخصصين والأساتذة ومجالس إدارات الشركات الراعية والرائدة في هذا المجال بالتنسيق مع مديرية الزراعة عن أهمية تلك المشروعات في امتصاص عنصر ثاني أكسيد الكربون وزيادة الأكسجين بهدف تقليل نسبة التلوث البيئي. إلي جانب عملها كمصدات للرياح ووسيلة لمنع زحف الرمال بخلاف الثروة الخشبية الناتجة وتوفير الدخل الأسري.
صرح المهندس محمد عبدالوهاب مساعد المحافظ لمشروعات الحرير والصوب الزراعية. بأن المحافظة نجحت خلال الأشهر الماضية في إحياء أحد أهم المشروعات التي تعرضت للاندثار علي مدار سنوات من التراجع وضعف الإنتاج. والتي كانت أكثر شهرة وانتشاراً منذ آلاف القرون علي ضفاف النيل ودولة الصين صاحبة الريادة. مشيراً إلي أن المحافظة قامت بتسليم أراضي زراعية لإقامة 16 مشروعاً لمستثمرين في مركز الداخلة و14 جري تخصيصها لعدد من الشركات والشباب الجاد بمركز بلاط. إضافة إلي إنهاء إجراءات تسليم ثلاث وحدات إنتاجية لمزارع أبناء الخارجة مؤخراً. ليصل بذلك إجمالي المساحات المخصصة إلي ألفين وخمسمائة فدان. مشيراً إلي أنه من المقرر تعميم مبادرة إنتاج الحرير لتشمل جميع المناطق النائية والأكثر احتياجاً.
يؤكد د.مجد المرسي. وكيل وزارة الزراعة بالوادي الجديد. أن المحافظة أتاحت كل الفرص والتسهيلات الممكنة من تخصيص أراض ودعم مشروعات إحياء أحد أهم الصناعات القومية علي مدار الأشهر الماضية. وأن المحافظة أصبحت تمتلك عشرات المشروعات علي مساحة مئات الأفدنة تم تخصيصها لزراعة أشجار التوت وإنشاء المعامل والمزارع. معرباً عن سعادته بتنظيم الدورات التدريبية طبقاً لتوجيهات محافظ الإقليم لتهيئة المناخ الملائم لتنفيذ الأفكار علي الطبيعة من خلال الاستعانة بمتخصصين وأساتذة في هذا المجال لدعم الشباب بالخبرات والمعلومات من تجارب عملية وإرشادات يمكن من خلال الالتحاق بوظائف شاغرة لدي الشركات المنفذة لتلك المشروعات علي أرض المحافظة.
اترك تعليق