بعد أقل من عامين من نجاح تجربة زراعة 5 أفدنة بأشجار التوت واستخدامها في إنتاج الحرير الطبيعي بصحراء مركز نقادة بمحافظة قنا وجهت جمهورية الصين الشعبية وجهتها نحو مصر لإعادة توطين صناعة الحرير الطبيعي حيث تم اختيار فدان لتقوم المبادرة المصرية للتنمية المتكاملة "النداء" بزراعتها بأشجار التوت معتمدة علي مياه الغابة الشجرية هناك لتصبح مدينة نقادة بصعيد مصر مركزاً لأكبر مشروع في أفريقيا لإنتاج الذهب الأبيض في ضوء تنفيذ توجيهات فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي رئيس الجمهورية بتنمية الصعيد وخلق فرص عمل للشباب.
"المساء" عاشت يوماً كاملاً داخل مدينة نقادة بمحافظة قنا رصدت خلالها تفاصيل نجاح تجربة زراعة التوت وإنتاج الحرير الطبيعي التي كانت نقطة البداية لإقامة أكبر مشروع في أفريقيا لزراعة التوت وإنتاج الحرير علي مساحة 200 فدان في صحراء نقادة بالشراكة مع جمهورية الصين الشعبية.
في البداية أكد الدكتور وليد بريقع المدير الإقليمي للمبادرة المصرية للتنمية المتكاملة "مؤسسة النداء" المنفذة لمشروع زراعة أشجار التوت وانتاج الحرير الطبيعي بنقادة أن المشروع بدأ تنفيذه قبل عامين حيث تم استصلاح سعة 200 فدان بالظهير الصحراوي لمدينة نقادة وزراعتها بأصناف متنوعة من الزراعات ومن بينها زراعة مساحة خمسة أفدنة بأشجار التوت المتقزم واستغلالها في تربية دودة القز لإنتاج الحرير الطبيعي وبعد نجاح التجربة قررنا التوسع في المشروع وتم توقيع بروتوكول تعاون بين شركة مياه الشرب والصرف الصحي بقنا والمبادرة المصرية للتنمية المتكاملة "النداء" لزراعة 200 فدان من شجر التوت المتقزم بمدينة نقادة باشراف كامل من الحكومة حيث ان هناك اهتماماً كبيراً بالمشروع باعتباره إضافة قوية للاقتصاد المصري.
أوضح أن البروتوكول ينص علي تخصيص مساحة 200 فدان بالغابة الشجرية بمدينة نقادة سيتم زراعتها بأشجار التوت المتقزم غير المثمر والمعتمدة علي مياه الصرف الصحي المعالجة في ريها لتربية دودة القز لإنتاج الحرير الطبيعي مشيراً إلي أن المشروع من المقرر له استيعاب 4 آلاف فرصة عمل مباشرة للشباب من أبناءالمحافظة بالإضافة إلي 8 آلاف فرصة عمل غير مباشرة.
وأكد "بريقع" أن المشروع يتضمن عدة مراحل وتقدر المرحلة الأولي بحوالي 5ملايين دولار فيما تصل تكلفة المرحلة الثانية إلي 50 مليون دولار لافتاً إلي أن المشروع يعد الأكبر من نوعه في قارة أفريقيا وذلك ضمن مشروع إعادة توطين صناعة الحرير في دول إفريقيا بالشراكة مع جمهورية الصين الشعبية مشيراً إلي أنه تم اختيار مدينة نقادة لتنفيذ المشروع بها وذلك بعد نجاح تجربة التعاون بين مؤسسة النداء وهيئة التنمية الزراعية في زراعة مساحة تقدر بـ 20 فداناً بالظهير الصحراوي بذات المدينة حيث تم فعلياً إنتاج خيوط الحرير الطبيعي وتصنيع بعض المنتجات الخاصة به.
كشف المدير الإقليمي لمؤسسة النداء أنه المقرر أن نبدأ بعد ثلاثة أشهر من الآن في زراعة الأرض ومساحتها 200 فدان وذلك عقب تجميع مياه الصرف بمشروع الصرف الصحي بنقادة خاصة أن المشروع دخل الخدمة قبل أيام قليلة وتبلغ طاقته الاستيعابية 16 ألف م3/ يوم وننتظر تجميع المياه حتي نبدأ الزراعة لافتاً إلي مشاركة خبراء من الصين في الإشراف علي المشروع وسيكون دورهم إشرافياً فقط مع تقديم الدعم الفني وتزويدنا بشتلات التوت وبيض دودة القز ومعدات فك الشرانق ومعدات غزل خيوط الحرير كما أن جمهورية الصين ستقوم باستقطاب المستثمرين لإقامة مصانع علي أرض نقادة لإنتاج الحرير الطبيعي والصناعات القائمة عليه وستكون العمالة في كافة مراحل المشروع مصرية من أبناء مركز نقادة وباقي مراكز محافظة قنا.
قال علي ماهر مشرف عام المشروعات الزراعية بمبادرة "النداء" ان مشروع إحياء إنتاج الحرير الطبيعي في صعيد مصر جاء بعد نجاح تجربة زراعة 5 أفدنة بمدينة نقادة بعد أن كانت صناعة الحرير قد اندثرت في الصعيد لافتاً إلي أن المشروع الحالي ممول من مؤسسة ساويرس للتنمية الإجتماعية وتنفذه المبادرة المصرية للتنمية المتكاملة وقد كانت البداية من خلال قيام الدكتور ضياء عبده مدير برنامج التنمية الزراعية بمؤسسة "النداء" والخبير الدولي السابق بمنظمة الفاو بالاشتراك مع مجموعة خبراء بتكوين فريق من تخصصات مختلفة وعمل دراسة استغرقت عاماً كاملاً تناولت كافة مشروعات إنتاج الحرير الطبيعي في مصر وأسباب فشلها وكذلك المشروعات التي حققت نجاحاً ثم توقفت وأسباب ذلك إضافة إلي دراسة تجارب خارجية في الهند وتايلاند وعوامل نجاح هذه المشروعات وبعد ذلك تم عمل نموذج مبادرة "النداء" كنموذج خاص لم يتكرر من قبل وبما يتناسب مع طبيعة مركز نقادة ومحافظة قنا وصعيد مصر بشكل عام.
أكد مشرف عام المشروعات الزراعية بمبادرة "النداء" أن مشروع إنتاج الحرير الطبيعي في نقادة هو أول مشروع متكامل في مصر حيث يبدأ بالزراعة وينتهي بالوصول إلي المنتج النهائي ممثلاً في خيوط الحرير مشيراً إلي أنه بعد تخصيص الأرض من قبل الحكومة تسلمنا الأرض في قلب الصحراء وهي غير صالحة للزراعة تماماً ولكن كان نجاح المشروع أكبر تحد بالنسبة لنا وبدأنا في استصلاح الأرض في شهر نوفمبر عام 2018 وبدأت الزراعة للمرحلة الأولي في يناير 2019 لمساحة ثلاثة أفدنة ثم المرحلة الثانية في يناير 2020 وتم خلالها زراعة فدانين بأشجار التوت إضافة إلي إقامة محطتين للطاقة الشمسية بقدرة 285 وات للمحطة الواحدة وكل محطة بها 16 لوحاً ويتم الري للأرض بالتنقيط حيث تم اختيار شتلات "التوت الهندي" والتي لا تتجاوز مترين في الطول ويتم جني الأوراق وتقديمها كغذاء في مرحلة التربية لديدان القز حتي وصولها للعمر الخامس قبل أن يبدأ التشرنق علي أفرع أشجارا الجازورين وذلك في ثلاث دورات خلال العام الواحد في أشهر مارس ويوليو وأكتوبر لافتاً إلي أن جني الأوراق يستغرق من 40 إلي 50 يوماً ويتم وضع الشرانق في مجفف حيث تمر الدورة بمرحلتين ولابد أن تتعرض الشرانق للتجفيف حتي لاتخرج منها الفراش وتتلف الشرانق ففي هذه الحالة لم يتم إنتاج خيوط حرير ولذا يجب أن تتعرض الشرانق للتجفيف وتموت فراشة دودة القز من الداخل وهذا يستغرق أسبوعاً بعد ذلك يتم حل الشرانق ليخرج منهاخيوط الحرير ثم تتم مرحلة البرم والزوي حسب الاحتياج ويعقب ذلك البدء في عمل المنسوجات سواء فركة أو سجاد.
وأشار إلي أن 75% من الطاقة الإنتاجية للمشروع تتم داخل المزرعة و25% فقط داخل المنازل حيث يجري حالياً إنشاء مجمع علي مساحة 1200 متر داخل المزرعة سيستخدم الدور الأرضي لتربية الديدان والأدوار العلوية لإنتاج الشرانق وحل الشرانق وإنتاج الحرير وعمل السجاد والمنسوجات اليدوية "الفركة" إضافة إلي قاعة للتدريب حيث نسعي أن تصبح المزرعة منارة للتدريب نظراً لوجود العديد من النماذج القابلة للتكرار وهدفنا رفع قدرات المزارع القنائي لافتاً إلي أنه سبق أن تم توقيع بروتوكول تعاون مع كلية الزراعة بجامعة جنوب الوادي لتدريب المزارعين علي إنتاج الحرير الطبيعي وفي ضوء تنفيذ مشروعنا تم اختيار قريتي "البحري قمولا" و"الخطارة" بمركز نقادة للعمل في مشروع الحرير الطبيعي ضمن نسبة الـ 25 % من الطاقة الإنتاجية المخصصة للمنازل وتم تدريب عدد 20 أسرة في القريتين ومدها بحوامل تربية الديدان ويتم في قرية الخطارة إنتاج الفركة بينما يتم في قرية البحري قمولا إنتاج السجاد وهذا لما تتمتع به صناعة الفركة من أثر كبير وتاريخ سابق يستوجب إحياءها مرة أخري كما نأمل أن يتم تكرار تجربة "ساقية أبو شقرة" في قرية البحري قمولا بنقادة لافتاً إلي أنه يتم تحفيز الأسر المشاركة في المشروع من خلال تزويدها بالشرانق وإعادتها مرة أخري في هيئة خيوط واستلام المنتج النهائي وتسويقه أو ترك فرصة التسويق لهم وفي كل الأحول المشروع يعتبر مصدر دخل لتلك الأسر حيث ان المؤسسة غير هادفة للربح.
أوضح أن إعادة توطين صناعة الحرير في صعيد مصر سيساهم بشكل كبير في سد الفجوة الكبيرة في الاستيراد مشيراً إلي أن سعر كيلو الحرير قبل نوفمبر 2016 وتعويم الجنيه المصري كان يتراوح ما بين 500 إلي 600 جنيه وبعد ذلك أصبح 900 جنيه ووصل الآن سعر الكيلو ما بين 1200 إلي 1500 وأحياناً يصل إلي 2000 جنيه مشيراً إلي أن استهلاك مصر من الحرير يصل إلي 250 طناً سنوياً بينما ما يتم إنتاجية يتراوح ما بين 600 إلي 700 كيلو.
قال المهندس مصطفي حلبي مدير مزرعة التوت بنقادة أن المشروع يمثل نقلة كبيرة لنقادة لكونها من المدن التي تعاني عدم وجود أي مصانع أو مشروعات استثمارية لافتاً إلي أن بداية المشروع كانت تحدي كبير خاصة أن الأرض كانت عبارة عن تضاريس وهضاب ومع ذلك تم تمهيدها وإعدادها للزراعة وعمل إحلال للتربة وحفر عدد 2 بئر للمياة بعمق 60 متر لكل بئر وتركيب محطتي طاقة شمسية وبعد زراعة التوت بدأنا في استيراد الديدان "دودة القز" من عدة دول منها بلغاريا والصين والهند وتايلاند وذلك بواقع 20 علبة بيض ستصل إلي 60 علبة في المشروع الحالي القائم علي مساحة 5 أفدنة مشيراً إلي أن المشروع ساهم بشكل كبير في توفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لأبناء مركز نقادة كما أن مشروع زراعة الـ 200 فدان التي ستبدأ خلال شهور قليلة سيؤدي إلي إحداث نقلة حقيقية لمركز نقادة.
أضاف الحاج سيد أحمد علي عبدالرحمن "أحد العاملين بالمشروع" من قرية حاجر المنشية بمركز نقادة قائلاً "نجحنا في تحويل الصحراء الجرداء إلي منطقة خضراء" مؤكداً أهمية المشروع الذي سينقل نقادة من منطقة تحت خط الفقر بما يساهم في زيادة الموارد الاقتصادية وتوفير فرص العمل للشباب حيث أن هناك شباباً وفتيات يعملون في المشروع ويصل العدد إلي 20 فرداً في اليوم يشاركون في جني أوراق التوت وتقديمها كعلف للديدان حيث نحتاج إلي 3 وجبات للديدان في اليوم بما يوازي طناً ونصف الطن يومياً من أوراق التوت وقال أن المشروع "فاتحة خير" بالنسبة له حيث انه استطاع أن يعيش في بلده وسط أسرته ليرعي أطفاله الـ 8 بعد أن قضي سنوات حياته يعمل بمدينة رأس غارب بحثاً عن لقمة العيش.
ويلتقط أطراف الحديث ياسر عبده فكري "فني شبكات الري بالمشروع" قائلاً أن دوره في المشروع القيام بري الزراعات "ري بالتنقيط" وأوضح أن الشبكات تتكون من عدة خطوط الخط الرئيسي الأول 4 بوصة والخط الثاني فرعي 3 بوصة والخط الثالث فرعيات داخل الحقل 2 بوصة مع استخدام خراطيم G.R ويتم ضخ 6 لترات ماء كل ساعة وقال أن الري يختلف من فصل الشتاء عن فصل الصيف حيث تحتاج الزراعات إلي الري كل يومين صيفاً بسبب زيادة نسبة التبخر أما في فصل الشتاء فقد يتم الري كل أسبوع أو حسب الحاجة وأكد أن العمل في مشروع إنتاج الحرير حقق حلمه في إيجاد فرصة عمل داخل بلده بعد أن قضي 12 عاماً في الغربة والعمل داخل دولة الكويت قائلاً "كفاية اني قاعد في بلدي ووسط أولادي".
اترك تعليق