مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

تحوى 200 كتاب ووثيقة أثرية.. وقائع وحكايات تاريخية تكشف عنها مخطوطات "سحارة" بلاط الخشبية.صور وفيديو

مع كل ورقة مطوية ذكريات تحمل قارئها إلى ماضي بعيد ، بين دروب الطرقات المغطاة بحبات الرمال وجذوع النخيل وصراعات الفرسان وقصص الطيبين التى اشتهر بها سكان مدينة "بلاط" القديمة ذات الأصول الفرعونية تحكى تاريخ مجتمع الواحات القديم على مر العصور منذ عشرات السنين فى منزل مواطن يمتلك مئات الوثائق والكتب والمجلدات النادرة والتى ورثها عن أجداده لأكثر من 40 عاما دون أن تمسها أيدى بشر أو يلحق بها الضرر ، لقيمتها الأثرية والتاريخية ، حفاظا على إرث عائلته العريقة وما بها من تراث وعبر.


أسرار وحكايات نكشف عنها فى وثائق ومخطوطات تاريخية تقدر بلغت من العمر 300 عام ، محفوظة داخل إحدى الصناديق الخشبية المعروفة بإسم "السحارة" لها جيوب سرية كوسيلة كان يعتمد عليها أهالى الواحات الغربية لحماية اشيائهم ومقتنايتهم الثمينة تروى قصص المعاملات القديمة وتصف بعض جوانب الحياة المجتمعية والمنازعات القائمة بين الخصوم فى ساحات القضاء ، وكذا توثيق عقود بيع وشراء منازل وحظائر ووقفيات أراضى زراعية وما إلى ذلك من حصص المياه فى مناطق توزيعها تحمل ختم المحاكم الشرعية بالقلمون ومدينة القصر الإسلامية ، بجانب كتب ومؤلفات دينية تحوى أحكام شرعية وسرد لأمور الدنيا وشئون الرعية من منظور العلماء وآراء الفقهاء داخل دوايين العمل بالواحة الغربية مقر الحكم وتطبيق العدالة فى ذلك الوقت من الزمان.

الجمهورية أون لاين ، ترصد وقائع نادرة ومشاهد منقولة يرويها وريث إحدى عائلات مركز بلاط لما لها من جذور تاريخية تمتد إلى ما قبل العصر المملوكي بمحافظة الوادى الجديد طبقا للأحداث والتواريخ المدونة على وثائق ومستندات ذات قيمة أصيلة كتبت بخط اليد وطبعت بحبر الأرض الأسود فى سطور وعبارات تخللتها كلمات ومصطلحات تؤكد فطنة حكام الواحات وتقوى الزهاد من المشايخ وأصحاب الرأى الراجح خلال الجلسات العرفية وأمام ساحات القضاء ، ممن عاشوا تلك الفترة الزمنية نقلا عن الأجداد محفوظة داخل صناديق خشبية عتيقة ومجلدات ورقية تفوح منها رائحة الزمن الجميل ومواقف طريفة وأخرى عجيبة تجسد تراث مجتمع الصحراء ورحلة عطاء وكفاح سنوات من الكد والعمل لتأمين حياة الأبناء ورد الحقوق إلى ذويها ، أبرزها مخطوطات يتجاوز عمره 300 عاما وكتب فقهية للعلامين والزهاد ، وأخرى تصف الأشخاص ، وغيرها من مختلف نواحي الحياة المجتمعية ذلك الوقت.

وفى منزل عائلة "أبوالحسن" ، تجد البساطة والمتعة وأنت تطالع كلمات ما بين السطور وحكايات خلدتها مقتنيات ورقية تركها الأجداد للأجيال الحالية كمرجع وتراث يحتاج إلى ابحاث ودراسات لكشف ما بها من مضامين وعبر إنسانية تحمل عبق التاريخ وأصالة الماضى العريق ، والتى لا تزال تحتفظ برونقها وإبداع كاتبها من روائح الزمن الجميل بالرغم من مرور أكثر من 3 قرون تاريخ مولدها ، لترى النور بريشة حبر التربة السوداء بواسطة أفضل خطاطى وكتبة ذلك الوقت من الزمان.

يقول ابوالحسن سيد سنوسى أحمد حمد القصبى 64 عاما بالمعاش ، من أبناء مركز ومدينة بلاط بمحافظة الوادى الجديد ، عندما تذكر الواحات تتبادر إلى الأذهان أفكار ومعتقدات كثيرة حول ماهية ذلك المجتمع ثانى أقل محافظات مصر كثافة سكانية والبعيد عن مظاهر المدنية على أطراف الصحراء الشاسعة بوابة مصر الممتدة من الغرب إلى الشمال حتى الجنوب على مساحات تقترب من نصف أراضى الجمهورية بإجمالى 440 ألف كيلو متر تقريبا ، ينعم فيها سكان الواحات بالهدوء والطمأنينة ، مشيراً إلى أن الواقع يعكس مدى تقدم ورقى مجتمع الواحات قديما ، فى إشارة إلى ماورد من حقائق وتفصيلات تم اكتشافه حديثاً فى وثائق ومجلدات تاريخية ورثها عن جده الأكبر شيخ مشايخ الواحات فى عصر الملوك والأمراء تؤكد صحة ذلك.

وأضاف "سنوسي "أن واحة بلاط تعتبر أحد أقدم المناطق ضمن أوائل المجتمعات القديمة ذات البنية المتأصلة الضاربة بجذورها فى صفحات تاريخ الواحات القديم والمعاصر ، من حيث الهوية وطريقة البناء والأماكن الأثرية والتراثية التى تزخر بها منذ أقدم العصور ، والتى لا تزال تحتفظ بطابعها الخاص من منازل سكانها المبنية بالطوب اللبن وشوارعها المفروشة بالرمال الصفراء الناعمة على الطراز الفرعوني فى مدينة بلاط الإسلامية المطورة حديثا .

مشيراً إلى امتلاكه أكثر من 200 وثيقة تاريخية عن أجداده وكتب دينية أبرزها القرآن الكريم كتبت بخط اليد كاملا بنظام الهوامش وتفسير الجلالين من الداخل ، وهو من أوسع التفاسير انتشاراً، إضافة إلى احتوائها على علوم الإعراب، والحديث في الناسخ والمنسوخ، ومعانى المفردات ، وهو الأمر الذى يتطلب ضرورة إهتمام العلماء والباحثين بمراجعته وإسناده إلى الجهات المختصة لتعميم أوجه الإستفادة وحفظه للأجيال القادمة.

ويروى وريث عائلة "حمد" ببلاط ، فى تصريح خاص ، أن بعد وفاة جده لوالدته ترك خلفه صندوقا خشبيا كبيراً يعرف "بالسحارة" وهى حاوية ثقيلة لها جيوب سرية لا تراها عين الكاشف أو الباحث ، تحوى عشرات الوثائق التاريخية والكتب الدينية التى تروى المعاملات القديمة والمبايعات وصكوك الملكية ، وعددا كبيراً من الوقفيات الزراعية وحصص المياه التى وهبها أجداده لأبنائهم منذ ثلاثة قرون تقريبا ، مشيرا إلى أهمية تلك المقتنيات الأثرية لكونها تعود إلى أكثر من 300 عام على أقل تقدير بجانب دقة كتابتها بأسلوب اتقنه كتبة ذلك الزمان تحمل أختام المحكمة الشرعية بالقلمون والقصر وتوقيع القضاة وبعض حكام الواحات القديم.

وتابع أن من أكثر الرويات شيوعا وانتشارا قصة شعبية تناقلتها ألسن المداحين وكبار الأعيان تصف شجاعة وبأس جده سويفى وشقيقه حمد ، حيث كان يستطيع الأول كسر ساق أو جذع أشجار السنط بيده كما يكسر عود القصب ومواجهة عشر رجال بمفرده كما حدث مع لصوص بدو الصحراء ، فيما اشتهر جده الثانى بقدرته على مصارعة أقوى الفرسان فى مبارزة بالسيوف والسهام فوق جواد فرسه ، إلا أن كلاهما توفيا فى ساعة واحدة على إثر حادث وقع لهما فى ظروف غامضة منذ 250 عاما تقريبا ، علما بأن جده سويفى عاش من العمر 160 سنة ، مؤكدا أن تلك الروايات سمعها مرارا وتكرارا منذ أن كان صغيراً عن جده لوالدته وكبار المعمرين والمشايخ من أهالى مركز بلاط وغيرهم بالقرى والمدن المجاورة.

وعن حقوق المرأة ودورها في تنمية المجتمع ذلك الوقت ، أشارت زوجة "ابوالحسن" بالمعاش ، إلى أن الوثائق ذكرت وقفيات وتوريث زراعات ومنازل وغيرها للإناث مثل الذكور كما ورد في السنة المطهرة ، ولم يغفل أجدادها منح المرأة حقوقها كاملة لما كانت تحظى بمكانة رفيعة ومنزلة عالية لوفائها وتضحياتها من أجل تربية الأبناء ومشاركة الرجال صنوف العمل الشاق وخاصة فى ذلك الوقت والظروف المعيشية المتردية فى عرين الصحراء بمركز بلاط ، مضيفة أن جميع الأوراق والمستندات ووثائق المبايعات والشكاوى تحمل توقيع بعض حكام الواحات ورؤساء المحاكم الشرعية ، أبرزهم حسن على الكنانى خلال عام 1251ه‍ ، والقاضي عبدالله غيطاس يس رئيس المحكمة الشرعية بالقلمون سنة 1260ه‍ ، ويوسف محمد على قاضي الوقفيات والحكم فى المنازعات.

وناشدت إبنة مركز بلاط وزوجها الجهات العلمية والمختصة والقيادة التنفيذية بالمحافظة ورئيس جامعة الوادى الجديد تشكيل لجنة علمية للإطلاع على الوثائق التاريخية المحفوظة بمنزله ، مشيرة إلى ضرورة بحث إمكانية توفير معرض ثقافى أو إنشاء مكتبة تضم مئات المجلدات وعشرات كتب الفقه والدين الموجودة لدى العديد من أبناء القرى على مستوى المحافظة منذ مئات السنين ، وذلك كوسيلة لحفظ التراث كما هو الحال بدار المحفوظات المركزية قبل أن تتلف وتذهب ادراج الرياح.

ويؤكد أحد الباحثين ، أن هذه الوثائق تتناول تاريخ عائلة لها جذور تاريخية هامة في مدينة بلاط ، وهي بمثابة توثيق لحياة وأفراد هذه العائلة من بيع وشراء ووقفيات وتعاملات مع القرى الاخري ، مشيراً إلى أن هذه الوثائق لها قيمة تاريخية وعلمية كبيرة لما تتضمن من أصول وفصول وشروح مختلفة ترصد جوانب الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في حقبة زمنية من تاريخ الواحات الداخلة وبلاط ، نافيا أى محاولات للتشكيك فى مدى صحتها أو تاريخ كتابتها وخاصة تحمل توقيعات وتواريخ وثقت في المحكمة الشرعية بالقلمون وكذلك المحكمة الشرعية بالقصر الاسلامية ترصد معلومات عن الأنساب والأعراف والتقاليد والمواقع واحداثها وثقافتها المعمارية.

من جانبه أكد الدكتور عبد العزيز طنطاوى رئيس جامعة الوادى الجديد، استعداد الجامعة تبنى قضية حفظ التراث الواحاتى من وثائق ومجلدات موروثة بالتنسيق مع اصحابها بواسطة تشكيل لجنة علمية تختص بدراسة وتحليل المحتوى التاريخى ، معرباً عن ترحيبه بتنفيذ مقترح يضمن سلامتها تقديرا لقيمتها العائدة على الباحثين وطلاب الجامعة من خلال تخصيص قسم بمتحف التراث الثقافي بالجامعة لعرض المخطوطات تحقق الإستفادة العلمية وتحفظ التراث.






تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق