استحل الساعون وراء الربح استخدام الإيحاءات غير الأخلاقية في الإعلانات الدعائية للمنتجات وخدش الحياء، لتبقى وسيلة في الترويج لدعاية بأرخص الطرق، دون النظر إلى أخلاق المجتمع وهُويته من خلال استخدام ألفاظ يرفضها المجتمع، ولا تقبلها الأسرة المصرية.
"عقيدتي" واجهت المختصين عن الإعلانات الخادشة للحياء عبر الفضائيات والمواقع الإلكترونية، عن كيفية المحافظة على الذوق العام، وحكم الإسلام في القائمين عليها؟
يؤكد د. عادل عامر- أستاذ القانون العام جامعة المنصورة- أنه خلال الآونة الأخيرة انتشرت الإعلانات الخادشة للحياء وإذاعة الصور والفيديوهات المخلَّة، من أجل زيادة عدد المتابعين، وضمان الحصول على مبالغ مالية من شركات أجنبية بالخارج، لا يعلم أحد مصادر تمويلها أو جنسيتها، التي ستقع تحت طائلة قانون العقوبات، وهي التحريض على الفسق والفجور وخدش الحياء، وشيئا فشيئا دخل المنتجين في الداخل الي الوقوع في نفس البئر العفنة بحثا عن الأرباح على حساب الأخلاق والقيم!
والعقوبة في جريمة التحريض على الفسق والفجور والإعلانات الخادشة للحياء قد تصل إلى الحبس سنتين، ونصت المادة 306 مكرر (أ) من قانون العقوبات أن عقوبة مرتكب جريمة "خدش الحياء" الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تجاوز سنتين، وغرامة لا تقل عن خمسمائة جنيه ولا تزيد على ألفى جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، وذلك كل من تعرض لشخص بالقول أو بالفعل أو بالإشارة، على وجه يخدش الحياء.
التصدى بحسم
ويطالب د. عادل بالتصدي للجرائم الخادشة للحياء بكل حسم، داعية الجميع إلى التفريق بين حقوق التعبير والإبداع الحر، ودعاوى الابتذال والإباحية والسعي لجني المال بطرق مخلة غير مشروعة، وكل ما به إيحاءات جنسية وابتذال، يخدش الحياء ويؤثر بالسلب على القيم والمبادئ الأسرية.
قيم الإعلان
ويرى د. صفوت العالم- أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة- أن هناك قيما للإعلان لكنها لا تتطرق بشكل صارم للتصدي لمثل هذه الإعلانات الغريبة الدخيلة بهدف تدمير قيم المجتمع، والمشكلة أن هناك بعض الإعلانات المقدّمة تستهدف المراهقين وكأنها تحثّهم على الرذيلة!
وطالب بضرورة إنشاء لجنة أمناء للإعلام والإعلان من جميع الشرائح الثقافية بالمجتمع لإعداد ميثاق شرف يحوي بنودا صريحة لمراقبة ما يُبث عن القنوات الفضائية على حسب قيم كل دولة، مثلما تمنع القنوات الفضائية في الدول العربية إعلانات الخمور والسجائر، لأن الضغط الجماهيري قد يجبر معلناً على وقف إعلان بسبب الإباحية، لأن أي منتج يريد في النهاية المكسب وليس تحدي شعور الناس.
وأشار إلي أن هوس الشهرة وجمع المال وإنحدار الثقافة سبب انتشار مثل هذه الإعلانات لأن تلك الإعلانات موجهة وتستهدف فئات عمرية حرجة والتي تتركز على المراهقين الذين يعانون من اضطرابات نفسية ووقت فراغ أكبر، ولهذا لابد من دراسة تلك الإعلانات بعناية وتوعية الشباب منها ومواجهتها لأن تبدأ بملء الفراغ ثم تجذب الشباب بتقديم تنازلات للحصول على المال من أجل جذب الشباب وتحقيق مشاهدات أكبر.
ضوابط شرعية
ويؤكد د. علي محمد الأزهري- عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر- أن مراعاة الذوق العام ضرورة وحاجة ملحة للمجتمعات، وقد رسّخ سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم الذوق كله في المجتمع؛ فقال: "إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق". وعندما سُئلت السيدة عائشة- رضي الله عنها- عن خُلِقِ سيدنا رسول الله قالت: "كان خُلُقُهُ القرآن، وكان قرآنًا يمشي على الأرض".
ومن هنا: نجد أن سيدنا النبي جاء يعلّم البشرية جمعاء هذه الأذواق الجميلة التي تعلم منها الغرب هذا الفن في التعامل مع الآخرين وسموه فن الإتيكيت. والذوق العام يشمل الهيئة أي مظهر الإنسان، ولقد قال سيدنا جابرُ بنُ عبدِاللهِ رَضِي اللهُ عَنهما: "أتانا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم، فرَأىٰ رَجلًا شَعِثًا قد تفَرَّق شَعرُه"، أي: مِن قِلَّةِ تَمْشيطِه ودَهْنِه، والشَّعِثُ: الَّذي لا يَهتَمُّ بشَعرِه فيُصبِحُ ثائرًا على رأسِه، فقال: "أمَا كان يَجِدُ هذا"، أي: الرَّجلُ المتفرِّقُ شَعرُه، "ما يُسكِّنُ"، أي: يَلُمُّ، "به شَعرَه؟"، أي من يهتم به، ويمشط له شعره، ويهذّبه، وهذا دعوةٌ منه- صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم- أن يَهتَمَّ الإنسانُ بنَظافةِ مَلبَسِه، وأن يتَعهَّدَه بالغَسْلِ والطِّيبِ وما شابَه، فإذا كان هذا الحال في ثياب الرجال وفي هيئة الرجل من نحو تمشيط شعره ونظافة ثوبه فكيف الحال بالنسبة للمرأة؟
وأوضح د. الأزهرى أن الدولة حاليًا تسير في الطريق الصحيح في المحافظة على الذوق العام وعلى آداب الفن الهادف، لأن الفن ما جُعِلَ للعُري ولا جُعِلَ لنشر الفاحشة والتحريض عليها، وإنما جُعِلَ لنشر الآداب العامة والمحافظة عليها، والأخلاق الفاضلة، وليس ما نراه هذه الأيام من نشر البلطجة كما في أفلام الأسطورة وغيرها والاعلانات الخادشة للحياء، وما نسمعه من كلمات تصم الآذان وتُبغض الناس في الغناء، وكلمات ربما تشتمل على عبارات وإيحاءات جنسية كما في كثير من الأغاني الشعبية، هذا بحاجة لتدخل نقابة الموسيقيين، ونقابة الفنانين، وتدخل المجلس الأعلىٰ للإعلام حتى يستقيم الأمر، وللعلم فإن الفن الهادف وغير الصاخب أقرَّه الإسلام، ففي الحديث عن أم المؤمنين عائشة أن أبا بكر رضي الله عنه دخل عليها وعندها جاريتان في أيام مِنى تدففان وتضربان، والنبي متغش بثوبه فانتهرهما أبو بكر فكشف النبي عن وجهه فقال: دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد، وتلك الأيام أيام مِنَى.
وأشار إلي أن سيدنا النبي حذر من العُري الذي أصبح يجتاح البلاد، فقال رسول الله: "صِنفان من أهل النار لم أرَهما؛ قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مُميلات مائلات، رؤوسهن كأسنِمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا" وقال رسول الله أيضا: "إياكم والتعرِّي، فإنَّ معكم مَن لا يُفارقكم إلا عند الغائط، وحين يُفضي الرجل إلى أهله، فاستحيوهم وأكرموهم".
وأنهي د. الأزهري كلامه مؤكدا أن المجتمع بحاجة للمحافظة على الشباب الذي أصبح بين مطرقة البلطجة وسندان العُري، كما حدث في بعض الإعلانات لنشر العُري واستعراض جسدها كسلعة رخيصة لإغراء الشباب، والتحدث بكلمات جنسية غير لائقة، وتناست أمر الله تعالى للرجال والنساء على حد السواء بضرورة غض البصر، وعدم التعري بإبداء الزينة والمفاتن، قال تعالى: "قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ* وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ".
اترك تعليق