بعد الحديث عن أصناف الناس الثلاثة وأوصافهم وعاقبته التي أتت في مقدمة سورة البقرة، يأتي أول نداء في القرآن الكريم وهو نداء للبشرية جميعًا، فبعد ما حدّد الله لنا طريق المتّقين الذي ُيرضيه وحذّرنا من عاقبة الكفر والنفاق، قال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُم تَتَّقُونَ) {البقرة :٢١} فكان النداء للناس جميعًا بأصنافهم الثلاثة.
فقد أمرنا الله أن تكون العبادة له وحده وعدم الإشراك به وألا نجعل له نداً ولا شريكاً، ونجد أن العلّة من صرف العبادة لله وحده كما بيّنت الآية، في قوله (الذي خلقكم) فلا يستحق العبادة ولا تُصرف الطاعة إلا للخالق لنا وللكون كله، فمن غير الله تعالى أوجده، فهو القائل ﴿أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ هذا المقام فيه إثبات الربوبية وتوحيد الألوهية، أوجدوا من غير موجد؟ أم هم أوجدوا أنفسهم؟ بل الله هو الذي خلقهم وأنشأهم بعد أن لم يكونوا شيئا مذكورا، فهو المستحق للعبادة بهذا الدليل العقلي، والبرهان القطعي.
وكانت هذه الآية سبب هداية الصحابي جبير بن مطعم- رضي الله عنه- الذي قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:35] كاد قلبي أن يطير، قال الخطابي: كأنه انزعج عند سماع هذه الآية لفهمه معناها ومعرفته بما تضمّنته، ففهم الحجة فاستدركها بلطيف طبعه.
ولنعلم أن الأمر العظيم الذي من أجله خُلقت الخليقة، والذي من أجله خلق الله الإنس والجن، هو عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال: "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ".
اترك تعليق