كثيرٌ من الناس يهتم لمرض البدن ويحرص على السلامة ويسعى جاهدا في تحقيق الشفاء وينفق في ذلك كل ما يملك، ولا شئ في ذلك، ولكنه في المقابل لا يهتم مطلقا بمرض وعلل سلطان البدن ووعاء التقوى وهو القلب، ولا يهتم بشفائه، فهو في غفلة عن هذا الأمر، فمنهم من يشعر بمرض قلبه مع إعراضه وكثير منهم لا يشعرون بمرض قلوبهم ولا يلمسون أثر ذلك، وهذا من أعظم البلاء على العبد حيث يكون المرض متغلغلا في قلبه، مسيطرا على جوارحه، وهو لا يشعر بذلك ولا يكترث، لأن قلبه استمرأ ذلك واعتاد عليه فأصبح لا ينزجر بزاجر ولا ينتفع بموعظة ولا يذوق حلاوة الإيمان بل عمي هذا القلب قال تعالى: {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}.
فالقلب هو المعيار الرئيسيّ لفلاح الإنسان ونجاحه في حياته، فإن كان قلبه سليماً صحيحاً، كانت حياته كذلك، فالقلب السليم هو أساس صلاح الإنسان، وهو أيضا سبب من أسباب النجاة يوم القيامة؛ قال تعالى: {وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}.
وعلى كل منّا أن يسعى لأن يكون قلبه سليماً، قال رسول الله ﷺ : ((ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً، إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ وإذَا فَسَدَتْ، فسدَ الجَسدُ كُلُّهُ، ألا وهِيَ القَلبُ))، والقلب السليم هو الذي سلم من الشرك والنفاق، ومن الغلِّ والحقد والحسد.
وقد كان الرّسول يحثّ الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين على أن يحرصوا على سلامة قلوبهم، عَنْ سيدنا عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ: ((أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ، صَدُوقِ اللِّسَانِ". قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ، فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟ قَالَ: "هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ، وَلَا بَغْيَ، وَلَا غِلَّ، وَلَا حَسَدَ")).
ووصف الله عزَّ وجلَّ أهل الجنَّة بسلامة القلب فقال: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ}.
ولقد أثنى رب العزة على الأنصار لأمر مهم فقال: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}. فقد كانت قلوب الأنصار سليمة لإخوانهم ولم يعترضوا على تفضيلهم ولم يحسدوهم على ما آتاهم الله من فضله.
والتزم عبدالملك بن مروان بمنهج الصحابة في هذا الأمر فحرص على توعية أبنائه وتوصيتهم بسلامة الصدر وهو على فراش الموت إذ جمع ولده، فقال: (أوصيكم بتقوى الله، فإنَّها عِصْمة باقية، وجُنَّة واقية، وهي أحصن كهف، وأزْيَن حِلْية، ليعطف الكبير منكم على الصَّغير، وليعرف الصَّغير منكم حقَّ الكبير، مع سَلَامة الصَّدر، والأخذ بجميل الأمور…).
ولكن ما أصعب هذا الأمر فهو ليس بالسهل فقد يُحسِن كلٌ منا مكابدة الليل وقيام ساعاته ولكنه قد لا يستطيع أن يزيل من قلبه كل شئ تجاه من حوله، ولكن هناك حافزا يساعدنا في طريق تنقية قلوبنا، فسيدنا أنس رضي الله عنه يقول: ((كنَّا جُلوسًا مع رسولِ اللهِ فقال: يَطلُعُ عليكم الآنَ رَجُلٌ من أهلِ الجَنَّةِ، فطَلَعَ رَجُلٌ من الأنصارِ، تَنطِفُ لحيَتُهُ من وَضوئِهِ، قد تَعَلَّقَ نَعْلَيهِ في يَدِه الشِّمالِ، فلمَّا كان الغدُ، قال النَّبيُّ، مِثْلَ ذلك، فطَلَعَ ذلك الرَّجُلُ مثلَ المرةِ الأولَى. فلمَّا كان اليومُ الثالثُ، قال النَّبيُّ، مِثْلَ مَقالَتِهِ أيضًا، فطَلَعَ ذلك الرَّجُلُ على مِثْلِ حالِه الأولَى، فلمَّا قام النَّبيُّ تَبِعَهُ عبدُاللهِ بنُ عَمْرِو بنِ العاصِ فقال: إنِّي لاحَيتُ أبي فأقسَمْتُ ألَّا أدخُلَ عليه ثلاثًا، فإنْ رَأيْتَ أنْ تُؤويَني إليكَ حتى تَمضيَ فَعَلتَ؟ قال: نَعَمْ. قال أنَسٌ: وكان عبدُاللهِ يُحَدِّثُ أنَّه باتَ معه تلك اللَّياليَ الثَّلاثَ، فلم يَرَهُ يقومُ من الليلِ شيئًا، غيرَ أنَّه إذا تَعارَّ وتَقَلَّبَ على فِراشِهِ ذَكَرَ اللهَ عزَّ وجَلَّ وكبَّرَ، حتى يقومَ لصلاةِ الفجرِ. قال عبدُاللهِ: غيرَ أني لم أَسمَعْهُ يقولُ إلَّا خَيْرًا، فلمَّا مَضَتِ الثلاثُ ليالٍ وكِدْتُ أنْ أحقِرَ عمَلَهُ، قلتُ: يا عبدَاللهِ، إنِّي لم يكن بَيْني وبينَ أبي غَضَبٌ ولا هَجْرٌ ثَمَّ، ولكِنْ سَمِعتُ رسولَ اللهِ يقولُ لكَ ثلاثَ مِرارٍ: يَطلُعُ عليكم الآنَ رَجُلٌ من أهْلِ الجَنَّةِ فطَلَعتَ أنتَ الثلاثَ مِرارٍ، فأرَدْتُ أنْ آويَ إليكَ لِأنظُرَ ما عَمَلُكَ، فأقتَديَ به، فلم أرَكَ تَعمَلُ كثيرَ عَمَلٍ، فما الذي بَلَغَ بكَ ما قال رسولُ اللهِ، فقال: ما هو إلَّا ما رَأيتَ. قال: فلمَّا وَلَّيتُ دَعاني، فقال: ما هو إلَّا ما رَأيتَ، غيرَ أنِّي لا أجِدُ في نَفْسي لِأحَدٍ من المسلمينَ غِشًّا، ولا أحسُدُ أحَدًا على خَيْرٍ أعطاهُ اللهُ إيَّاهُ. فقال عبدُاللهِ: هذه التي بَلَغَتْ بكَ، وهي التي لا نُطيقُ)).
اللهم اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا، إنك رؤوف رحيم.
اترك تعليق