البنت والسيدة المصرية ليست هي من تتفرغ لتطبيق "التيك توك" لتعرِض نفسها عليه، مثلما تم ترويجه مؤخرا، وليست هي الراقصة التي تعرض صورها بملابس عارية على مواقع التواصل الاجتماعي، فهناك بنات وسيدات مصريات- وهن الغالبية- اللاتي يقدِّمن أجمل صور الكفاح والنجاح من صور إيجابية طموحة تعكس مدى صلابتها ومثابرتها في الحياة.
وهناك "بِنْك تاكسي"، وعربة متنقلة لبيع "الأطعمة المنزلية"، مشروعات نسائية متنوعة وجديدة بأفكار من خارج الصندوق اقحتمت بها مجموعة من النساء المكافحات المثابرات مجال العمل في الشارع المصري، ليتحدين من خلالها الظروف الاجتماعية والاقتصادية، فأصبحن نسوة مثابرات مكافحات مُلْهِمات نَسَجْنَ خيوط النجاح لرفعة عوائلهن والنهوض بهم.
لم تقف المضايقات أو متعاب الحياة عائقا أمامهن في تحقيق حلمهن في المشروع الذي بدأن به لتحمّل المسؤولية كاملة مثل الرجال تماما، لينطبق عليهن المثل القائل "بنت بـ100 راجل".
البداية كانت مع مشروع "بِنْك تاكسي" الذي أطلقته د. ريم فوزي لحماية الفتيات- بطريقتها الخاصة- من ظاهرة التحرّش اللفظي والجنسي، ليكون أول مشروع في مصر والوطن العربي للنساء فقط- سائقا وركَّابا- فلاقي نجاحًا كبيرًا.
اتجهت ريم فوزي لإنشاء شركة متخصصة في "الليموزين" تطويرًا لفكرة تاكسي العاصمة وبدأت في استضافة الفتيات بسياراتهن لخدمة مثيلاتهن من الجنس في تقديم خدمة التوصيل بكل أمان وأريحية عن طريق "موبايل أبلكيشن"، وبدأت الترويج لفكرتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي ولاقت قبولًا من بعض الفتيات اللواتي شجَّعن الأخريات بخوض التجربة، إذ يتولى المتخصصون تدريب الفتيات على القيادة الآمنة، وميكانيكا السيارات، والصيانة والتعامل مع كافة أنواع الأعطال التي من الممكن أن يواجهنها أثناء القيادة، كما أنها تستقبل الفتيات اللواتي يتقنَّ اللغات الأجنبية للتعامل مع السائحات.
تغيير الصورة
وعن هذه التجربة الجديدة أوضحت د. ريم أنها واجهت تحديات كثيرة في محاولاتها المستميتة في تغيير الصورة النمطية عن المرأة ومحاولات تعديل العادات والتقاليد وإقناع المجتمع بعمل المرأة كسائقة سيارة أجرة، الفكرة التي لاقت رفضًا واسعًا من قِبل الأهل والأزواج.
وأكدت أن المشروع أصبح رائدًا ونموذجا يحتذى به في عمل النساء، وأن فكرتها بدأت تتداول في بعض الدول وانتقلت التجربة بالفعل لتشغيل المرأة كسائقة تاكسي مخصص لركوب السيدات فقط.
سوبر ومان
وفي منطقة المهندسين، توجد "عربة متنقلة للوجبات السريعة"، يغلب عليها الطابع النسائي، بألوانها الزاهية وشكلها المرتَّب ونظافتها اللافتة، تقف بنتان ذواتا ملامح شرقية جميلة وجذّابة ترتديان ملابسهما الجميلة الملوّنة المنمّقة، يستقبلان ضيوفهن من المارة بابتسامة تحمل معان الحيوية والطاقة، يعرضان منتجاتهما التي صُنعت بنكهة منزلية يفتقدها الكثير ممن يقضون جزءا طويلا من يومهم خارج المنازل.
وجبات سريعة متنوعة مصنوعة بشكل جذاب ورائحة زكية، يلتف حولها العاملون بالمحلات التجارية المحيطة ومارة الشوارع يطلبون إفطارهم أو وجبة غدائهم.
عن التجربة تقول مي مجدي- صاحبة الـ 28 عاما، خريجة كلية النظم والمعلومات- أنها بدأت مشروعها منذ ثلاثة أشهر، حيث تراودها الفكرة منذ حوالي خمس سنوات، لافتة إلى أنها سعت كثيرًا لإتمام الأوراق الخاصة بالتراخيص وتم إبلاغها بإيقاف التراخيص الخاصة بالعربات المتنقلة.
وأضافت مي أنها وصديقتها لاقيا ترحابًا شديدًا من الناس في الشارع وكثير منهم شجّعوا الفكرة، ودائمًا ما يطلقون العبارات التحفيزية "برافو، بنات بـ 100 راجل، هي دي الست المصرية"، الأمر الذي زادها تمسّكًا بنجاح مشروعها.
وأوضحت أنها واجهت صعوبات كمثل أي شخص يبدأ خطوة جديدة في حياته، إذ تصدت لمحاولات المُحبِطين وأعداء النجاح حتى أثبتت قدرتها على النجاح وأصبحت نموذجا يحتذى، كما أنها لا تبالي بما يقال لها من عبارات سلبية بل تكون دافعًا لها لإثبات نجاحها.
وأكدت صاحبة مشروع "سوبر ومان" أن الكثير من الفتيات سألن عن خطواتي لإتمام مشروعي، وأرى في عيونهن الإصرار على النجاح، لافتة إلى أنها عملت على مدار 5 سنوات في المطاعم واكتسبت الخبرة الكافية لإدارة مشروعها الصغير، موضحة: بدأنا بصناعة اسم وبناء ثقة الزبائن، ونحاول جاهدين تحسين جودتنا وخدماتنا لنكون جديرات بثقة الناس، مشيرة إلى أنها لاقت دعمًا معنويًا كبيرًا من أسرتها والمحيطين بها.
وأكدت أنها لجأت إلى السوشيال ميديا الإيجابية في تسويق مشروعها، وانتقدت بشدة ما تفعله الفتيات من أعمال مبتذَلة ورقصات عارية وملابس فاضحة على مواقع التواصل الاجتماعي لتحقيق المكسب السريع، مرجّحة ذلك بأن "الحرام لا يدوم، والحلال طعمه حلو مهما كان متعبا ومجهدا".
وجَّهت "مي" رسالة للفتيات قائلة: استغلي طاقتك وإبداعاتك في مشروعك، لأن التجربة تستحق المغامرة.
وبسؤالها عن طموحها قالت: أسعى جاهدة لافتتاح مطعم تكون العاملات فيه فتيات فقط لدعم المرأة وتشجعيها، لكنها لن تتخل على "عربتها" لأنها "وش الخير" عليها، على حد وصفها.
وفي صورة تعكس مدى الحب والتناغم والصداقة بين البنتين، أكدت ندا السيد- 24 سنة وحاصلة على بكالوريوس التجارة- أنها تربطها بـ"مي" صداقة قوية منذ ما يقرب من 5 سنوات، إذ عملا معًا في أحد المطاعم وفكَّرا سويًا في المشروع، لافتة إلى أنها وصديقتها تسعيان لتحقيق طموحهما المادي من خلال هذا المشروع.
وأضافت: نسعى لاستخراج التصاريح الخاصة بالمشروع كي لا نخالف قوانين الدولة، وتمنت ندا العمل بأحد البنوك، لكنها بدأت أولى تحقيق أهدافها من خلال هذا المشروع، وسوف تكمل ما بدأته وصديقتها خلال المرحلة المقبلة.
طبَّاخة منزلية
ومن داخل منزلها بدأت نسمة كمال مشروعها، حيث تقوم بإعداد الأطعمة المنزلية وبيعها من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، لتتغلب على ظروفها الاجتماعية والاقتصادية، فهي مطلَّقة وأم لثلاثة أطفال في مراحل تعليم مختلفة.
بدأت نسمة- التي تبدو في عقدها الثلاثيني-حديثها متسائلة: لماذا لا نكون مثل أم حكيم بنت الحارث بن هشام التي شاركت في معركة اليرموك أمام الروم؟! مضيفة بأنها تؤمن بقدرة المرأة على تحقيق المستحيل مثلما فعلت نساء المؤمنين.
وأوضحت أنها لم تخجل من عملها، حيث تعمل طباخة منزلية، وتمكّنت من تحسين دخل أسرتها والاستمرار في تعليم أبنائها، إذ عاهدت نفسها أن توفر لنفسها وأبنائها حياة كريمة مشرّفة.
وأكدت أنها واجهت تحديات كثيرة، بداية من انتقادات المجتمع التي فرضت عليه أسلوبها وطريقتها واقتدت بها عشرات النساء ليسِرْن على نهجها، مرورًا بمتطلبات بيتها ورعاية أطفالها، وصولًا إلى صعوبات توصيل الطلبات للمنازل، إذ أنها لم تسعف في توفير "ديلفري" يرفع عن كاهلها حمل توصيل الطلبات.
واستغلت نسمة السوشيال ميديا ومواقع التواصل الاجتماعي في الترويج لمشروعها، وهى فخورة بالرسالة التي تقدمها، مؤكدة أن التحدي والإصرار والعزيمة هم حلفاؤها في رحلتها، كما تقدِّم "الأكل البيتي" بأسعار في متناول الجميع، فأصبحت داعمة للنساء العاملات والرجال المغتربين والأرامل، فكلنا حلقات خُلِقنا لمساعدة بعض، فكل منّا يُكمّل الآخر.
تُوجِّه نسمة رسالة لكل النساء اللواتي يفكرن جديًا في عمل مشروع أن يتحلين بالصبر وألا يُحبطن أو يتوقّفن وأن يؤمنَّ بحلمهن وتحقيقه.
اترك تعليق