لاشك أن نشأة المسارح عبر العصور المتعاقبة ظلت حاجة وضرورة اجتماعية. وذلك علي اعتبار أن الفن المسرحي ينشأ تبعا لظروف المجتمعات المختلفة. أيا كانت هذه الظروف قاسية أو رغدة. فالمثير للدهشة أن الحاجة للمسرح هي مطلب غريزي لكل المجتمعات علي سطح الكرة الأرضية. فهناك مجتمعات تمارس المسرح وهي تعاني من ظروف سياسية صعبة
لاشك أن نشأة المسارح عبر العصور المتعاقبة ظلت حاجة وضرورة اجتماعية. وذلك علي اعتبار أن الفن المسرحي ينشأ تبعا لظروف المجتمعات المختلفة. أيا كانت هذه الظروف قاسية أو رغدة. فالمثير للدهشة أن الحاجة للمسرح هي مطلب غريزي لكل المجتمعات علي سطح الكرة الأرضية. فهناك مجتمعات تمارس المسرح وهي تعاني من ظروف سياسية صعبة. كأن يكون المجتمع محتلا. أو واقعا تحت نير حاكم مستبد. أو نظام سياسي فاسد. أو أن يكون هذا المجتمع أو ذاك يعاني من اضطراب وضعف في ظروفه المعيشية والاقتصادية. والذي هو في غني عن ممارسة ما قد يراه البعض رفاهية الاستمتاع بالإبداع المسرحي. وكذلك يبرز المسرح حتي في المجتمعات المنتعشة اقتصاديا. والتي تعيش حياة رغدة ومرفهة. بل غالبا ما يكون المسرح في صدارة الأنشطة الإبداعية. وفي المجتمعات التي عانت ويلات الشتات لظروف أو كوارث طبيعية. أوسياسية ألمت بها. نجد فيها الحاجة إلي المسرح. وحتي عندما تسعي دولة استعمارية لاحتلال دولة أخري فإنها إما أن تأخذ المسرح معها إلي الدولة المحتلة. أو أنها تبحث عن المسرح المحلي فيها لتوقظه. وعندما تحدث ثورة يتغير معها نظام المجتمع السياسي والاجتماعي والثقافي وبالتالي يزدهر المسرح حيث يجد من جديد أرضه الخصبة. ليصبح في مقدمة الأنشطة الإبداعية التيتنعكس عليها رياح ذلك التغيير. ويبدو أن للمسرح علي اختلاف أشكاله وموضوعاته وقضاياه سحره الخاص الذي يستحوذ علي ألباب المشاهدين في كل المجتمعات الإنسانية. حتي بات في معظم الأحوال وسيلة للتدخل السياسي والاجتماعي الإيجابي في مدي واسع من الحضارات الإنسانية التي مازالت في مرحلة التطور في العالم أجمع. وهو مايثير لدينا تساؤلا عن تلك الكيفية التي يرتبط بها المسرح في كثير من الأحوال بعلاقة ديناميكية وصعبة بالمجتمعات. وهذا ما يؤكد قدرة الفن المسرحي علي إحداث التغيير في المجتمع, وليس هناك ما يدعو للدهشة عندما نعلم أن سلسلة مجلدات الدراسات المسرحية الحديثة بجامعة كامبريدج Cambridge علي سبيل المثال تحاول دائما استكشاف وظائف المسرح السياسية والاجتماعية والحضارية. والكشف عن العلاقة المضطردة بين المسرح والمجتمع. وفي دراساتها الأكثر حداثة نجد إثارة لموضوعات من نوعية المسرح المبتكر devised theatre ومسرح المجتمع الصغير أوما- يعرف بـcommunity. وهي كلمة-تطلق علي الناس الذين يعيشون في منطقة واحدة. تجمعهم اهتمامات وهموم وخلفيات واحدة. كما-تستخدم الكلمة أيضا لتصف المجتمع العالمي. وأحيانا تستخدم لتشير إلي الجمهور بشكل عام. هذا بالإضافة إلي الدراسات المتعلقة بقضايا ما وراء المسرح Para theatre. ويقصد بها التجارب المسرحية التي حاولت البحث عن صيغ جديدة للعرض المسرحي غير المألوفة. ليس فقط من قبيل التجريب فحسب. ولكن للتأكيد علي ضرورة تفجير القضايا السياسية والاجتماعية التي تخاطب المجتمع بصور غير المعتادة. ولإقامة مزيد من التواصل بين المسرح والمجتمع. حيث يتمتع الفن المسرحي بخاصية لاتتوفر لأي فن آخر. وهي تلك الحيوية التي تتدفق من المبدعين. وتتفاعل وجدانيا وعقليا مع المتفرجين. في مكان واحد يجمعهم جميعا لفترة محددة. تولد وتزول سريعا. لتولد مرة أخري. ورغم تكرار وإعادة تلك التجربة الجماعية التي يعيشها المتفرجون مع الممثلين بنفس عناصر العرض. إلا أن النتيجة في كل مرة تكاد تختلف. وذلك بسبب أن الحالة المزاجية للمؤدين تتغير في كل مرة. هذا من جانب. ومن جانب آخر فإن الجمهور هو أيضا متغير. وفضلا عن ذلك فإن التجربة الجماعية التي تصهرهما هي الأخري في حالة من التغير والتبدل. وهو ما يمنح تجربة المسرح المتعة والإدهاش. كما يمنحها الخصوصية والتفرد. فالمشاركون في العرض المسرحي من مؤدين ومتفرجين يؤثرون في بعضهم البعض. فالأمر إذن يتعلق بالتقاليد أوالقيم الاجتماعية التي تعتمل في مجتمع ما يقدم فيه الإبداع المسرحي بوصفه جزءا من منظومة القيم السائدة في هذا المجتمع. والتي تعارف واتفق عليها أفراد المجتمع. فالمسرح في حد ذاته يحمل قيما يبثها إلي المتفرجين بغرض حثهم بشكل أو بآخر علي التغيير للأفضل والأنفع.
اترك تعليق