أقف منبهرًا متأمّلا كيف استطاع نبينا (صلى الله عليه وسلم) وبكل حكمة ورحمة أن يرسِّخ لنا مفهوم التعايش والوحدة الوطنية في أبهى وأرقى معانيها، فجعل المدينة المنورة وطنًا لكل من يسكنها مع اختلاف عقائدهم ودياناتهم وألوانهم وأعراقهم؟!
فالنبي تعامل مع كل هؤلاء وغيرهم من خلال مبدأ السلام والتعايش السلمي حتى مع كل من عاداه وآذاه، ذلكم النبي العظيم الذي تعايش في المدينة مع الطوائف حيث عاهدهم واتفق معهم على ما ينفع لا ما يضر، وعلى ما يجمع لا ما يفرّق، وعلى المصالح المشتركة التي تجمعهم في وطن واحد يشتركون في سكناه، ويستظلون تحت سماه، بل كان يُحسن إليهم ويتلطّف في معاملتهم ويقابل الإساءة بالإحسان، وليس أدل على ذلك من زيارته لليهودي في مرضه مع أنه كان يؤذيه.
فكيف استطاع أن يتعايش سلميًّا مع كل هؤلاء تحت سماء وطن واحد، وشمس واحدة، يشربون ماء أرض واحدة، وكيف وفّق بين هذه الطوائف؟ وهذه الاتجاهات وتلك الأديان؟ هذا الذي نحن في أمسِّ الحاجة إليه، كي نستطيع أن نقف في وجه أعداء الإنسانية.
إن الإسلام يفرض على المسلمين الإيمان بجميع الأنبياء والرسل السابقين بدءًا من أبينا آدم إلى سيدنا عيسى- عليهم السلام- وما دامت هناك أصول مشتركة، وكتب سماوية مشتركة لا يمكن أن تتناقض في أصولها وثوابتها وحقيقتها، ومن ثمَّ يكون العمل المشترك من أجل الوصول إلى مجتمعات يسود فيها الحق، وينتشر فيها الخير، ويتراحم الجميع مبتعدين عن العصبية والطائفية والتمييز العنصري والتكفير.
إن القرآن الكريم ينبّهنا إلى قضية هامة تجاه غير المسلم وهي البر وحُسن العشرة والمعاملة، ولننقف هنا متأمّلين جمال وروعة التعبير القرآني وهو يحدثنا عن معاملة غير المسلمين يقول سبحانه وتعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ الله عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ* إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ الله عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (الممتحنة: 8،9)، فأمر الله المسلمين في القرآن الكريم ببرِّ مخالفيهم في الدين وإنصافهم والإقساط إليهم، طالما لم يتعرّضوا لهم بالأذى والقتال.
وليس هناك أدلّ على التعايش السلمي من وصية النبي بالأقباط، وزواجه من السيدة مارية القبطية، مما يؤكد جواز تهنئة أشقاء الوطن والإنسانية، ومودّتهم والبرّ بهم، فلهم ما لنا وعليهم ما علينا في الحقوق والواجبات.
ومصر تضرب أروع الأمثلة في التعايش السلمي فتجد المسلم يجاور أخاه القبطي ويتبادلون الزيارات والتهاني والأفراح، ويتقاسمون الألم، فهم جسد واحد، ولُحمة وطنية واحدة، فهذه هي مصر، وأهلها في رباط إلى يوم القيامة.
اترك تعليق