هناك كثيرمن العبادات نتغافل عنها مع ما فيها من الفضل العظيم والثواب الجزيل، وقد تكون في غاية السهولة، والله يعطي الأجر العظيم على العمل القليل؛ لأن من أسمائه الكريم والمنّان، يعطي وماعنده سبحانه وتعالى لا ينفد، ونحن بحاجة دائماً أن نتذكر من العبادات ما يعيننا على بلوغ الدار الآخرة والوصول إلى برّ السلامة.
ولقد بشَّرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة النبوية ببشارات عظيمة، وهي أعمال إذا فعلها العبد يكون من أفضل العباد يوم القيامة، ومن أعظم هذه الأعمال وأجلّها ذكر الله عزَّ وجلَّ .
وذِكر الله أنواع، ذكر لساني يرتبط بالقلب، أي بالمعاني الموجودة في القلب، فكل ذكر وكل نوع من هذا الذكر يجري على لسان العبد وحقيقته قائمة في قلبه، ويعني رضا العبد عن أفعال ربِّه، ويعبّر عن تسليم العبد لقضاء ربّه؛ فأول شئ يعرفه العبد في هذه الدنيا هو فضل الله تعالى ونعمُه عليه.
فالحمدُ من علامات حُسن العبودية لله العظيم،
ويكفى الذاكر شرفا أن ذِكره لله يورّثه ذكر الله له؛ كما قال تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ}، ولو لم يكن في الذكر إلَّا هذه وحدها، لكفى بها فضلًا وشرفًا.
والمتطلِّع لما في السنة النبوية من كنوز يجد كثيرًا من الأجور مترتبة على الحمد، ففي كل مرة يقول المسلم: ((سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ)) يكتسب بكل واحدة منهن أجر صدقة؛ فعن سيدنا أبي ذرٍّ الغفاري- رضي الله عنه- قال رسول الله: ((أَوَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ؟ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً)).
وهنَّ غراس الجنة فعن سيدنا ابن مسعود- رضي الله عنه- قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: (لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ عَذْبَةُ المَاءِ، وَأَنَّهَا قِيعَانٌ، وَأَنَّ غِرَاسَهَا سُبْحَانَ اللَّهِ وَالحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ)).
والله هو المحمود حقاً، وله الحمد في الأولى والآخرة، فالق الإصباح، وهو الحكيم الخبير، وله الحمد على ما أعطى، وما منع، وعلى ما يفعل، فهذه الكلمة العظيمة المجيدة نثني بها على الله في سرّائنا، ونلهج بها في ضرّائنا.
وهذا هدي المصطفى فقد كان إذا رأى ما يحب قال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ}.
وَإِذَا رأى ما يكره قال: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ)).
وَ”الحَمْدُ لِلَّهِ” أول كلمة قالها اللهُ تعالى في كتابِه الكريم؛ فقد افتتحَ بها أولَ سورة فقال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.
وَ”الحَمْدُ لِلَّهِ” أول كلمة نطق بها سيدنا آدم- عليه السلام- فعن سيدنا أبي هريرة- رضي الله عنه- قال رسول الله؛ (لمَّا خلقَ اللَّهُ آدمَ ونفخَ فيهِ الرُّوحَ عَطسَ فقالَ: الحمدُ للَّهِ، فحمِدَ اللَّهَ بإذنِهِ، فقالَ لَهُ ربُّهُ يرحَمُكَ اللَّهُ يا آدمُ).
وَ”الْحَمْدُ لِلَّهِ” من أحبِ الكلامِ إلى الله، قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى اللهِ أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ)).
وَ”الْحَمْدُ لِلَّهِ” من أَفْضَلُ الكَلاَمِ، قَالَ النَّبِيُّ: ((أَفْضَلُ الكَلاَمِ أَرْبَعٌ : سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ، وَلاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ)).
وَ”الْحَمَّادُونَ” أفضل عباد لله؛ أَي: الَّذين يكثرون حَمدَهُ، فِي السَّرَّاءِ وهي سَعَةُ الْعَيْشِ، وَفي الضَّرَّاءِ وهي الْأَمْرَاضُ والمصائبُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ((إِنَّ أَفْضَلَ عِبَادِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الْحَمَّادُونَ)).
وَمن يطلق عليه لفظ ”الْحَمَّادُونَ” يكون أَولُ مَنْ يُدْعَى لِدُخُولِ الجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ((يقومُ مُنادٍ فينادي يَوْمَ الْقِيَامَةِ : سَيعْلَمُ أهلُ الجمعِ مَنْ أصحابُ الكَرَمِ؟)) وفي رواية: ((سَيَعْلَمُ أَهْلُ الْجَمْعِ الْيَوْمَ مَنْ أَوْلَى بِالْكَرَمِ؟ أَيْنَ الحَمَّادُون عَلَى كُلِّ حَالٍ؟ فيَقُومُونَ، فيُؤْمَرُ بِهِم إِلَى الجَنَّة)).
وقد حمد الله نفسه في آيات كثيرة وأمرنا بحمده، ويقول رب العزة عن أهل الجنة: {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ۚ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } .
وأهل الجنة إذا عاينوا في الجنة ذلك الثواب الوافر، والعطاء العظيم، والنعيم المقيم، والملك الكبير يقولون كما أخبرنا رب العزة سبحانه: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ } .
وقال تعالى: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا }.
وقال: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ }.
اللهم إننا نحمدك على عطائك الممتد، وعلى لطفك الخفي الذي ليس له حد، والحمد لله الذي لا يصرف السوء إلا هو، ولا يكشف الضر إلا هو، ولا يأتي بالخير إلا هو، وهو على كل شئ قدير، واجعلنا اللهم من الذاكرين الحمَّادين الشاكرين.
اترك تعليق